الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حين يصبح جسد المرأة ثمنَ حضورها …بين بائعة هواء …… وبائعة فكر…. واثبات الوجود

حين يصبح جسد المرأة ثمنَ حضورها …بين بائعة هواء …… وبائعة فكر…. واثبات الوجود

تاريخ النشر: 2026-09-13 | 14:24

كنانة خلف الكردي
كنانة خلف الكردي

كيف يصنع المجتمع كلفةً إضافية للمرأة في السياسة والإعلام؟
لا تبدأ معركة المرأة في المجال العام دائماً من قاعة البرلمان أو الاستوديو أو منصة القرار؛ أحياناً تبدأ من مكان أكثر خصوصية: صورتها في عين المجتمع.
فالمرأة التي تدخل السياسة أو الإعلام لا تواجه فقط صعوبة إثبات كفاءتها، بل قد تجد نفسها أمام طبقة إضافية من الأحكام المرتبطة بشكلها، ولباسها، وصورتها، وحياتها الخاصة. وعندما يتعذر مواجهة أفكارها، قد تتحول هذه التفاصيل إلى أدوات للضغط عليها، وكأن حضورها العام يحتاج دائماً إلى تبرير اجتماعي.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: لماذا تُطلب من المرأة أحياناً معايير إضافية كي تثبت أنها تستحق المكان الذي وصلت إليه؟
من نقد الأداء إلى محاكمة الصورة
النقد جزء طبيعي من العمل السياسي والإعلامي، والمرأة، مثل الرجل، يجب أن تخضع للمساءلة المهنية والسياسية.
لكن هناك فارقاً بين أن نقول: هذا الموقف خاطئ، وبين أن ننتقل إلى مظهر صاحبته أو حياتها الخاصة أو سمعتها.
عندما يحدث ذلك، يتغير موضوع النقاش بالكامل.
بدلاً من سؤال: ماذا قالت؟
يصبح السؤال: كيف ظهرت؟
وبدلاً من تقييم أدائها:
يصبح الحديث عن صورتها.
وبدلاً من مناقشة مشروعها:
يصبح حضورها الشخصي وحياتها الشخصية هو القضية.
وهذا الاختزال لا يسيء إلى المرأة وحدها، بل يضعف المجال العام نفسه؛ لأن المجتمع يصبح أقل اهتماماً بالأفكار وأكثر انشغالاً بالصورة.
الجسد كأداة للضبط الاجتماعي
يمكن فهم هذه الظاهرة اجتماعياً باعتبارها شكلاً من الضبط الاجتماعي.
ففي بعض البيئات، توجد صورة تقليدية للمرأة المقبولة اجتماعياً: حضورها مضبوط، ومساحتها محددة، وحدود مشاركتها واضحة.
وعندما تنتقل المرأة إلى موقع أكثر تأثيراً، وتصبح صاحبة رأي أو قرار، فإنها لا تغيّر موقعها المهني فقط؛ بل تتجاوز أحياناً الصورة التي اعتاد المجتمع أن يضعها داخلها.
ومن هنا تبدأ المقاومة.
قد لا يقول لها أحد صراحة: «لا تدخلي السياسة».
لكن الرسالة قد تصل بطريقة أخرى:
«لماذا تظهرين كثيراً؟»
«ماذا سيقول الناس؟»
«هل يستحق العمل كل هذا الكلام؟»
«لماذا تضعين نفسك في الواجهة؟»
وهكذا يتحول الضغط الاجتماعي إلى وسيلة غير مباشرة لتحديد مساحة المرأة في المجال العام.
الأسرة بين الحماية والخوف
المسألة أكثر تعقيداً عندما تدخل الأسرة على الخط.
في المجتمعات التي تتمتع فيها السمعة العائلية بأهمية كبيرة، قد لا تنظر الأسرة إلى الإساءة التي تتعرض لها المرأة باعتبارها مشكلة شخصية تخصها وحدها.
وقد يدفع الخوف عليها بعض الأهل إلى تفضيل انسحابها من المجال العام، لا رفضاً لقدراتها، وإنما خشيةً من تبعات هذا الحضور.
وهنا تظهر مفارقة اجتماعية مهمة:
الأسرة تريد حماية ابنتها، لكن طريقة الحماية قد تتحول أحياناً إلى تقييد لخياراتها.
وبذلك تصبح المرأة أمام خيار صعب: إما أن تختار طريقاً أكثر هدوءاً اجتماعياً، أو أن تدخل مجالاً تعرف مسبقاً أن كلفته النفسية والاجتماعية ستكون أعلى.
من الرقابة الاجتماعية إلى الرقابة الذاتية
الأكثر خطورة أن المرأة قد تبدأ بمراقبة نفسها قبل أن يراقبها الآخرون.
تفكر في الصورة قبل نشرها، وفي الكلمة قبل قولها، وفي الموقف قبل إعلانه، ليس فقط من منظور مهني، وإنما من منظور اجتماعي أيضاً.
وهنا ينتقل الضغط من الخارج إلى الداخل.
قد لا يمنعها أحد من الحديث، لكنها تبدأ بالتفكير:
هل سيُساء فهم كلامي؟
هل ستتأثر أسرتي؟
هل ستُستخدم صورتي ضدي؟
هل سيصبح ظهوري عبئاً على أولادي؟
وعندما يصبح هذا التفكير دائماً، فإن المجتمع يكون قد فرض قيداً غير مرئي على المرأة دون أن يصدر قانوناً واحداً يمنعها.
«بائعة فكر» لا امرأة تُختزل في جسدها
في مواجهة هذا الاختزال، تظهر الحاجة إلى إعادة تعريف قيمة المرأة في المجال العام.
فالمرأة التي تعمل في السياسة أو الإعلام لا تبيع جسدها كي تحصل على حضور، ولا تستمد قيمتها من صورتها.
هي تقدم فكراً، ومعرفة، وموقفاً، وخبرة، ووقتاً وجهداً.
وعندما نصفها مجازياً بأنها «بائعة فكر»، فالمقصود ليس البيع بمعناه الحرفي، وإنما التأكيد على أن ما تقدمه للمجال العام هو عقلها وكلمتها ومعرفتها ومشروعها، لا جسدها.
هي قد تصيب وقد تخطئ، وقد يختلف معها الآخرون، وهذا طبيعي.
لكن الاختلاف معها يجب أن يبقى حول ما تقول وتفعل، لا حول تحويل جسدها أو حياتها الخاصة إلى معيار للحكم على أهليتها.
المحافظة ليست المشكلة
من المهم هنا عدم وضع المجتمعات المحافظة كلها في مواجهة المرأة.
المحافظة الاجتماعية ليست بالضرورة رفضاً لمشاركة المرأة، كما أن حماية الأسرة والخصوصية لا تتعارض مع عملها في السياسة والإعلام.
المشكلة تظهر عندما تتحول بعض المعايير الاجتماعية إلى أحكام انتقائية تجعل المرأة مطالبة بإثبات أخلاقها قبل إثبات كفاءتها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول بعض الخطابات الحديثة حول الحقوق والحريات إلى تجاهل للخصوصيات الثقافية والاجتماعية أو إلى افتراض أن نموذجاً واحداً للحضور النسائي يصلح لكل المجتمعات.
المطلوب ليس صراعاً بين «المحافظة» و«الحرية»، وإنما صيغة أكثر توازناً: احترام القيم والخصوصية، مع ضمان حق المرأة في المشاركة والعمل والتعبير دون أن تصبح حياتها الخاصة ثمناً لذلك.
لماذا تتردد الأسر في دفع بناتها إلى السياسة والإعلام؟
لأن الأسرة لا تقيم المهنة وحدها، بل تقيم البيئة المحيطة بها.
وعندما ترى أن المرأة العاملة في المجال العام قد تتعرض لضغط اجتماعي أكبر، فقد يصبح الخوف سبباً في عدم تشجيع الفتيات على دخول هذه المجالات.
وهنا تتشكل دائرة متكررة:
امرأة تدخل المجال العام → تواجه كلفة اجتماعية مرتفعة → تقلق الأسرة → تتردد نساء أخريات → يقل حضور المرأة → ثم يُفسر ضعف حضورها لاحقاً على أنه نقص في الرغبة أو الكفاءة.
وهذه إحدى أكثر صور الإقصاء الاجتماعي خفاءً.
التمكين يبدأ من تغيير النظرة
لا يكفي أن نمنح المرأة منصباً أو مقعداً أو فرصة تدريبية، إذا بقيت البيئة المحيطة بها تجعل الوصول إلى هذه الفرصة أكثر كلفة لأنها امرأة.
التمكين الحقيقي يبدأ عندما تصبح المرأة قادرة على الدخول إلى المجال العام دون أن تكون مطالبة في كل مرة بإثبات أنها تستحق الوجود فيه.
وعندما يصبح السؤال:
ماذا قدمت؟
بدلاً من:
كيف ظهرت؟
وعندما يصبح معيار التقييم هو الكفاءة والأداء والنزاهة والمسؤولية، لا الشائعات والانطباعات.
فالمرأة لا تحتاج إلى حصانة من النقد، وإنما تحتاج إلى عدالة في النقد.
ومن حق المجتمع أن يحاسبها على قراراتها ومواقفها، كما من حقها أن تُعامل بالمعايير نفسها التي يُعامل بها الرجل.
إن تمكين المرأة لا يعني تغيير المجتمع بالقوة، ولا إلغاء خصوصيته وقيمه، كما لا يعني إبقاء المرأة أسيرة صورة اجتماعية قديمة.
بل يعني أن نصل إلى معادلة أكثر نضجاً:
مجتمع يحافظ على قيمه، وأسرة تحمي أبناءها، وامرأة تمتلك حقها الكامل في أن تكون صاحبة رأي وقرار.
فالمرأة التي تدخل السياسة أو الإعلام ليست امرأة خرجت من مجتمعها؛
إنها امرأة تحمل مجتمعها معها إلى المجال العام.
وإذا كان المجتمع يريدها أن تشارك في صناعة المستقبل، فعليه ألا يجعل كلفة كونها امرأة أكبر من كلفة كونها صاحبة رأي.
فالمرأة ليست جسداً يُحاكم، ولا صورة تُختزل، ولا سمعة تُستعمل لإسكاتها؛ إنها عقل وموقف وصوت، وحقها في الحضور لا يحتاج إلى اعتذار.


الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-13/6aa6624ec383d-1789289038.jpeg
ارفاق ملف: received_messages_from_pages/2026-09-13/6aa6624ec399d-1789289038.docx
روابط التواصل الاجتماعي:

×
أخبار
تقرير: إرهاب المستوطنين تحول لـ"تهديد إستراتيجي" يُقوّض قدرة إسرائيل على الحكم جيش الاحتلال يحذر من تصاعد التوتر في الضفة الغربية رغم انخفاض التهديدات العسكرية الصحة العالمية: توقف عدد من المولدات الكهربائية في مستشفيات غزة بسبب عدم توفر الوقود وقطع الغيار غزة: شهيدان ومصابون في قصف الاحتلال مركبة بحي تل الهوى- فيديو قبل 33 عاما..المصافحة التاريخية بين عرفات ورابين! الأردن.. المنطقة العسكرية الشمالية تحبط تسلل أربعة أشخاص إيران تعرض 7 شروط على أمريكا لفتح مضيق هرمز الجيش الأمريكي: إعادة توجيه 100 سفينة تجارية منذ بدء حصار إيران استطلاع: التعاطف مع الفلسطينيين يتفوق على الإسرائيليين لأول مرة أميركياً "ذا ناشونال إنترست": تحول في استراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب نحو نهج "متمحور حول الشيعة" مؤسسة شركة إسرائيلية تواجه السجن 20 عامًا في قضية احتيال مالي في نيويورك و.بوست: الديمقراطيون يلاحقون ترامب بـ"الدفتر الأسود" من ثروة عائلته إلى إبستين السيسي وغوتيريش يؤكدان: لا سلام بالشرق الأوسط دون حل عادل للقضية الفلسطينية إصابتان بمقذوف حوثي في جازان وغارات مكثفة تستهدف مواقع الجماعة بالبيضاء قادة "بريكس" يؤكدون مجددا دعمهم لفلسطين وشعبها وحقوقه غير القابلة للتصرف خبراء يستعرضون تداعيات الانسحاب الأميركي الكامل من العراق ونهاية "العزم الصلب" عصفور لـ"الجزائر الآن": الجامعة العربية بحاجة لإعادة هيكلة وتجاوز شلل "البيانات" إلى الأفعال تحقيق: التعديلات التشريعية والإعفاءات التنظيمية هي المحرك الرئيسي لصعود "القناة 14" العبرية الإمارات تدعو مجلس الأمن لتوسيع حظر السلاح بالسودان صحيفة تكشف كواليس اختطاف مسؤول أمني في حماس من داخل مدينة غزة خطوة تنشيطية كبرى: السعودية تُحدث لوائح الضيافة والسفر وتلزم "الضيافة الخاصة" بالترخيص - تفاصيل زيلينسكي يبدي استعداده للقاء بوتين خلال قمة مجموعة العشرين في ميامي ترامب: إدارتنا أطفأت النار في غزة ونعمل على تسهيل عملية السلام هناك ثوري فتح": الحركة تتوجه لخوض الانتخابات في قائمة وطنية رسمية بالتشاور مع فصائل المنظمة وكالة المخابرات المركزية توقعت احتمال وقوع هجوم على غرار هجمات 11 سبتمبر 1998 البحرين: لن نشارك باجتماع مقترح حول أوضاع مضيق هرمز ولن نكون في أي اجتماع يضم إيران لقاء بين الرئيس الإيراني وولي عهد أبوظبي على هامش قمة بريكس في الهند العراق.. استهداف السعودية يطيح بقائد العمليات في ميسان من دبلن.. ترامب: "الأمور ستسير على ما يرام" بشأن مضيق هرمز والسعودية حراك دبلوماسي في رام الله: الرئيس عباس يستقبل ممثلي الصين ومصر والاتحاد الأوروبي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط