الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

عن "إسلام الربيع العربي" والعلاقة بين الثورة والثروة

التجربة علَّمت الجميع أن الثورة والثروة لا يلتقيان وأن التغيير والنفط لا يمكن ضبطهما في سياق واحد، والكل يعرف كذلك أن ثورة مصر ليست للبيع وأن ثروة أصحاب الثروات لا يمكن أن تشتري إرادة التغيير وقواها الشعبية.تبدو صورة الوطن العربي اليوم، بمشرقه ومغربه، مختلفة تماماً عنها في مثل هذه الأيام لثلاث سنوات مضت، هي العمر الافتراضي لما أطلق عليه تسمية "الربيع العربي". لقد اختفى العديد من الأنظمة التي كانت قائمة، وتصدرت الصورة قوى جديدة تحاول إعادة صياغة "النظام" في بلادها بهذا القدر أو ذاك من النجاح.لم تكن عملية التغيير سهلة دائماً، ولا هي تمت ـ حيث تمت ـ وفق معايير الثورة الكلاسيكية، ولا هي نجحت بعد في إقامة "النظام الجديد". لا هي قطعت تماماً مع الماضي، ولا هي استطاعت أن تقدم صورة واضحة للمستقبل.الكل ينسب ما حدث إلى "الربيع العربي" وهي تسمية غامضة وشديدة الالتباس تجعل هذا الربيع مجهول الأب، مجهول خط السير ومجهول الغايات وصولاً إلى هدفه الأخير. من يستطيع رسم المستقبل اعتماداً على توصيف غامض لحركة تغيير بلا قيادة واضحة ولا عقيدة محددة وبرنامج معلن صاغه من يفترض في ذاته القدرة على تنفيذه بدعم من قوى حقيقية في المجتمع اعتمدته بإرادتها الحرة؟وبغض النظر عن أن تسمية "الربيع العربي" ليست عربية المصدر، وأنها وصلتنا مترجمة، فإن الانتفاضات التي توالت مفجرة أنظمة القهر والتخلف في دول عربية عدة لم تكن موحدة، لا في هوية الذين كانوا الطلائع في مسيرتها، ولا في أغراض الذين حاولوا فنجحوا أحياناً وأخفقوا أحياناً في حرف هذه الانتفاضات عن أهدافها... وما جرى لانتفاضة الميدان في مصر شاهد وشهيد!إن ما وقع في سوريا ولها مختلف جداً عما وقع لتونس وفيها، ومختلف إلى أقصى حد مع ما وقع في ليبيا ولها... وبالمقابل فإن ما وقع في مصر ولها يمكن أن يشكل تحولاً جذرياً في خط سير الأحداث في المنطقة عموماً.في أي حال لا يمكن الفصل في هذه الموجة العارمة من التحولات في المنطقة عموماً بين الطفرة الإسلامية التي حاولت مصادرة الانتفاضة الشعبية في أكثر من بلد عربي، وبالسلاح أحياناً، وبين قوى «الميدان» التي اجتهدت في حماية "الثورة" بصدورها وبثباتها في الميدان حماية لحقها في "دولة وطنية" تؤمن لها طريق الوصول إلى غدها الأفضل.وإذا ما سلمنا أن سوريا قد شهدت التفجرات الأولى للغضب الشعبي ضد عنف النظام وعسفه، فإن التحولات التي طرأت على مسار "الانتفاضة" قد أخرجتها من سياقها الثوري وحولتها إلى حرب أهلية أممية مرشحة للتمدد إلى ما حول سوريا، بذريعة أن السلفية الإسلامية لا تعترف بالحدود.. فالإسلام أممي ورسالته موجهة للناس كافة... وهكذا دخل الشيشاني والتركماني والوافدون من الجزيرة والخليج العربي في الحرب لإعادة أسلمة المسلمين الذين أضلتهم الجهالة والخروج على أصول الدين، تحت راية الخلافة. وفي غمرة هذا "الجهاد" لا بأس بالمساعدات تأتي من الكفار الأميركيين أو الفرنسيين أو البريطانيين أو من الإخوة في الدين في تركيا... ولا بأس من توسيع التنظيم (داعش) ليشمل بجهاده العراق والشام... كذلك لا بأس من سيل من التفجيرات بالعبوات الناسفة أو بالانتحاريين (في سبيل الله) يمكن أن يمتد إلى لبنان بذريعة الرد على مشاركة "حزب الله" في حرب النظام السوري.وها هو العراق على شفا التمزق في غمرة حرب أهلية تستهدف وحدة المسلمين فتقسمهم سنة وشيعة (وهم المتداخلون حسباً ونسباً والمنتمون إلى العشائر ذاتها ولو اختلفوا مذهبياً..).أما لبنان فيعيش شعبه في قلب الخوف من الانتحاريين الذين يفجرون أنفسهم في الأسواق والضواحي المكتظة، طلباً للجنة، متسببين في رفع منسوب التطرف المذهبي الذي يكاد يخرج الجميع من دينهم الحنيف.