تاريخ النشر: 2026-10-22 | 16:04
تاريخ النشر: 2026-10-22 | 16:04
منذ انتصار الثورة الكوبية في الأول من كانون ثاني / يناير 1959، والولايات المتحدة بإداراتها المتعاقبة تناصب القيادة الكوبية بزعامة فيدل كاسترو العداء، وتفرض عليها الحصار، ليس هذا فحسب، بل ان إدارة الرئيس الأميركي جون كينيدي، قامت بتشكيل لواء من المنفيين الكوبين، قوامه 1400 مرتزق (اللواء 2506)، ودفعت بهم لخليج الخنازير للانقلاب على النظام الاشتراكي في نيسان / ابريل 1961، الا أن المحاولة فشلت في غضون يومين على يد الجيش الكوبي، وقتل واعتقل المئات من اتباع ال CIA، على إثر ذلك، قام الاتحاد السوفييتي السابق بقيادة نيكيتا خرتشوف بنشر صواريخ نووية في كوبا عام 1962، مما شكل تصعيدا خطيرا في الحرب الباردة بين القطبين الأميركي والسوفييتي، ودفعا العالم الى شفا حرب نووية. انتهت الازمة باتفاق سحب الصواريخ السوفيتية مقابل تعهد أميركي بعدم غزو كوبا.
ومع ذلك، لم تكف الإدارات المتعاقبة عن التآمر وحصار القلعة الشيوعية، بهدف اسقاط النظام الكوبي، لكنها لم تنجح في أي من محاولاتها المختلفة. ومع صعود الرئيس دونالد ترمب للرئاسة في ولايته الثانية مطلع 2025، انتهج سياسة التدخل المباشر في دول القارة الأميركية اللاتينية بأساليب شتى، من التحريض والاكاذيب والافتراء على زعماء الأنظمة السياسية التقدمية، الى تجييش المعارضة التابعة لها عبر تزوير الانتخابات، أو اتهام القيادات اليسارية الديمقراطية بتزوير الانتخابات، أو دعم الانقلابات في تدخل فض في شؤونها الداخلية، ولم تكتفِ إدارة ترمب بذلك، بل لجأت للتدخل العسكري المباشر فيها، كما فعلت في فنزويلا، عندما أنزلت قواتها على القصر الجمهوري في العاصمة كراكاس واختطفت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في الثالث من يناير 2026، ومازالا معتقلين حتى الان، حيث يواجه الرئيس الفنزويلي الشرعي محاكمة بتهم كاذبة لا أساس لها من الصحة، تتعلق بالإرهاب والمخدرات والأسلحة والتعذيب ضد المعارضة.
ولم تكن كوبا ونظامها السياسي التقدمي بعيدا عن سياسة البلطجة والتشبيح والفجور الأميركي، فوسعت وعمقت نطاق الحصار، وقطع الكهرباء عن هافانا العاصمة والمدن الكوبية المختلفة، مع أن النظام الكوبي مد يده لواشنطن، بهدف إقامة علاقات ندية على أساس الجوار والتعايش السلمي بين البلدين. لكن الإدارة المنفلتة من عقال القانون الدولي، رفضت الاقتراحات الكوبية الإيجابية. وواصلت سياسة التغول، وهددت بشكل مباشر قادة النظام الكوبي بعظائم الأمور، إن لم تذعن لإملاءات السياسة الأميركية.
وآخر ما تفتقت عنه السياسة الأميركية العبثية، إصدار ولاية فلوريدا مذكرة اعتقال بحق الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، شقيق الزعيم الكوبي فيدل كاسترو الاصغر، الاثنين 19 تشرين اول / أكتوبر 2026، بتهم باطلة – ارتكاب جرائم قتل، في تقاطع مع لائحة اتهام فيدرالية سبق الكشف عنها في أيار / مايو الماضي. وتتعلق التهم التي يلاحق بها راؤول (95 عاما) بإسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996، تابعتين لمنظمة "إخوة الإنقاذ"، التي تساعد الكوبين على الفرار الى الولايات المتحدة عن طريق البحر. وقال المدعي العام لولاية فلوريدا جيمس أوتماير في بيان: "أمر راؤول كاسترو بقتل أربعة أشخاص من فلوريدا بدم بارد، ولن تتوقف فلوريدا أبدا عن السعي لمحاسبة المسؤولين عن تلك المؤامرة الشيوعية." وهي ذريعة واهية ومفضوحة، لأن من حق النظام الكوبي الدفاع عن سيادة أراضيه ودولته وفق القانون الدولي. وبحكم مسؤولياته آنذاك كوزير دفاع، دافع القائد الكوبي الشجاع عن بلاده، ولم يتدخل في الشؤون الداخلية الأميركية، ولم يعتدِ على أراضيها، ولم يتجاوز القانون الدولي.
وللعلم تنحى راؤول كاسترو عن الرئاسة عام 2018، وإن كان ما زال شخصية مؤثرة وفاعلة في السياسة الكوبية، كونه أحد رموز الثورة الكوبية وحركة 26 تموز / يوليو التي قادت الثورة. وتأتي الخطوة الأميركية غير القانونية في الوقت الذي تتواصل فيه الضغوط الاقتصادية والسياسية والقانونية على الحكومة الكوبية. وتقوم بتهديد الدول التي تزودها بالقود، مما سبب انقطاعات للتيار الكهربائي في الجزيرة المنارة الاشتراكية، التي تشكل شوكة في خاصرة الولايات المتحدة الأميركية. بالتالي الذريعة الأميركية الجديدة ضد كاسترو الصغير لا تتعلق بشخصه، بل أن الاستهداف الأميركي يطال النظام الكوبي كله. ومن جانبه، صرح الرئيس الكوبي الحالي ميغيل دياز كانيل بأن لائحة الاتهام الفيدرالية الأميركية ضد كاسترو "لا تستند الى أي أساس قانوني"، واصفا إياها بأنها محاولة "لتبرير شن عدوان عسكري ضد كوبا."
كما أن وزارة الخارجية الروسية أدانت إصدار مذكرة اعتقال ضد الرئيس الكوبي السابق، في بيان لها أصدرته أول أمس الثلاثاء 20 أكتوبر الجاري. كما ان جمهورية الصين الشعبية أدانت الخطوة الأميركية المكشوفة، واعتبرتها تدخلا فضا في الشؤون الداخلية لكوبا، الدولة المستقلة وذات السيادة. وغيرها من دول العالم أيضا رفضت نهج إدارة ترمب المتناقضة مع القانون الدولي. ومع ذلك، مطلوب من هيئة الأمم المتحدة والاقطاب الدولية إلزام واشنطن بعدم التدخل في الشؤون الكوبية، أو غزوها وفقا للاتفاق المبرم بين الاتحاد السوفييتي السابق وإدارة الرئيس كينيدي عام 1962. وعلى القوى التقدمية في اميركا اللاتينية التآزر والتكافل ودعم جمهورية كوبا بوسائل مختلفة، لحمايتها من غزو محتمل، او على اقل تقدير القيام بعملية قرصنة جديدة، اسوة بما جرى مع الرئيس الفنزويلي الشرعي مادورو.