في غزة لا ينتظرون النازحون فصل الشتاء بوصفه موسماً للخير يحمل معه الدفء والطمأنينة بل تستعد آلاف العائلات لمواجهته برائحة الطين والخيام الغارقة فصل جديد يخيم بظلاله على اوجاع النازحين ويضيف إلى معاناتهم اليومية فصولًا أخرى من القلق والخوف خيام مهترئة تعجز عن مقاومة الأمطار والرياح وأطفال يرتجفون من البرد وعائلات تحاول حماية ما تبقى لها من متاع فيما تتهدد المباني المتضررة حياة السكان والنازحين المحيطين بها هكذا يستقبل النازحون في غزة الشتاء قلق ورعب من أن تتحول الأمطار إلى كارثة جديدة وأن يصبح البرد امتداداً لمعاناة لم تنتهِ منذ اندلاع الحرب.
▪︎ خيام متهالكة
خيام مصنوعة من القماش والنايلون لا تقي برد الشتاء القارس ولا تصد الرياح باتت بالنسبة إلى كثير من العائلات النازحة بديلاً قسرياً عن البيت أعمدة خشبية مائلة تثبّتها حبال بالية وأرضيات رملية تتحول مع أول مواجهة من زخات المطر إلى برك مياه والطين، في مشهد يعكس قسوة الظروف التي يعيشها النازحون مع حلول فصل الشتاء.
وتزداد معاناة الأسر المتعففة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الاحتياجات الأساسية من خيام وأخشاب وأغطية من النايلون إلى جانب محدودية المساعدات الإنسانية والإغاثية المخصصة لفصل الشتاء وعدم عدالة توزيعها وسط غياب الاستجابة الكافية من المؤسسات الدولية والإنسانية لتلبية احتياجات العائلات الأكثر تضرراً.
باتت ملامح المعاناة أكثر وضوحاً على أرض الواقع إذ تقتلع الرياح القوية خياماً من أماكنها فيما تغرق خيام أخرى بالكامل بفعل الأمطار حاملةً معها ما تبقى للعائلات من طعام وملابس وفرشات لتجد هذه الأسر نفسها في مواجهة البرد والمطر وفقدان أبسط مقومات الحياة من دون مأوى يحميها أو إمكانات تتيح لها مواجهة قسوة الشتاء.
▪︎ البرد يفتك النازحين
لا تقتصر معاناة النازحين على تسرب مياه الأمطار إلى داخل الخيام بل تتفاقم مع ما يرافقها من مخاطر صحية وإنسانية لا سيما على الأطفال وكبار السن والمرضى فالنوم على أرضيات مبللة وغياب الملابس الشتوية ونقص الأغطية ووسائل التدفئة عوامل تزيد من معاناة العائلات النازحة وتضاعف هشاشتها أمام قسوة الطقس وانخفاض درجات الحرارة.
وتتجاوز هذه المعاناة نقص المأوى لتطال أبسط مقومات الحياة الإنسانية إذ تتحول الأمطار التي يفترض أن تكون مصدراً للخير إلى تهديد مباشر لصحة النازحين وسلامتهم ومع حلول الليل واشتداد البرد تجد العائلات نفسها أمام اختبار قاسٍ للصمود في ظل ظروف معيشية تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية والدفء.
▪︎ مبان آيلة للسقوط
لا تأتي الأخطار من السماء وحدها فإلى جانب الخيام المتهالكة تبرز مخاطر المباني المتضررة والآيلة للسقوط التي قد تشكل تهديداً مباشراً لحياة السكان والنازحين المقيمين بالقرب منها خصوصاً مع اشتداد الرياح وتجمع مياه الأمطار وتآكل الأجزاء المتضررة.
وتتحدث تحذيرات عن وجود مئات المباني آيلة للسقوط ما يستدعي التحقق من حجم الخطر ومواقعه والتحرك الهندسي العاجل لتقييم المباني المتضررة وتأمينها وإخلاء المناطق المهددة عند الضرورة، فالنازح الذي اضطر إلى مغادرة منزله هرباً من القصف لا ينبغي أن يجد نفسه أمام خطر جديد يتمثل في انهيار جدار متصدع أو سقوط سقف متضرر بفعل الأمطار والرياح ، إن غياب البدائل الآمنة يجعل كثيراً من العائلات محاصرة بين خطر الخيام وخطر المباني المدمرة.
وتكشف الأرقام حجم الكارثة العمرانية في قطاع غزة إذ أفادت تقديرات مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) استنادًا إلى صور ملتقطة في 16 يونيو/حزيران 2026م بتضرر نحو 201,290 منشأة أي ما يقارب 82% من إجمالي المنشآت في القطاع.
وحذّرت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية في سبتمبر/أيلول 2026م من أن نحو 2,000 مبنى ووحدة سكنية معرضة لخطر الانهيار فيما لا يزال قرابة 20 ألف شخص يقيمون فيها في ظل غياب البدائل الآمنة.
وتتضاعف خطورة هذه الظروف مع استمرار أزمة المأوى إذ أشارت اليونيسف في تحديثها بشأن الاستعداد للشتاء والاستجابة الإنسانية الصادر في يناير/كانون الثاني 2026م إلى أن قرابة مليون شخص في غزة يفتقرون إلى مأوى ملائم وأن بعض العائلات تضطر إلى الإقامة في مبانٍ متضررة ومعرّضة للانهيار.
وأمام هذا الواقع تبرز الحاجة إلى تدخل هندسي عاجل لتقييم المباني المتضررة وتحديد المواقع الأكثر خطورة وتأمينها أو إخلائها عند الضرورة بالتوازي مع توفير بدائل إيواء آمنة للعائلات المهددة.
▪︎ بين النداءات الدولية وغياب الحماية
في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تتجدد التساؤلات حول دور المؤسسات الدولية والهيئات الإنسانية وفي مقدمتها مجلس السلام ومدى قدرتها على ضمان حماية المدنيين وتوفير المأوى الملائم للنازحين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية بصورة عاجلة قبل أن تتحول الأمطار والبرد إلى مزيد من المآسي التي تهدد حياة آلاف العائلات.
لكن السؤال الأهم يبقى إلى متى سيظل المجتمع الدولي مكتفياً بمراقبة المعاناة وإصدار بيانات القلق في وقت تتواصل فيه الانتهاكات والعمليات العسكرية التي يدفع المدنيون ثمنها من أرواحهم ومنازلهم وكرامتهم إن التعامل مع المأساة الإنسانية بمعايير مزدوجة أو المساواة بين الضحية والجلاد لا يسهم في حماية المدنيين بل يفاقم شعورهم بالتخلي عنهم ويضع مصداقية المؤسسات الدولية أمام اختبار حقيقي.
إن مسؤولية المؤسسات الدولية لا ينبغي أن تتوقف عند رصد الاحتياجات أو إطلاق النداءات بل يجب أن تترجم إلى تحرك فعلي يضمن حماية المدنيين وتوفير المأوى الآمن وإدخال المساعدات دون عوائق والضغط من أجل وقف الانتهاكات واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، فحماية المدنيين ليست امتيازاً تمنحه الظروف السياسية بل التزام قانوني وإنساني لا يجوز التراجع عنه أو إخضاعه للاعتبارات السياسية.
وفي المحصلة لا يمكن اختزال ما يواجهه النازحون في غزة في أزمة طقس موسمية فهي معاناة متراكمة تتداخل فيها مخاطر القصف والدمار والنزوح مع قسوة الشتاء وغياب المأوى الملائم وأمام هذا الواقع لم يعد الاكتفاء ببيانات القلق والوعود كافياً بل بات التحرك العاجل ضرورة لإنقاذ الأرواح وصون كرامة الإنسان وضمان ألا يترك المدنيون وحدهم في مواجهة الموت والبرد وفقدان الأمان.
▪︎ تحرك عاجل لإنقاذ النازحين
إن الحد من مخاطر الشتاء على النازحين في قطاع غزة يتطلب تحركاً فورياً ومنسقاً بين المؤسسات الإنسانية ومؤسسات المجتمع المدني والجهات المحلية والدولية يستند إلى أولويات واضحة وإجراءات عملية تضع حماية الأرواح وصون كرامة العائلات في مقدمة المسؤوليات، قبل أن تتفاقم المعاناة بفعل الأمطار والرياح وانخفاض درجات الحرارة.
وتأتي إعادة فتح المعابر وتسهيل إدخال المساعدات والاحتياجات الإنسانية ومواد الإعمار في مقدمة هذه الأولويات بما يشمل مستلزمات إصلاح المساكن المتضررة وإعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير مواد الإيواء والإغاثة دون تأخير، بما يسهم في تحسين ظروف النزوح وتهيئة حلول أكثر أماناً واستدامة للعائلات التي فقدت منازلها.
كما تبرز الحاجة إلى إدخال آلاف الخيام إلى جانب وحدات سكنية مؤقتة ملائمة توفر الحد الأدنى من الحماية والخصوصية وتحفظ كرامة العائلات بدلًا من تركها في خيام متهالكة لا تصمد أمام الظروف الجوية القاسية ولا توفر الحماية الكافية للأطفال وكبار السن والمرضى ولا تقل أهمية عن ذلك توفير الملابس الشتوية والأغطية والفرش ووسائل التدفئة الآمنة بما يلبي الاحتياجات الأساسية للعائلات النازحة ويحد من المخاطر الصحية الناجمة عن البرد والرطوبة، لا سيما بين الفئات الأكثر هشاشة.
وفي موازاة ذلك تبرز ضرورة إدخال المعدات الثقيلة والآليات الهندسية لإزالة الركام وفتح مجاري تصريف مياه الأمطار ومعالجة تجمعات المياه في مخيمات النزوح إلى جانب تقييم المباني المتضررة وتحديد المناطق المهددة بالسيول أو الانهيارات ونقل العائلات من المواقع الخطرة إلى أماكن إيواء أكثر أمانًا عند الضرورة.
إن هذه الإجراءات لا تحتمل التأجيل أو الاكتفاء بالاستجابة الجزئية بل تتطلب خطة طوارئ متكاملة وتنسيقًا فعالاً بين الجهات المعنية وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وفقًا لحجم الاحتياجات الميدانية فالاستعداد للشتاء ليس مجرد توفير مستلزمات موسمية بل مسؤولية إنسانية عاجلة لتجنب مزيد من الخسائر والمعاناة وضمان ألا يتحول المطر والبرد إلى تهديد إضافي لحياة النازحين في غزة.
▪︎مسؤولية إنسانية وقانونية
حماية النازحين من برد الشتاء ومياه الأمطار ضرورة إنسانية ومسؤولية تقع على عاتق الجهات المعنية بما فيها الأمم المتحدة ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية إلى جانب المؤسسات المحلية والجهات القادرة على تسهيل وصول المساعدات ، ورصد المعاناة بضرورة الانتقال من التحذير من الكارثة إلى منع وقوعها وإلى توفير الحماية الفعلية ومن تقديم المساعدات المحدودة إلى استجابة واسعة تواكب حجم الاحتياجات المتزايدة.
ختاماً غزة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما تحتاج إلى أفعال تنقذ الحياة فالشتاء لا ينتظر القرارات السياسية والأمطار لا تمنح النازحين مهلة أخرى والطفولة التي ترتجف تحت الخيام لا تحتمل مزيداً من الانتظار وبين مسؤولية العالم ووجع الإنسان يبقى الاختبار الحقيقي في القدرة على حماية من فقدوا كل شيء إلا حقهم في الحياة بكرامة وأمان.