فإذا ما انتقلنا إلى الشمال الأفريقي طالعتنا صورة ليبيا غارقة في دماء أبنائها، وكلهم من المسلمين السنة وأكثريتهم الساحقة على المذهب المالكي، ومع ذلك تتوالى الاشتباكات بين الأهالي (وأساساً بين مشروع الدولة الجديدة وبين قبائل الدولة المسقطة) وترفع الشعارات الإسلامية المتطرفة في وجوه المسلمين... وتتهاوى صورة "الدولة الجديدة" تحت ضغط المحاولات الانفصالية شرقاً وغرباً وجنوباً، كأنما لكل محافظة إسلامها.أما في تونس فيبدو أن «الإخوان المسلمين» فيها قد سلموا، بعد معاندة طويلة، بالشراكة مع القوى الوطنية، فتم إقرار مسودة الدستور الجديد، وتمت إعادة تشكيل الحكومة الجامعة بعد مماحكة طويلة لحفظ الحصة الوازنة للإخوان.وبالتأكيد فإن الانتفاضة الثانية في مصر التي أسقطت حكم «الإخوان» بالضربة القاضية وأهاجت المصريين عموماً ضد هذا التنظيم المتخلف فكراً وممارسة، قد نبهت «إخوان» تونس إلى ما ينتظرهم إذا هم واصلوا محاولاتهم لاحتكار السلطة وكأن الثورة التي انطلقت من دونهم وفي غيابهم هي ثورتهم لوحدهم وسلطتها لهم وحدهم.ولقد أمكن للسلطة، التي قامت بقوة الأمر الواقع في تونس، أن تتجنب ما تورط فيه «الإخوان» في مصر بعد خسارتهم السلطة من أعمال عنف وخروج على الدولة، وأن تبتعد عما ارتكبته جماعات "داعش" وسائر تنظيمات التطرف والإرهاب باسم الإسلام في سوريا من إحراق لأسباب العمران التي كانت أنجزتها الدولة كالمصانع والمستشفيات والمباني الجامعية والإدارات والمؤسسات الحكومية.أما في مصر فإن استنقاذ الدولة ومؤسساتها إنما تم بفضل الانتفاضة الثانية في آخر شهر حزيران من العام الماضي، ثم التظاهرة المليونية غير المسبوقة التي ملأت شوارع المدن المصرية كافة بجموع الغاضبين من رافضي حكم «الإخوان».ومع أن مناصري «الإخوان» ما زالوا يملأون صباحات أيام الجمعة بهتافاتهم وتظاهراتهم المحدودة المطالبة بإخراج "الرئيس الشرعي ورفاقه" من السجن، ومنع محاكمتهم، ويكابرون فيرفضون الاعتراف بالأمر الواقع، ويتجاوزون أحلامهم وأوهامهم باستعادة السلطة، إلا أن مصر تبدو وكأنها قد اختارت طريقها وهي ماضية قدماً في قلب الصعب.وبالتأكيد فإن من سوف يتسلم الحكم في مصر، بعد انتهاء الفترة الانتقالية، التي أنجز في التمهيد لها الدستور الجديد باستفتاء شعبي مشهود، سيواجه أوضاعاً في غاية الصعوبة، اقتصادياً بالأساس، ثم سياسياً، فضلاً عن حالات التفلت الأمني، وقد بلغت في الآونة الأخيرة حدود القتل العشوائي والتعدي المتواصل على قوى الجيش والأمن، كما تسببت في الكثير من عمليات التخريب، فضلاً عن عمليات السلب والنهب التي أفاد "أبطالها" من الاضطراب الأمني لخلق البلبلة والفزع في الشارع.ويتابع العرب جميعاً، بأهل اليمين فيهم، وهم أهل الثروة الهائلة والقدرات المفتوحة نتيجة تراكم الوفر النفطي، وأهل الوسط واليسار، باهتمام بالغ وكثير من القلق تطور الأوضاع في مصر، والنقاش الحيوي الجاري حول تقدم المشير عبد الفتاح السيسي إلى رئاسة الدولة.أما مصادر القلق فتتجاوز صعوبات الأوضاع القائمة في مصر اليوم، إلى الالتزامات والقيود التي سيرثها "العهد الجديد" عن العهود الماضية، وأخطرها ما يتصل بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، وفيها المساعدات العسكرية وبعثات التدريب لضباط الجيش المصري، ثم ما يتصل بالعلاقة مع دولة العدو الإسرائيلي، بكل فصولها الموجعة.ويتوقف كثير من المراقبين أمام هذه الحماسة الفائضة عن التوقع التي تبديها السعودية وبعض أقطار الخليج (في ما عدا قطر) للنظام الجديد في مصر... فالتجربة علمت الجميع أن الثورة والثروة لا يلتقيان، وأن التغيير والنفط لا يمكن ضبطهما في سياق واحد.ومع أن الكل يعرف أن ثورة مصر ليست للبيع وأن ثروة أصحاب الثروات لا يمكن أن تشتري إرادة التغيير وقواها الشعبية، إلا أن محاولات الاحتواء ـ وهي ظاهرة ومكشوفة ـ تثير القلق، وتفرض قدراً من الحذر والترقب.إن عملية التغيير تاريخ كامل..ونحن بعد في الصفحات الأولى منه.والمهم أن يصنع العرب ربيعهم، لا أن يأتيهم الربيع معلباً، بإرادة مصنعيه، ويفرض عليهم مستقبلاً لم يطلبوه ويحدد الطريق إلى غدهم.

عن السفير اللبنانية

×
أخبار
عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط