الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حتى لا ننسى المناضل النقابي الفذ..كمال عبد اللطيف

حتى لا ننسى المناضل النقابي الفذ..كمال عبد اللطيف

تاريخ النشر: 2024-12-04 | 14:55

الإهداء: إلى روح المناضل النقابي الفذ كمال عبد اللطيف* الذي عاش بشموخ ورحل شامخا متحديا الأزمنة المفروشة بالرحيل..

 

-“إذا أردتَ ألا تخشى الموت،فإنّ عليك ألاّ تكفّ عن التفكير فيه” (snénèque)

 

-«أنا لا أحبّك يا موتُ، لكنّني لا أخافُكْ وأدرك أن سريركَ جسمي، ورُوحي لِحافُكْ وأدرك أنّي تضيق عليّ ضفافُكْ».

( الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم)

 

.. المطر يغسل الفضاء، وحبّاته تسقط على الأرض فتتناثر أشبه بخيالات تولد وتندثر، وعلى المدى تنطرح الأضواء فوق المستشفى العسكري الأكثر بياضا من العدم، تذكّر أنّ ثمّة بشرا يعيشون أيضا..

لقد اكتشف الطبيب الصّارم-المرضَ الخبيث-الذي توغّل في جسد-كمال عبد اللطيف-وبدأ ينخره بشراهة فجّة، مما جعله يحدّد موته برتابة إدارية مرعبة!..

هذا الإكتشاف المفجع أجبرنا على الإستعداد لرثائة بحبر الروح ودم القصيدة..

أنا الآن، مثقل الذهن من رؤياه مسجى،إلا أنّ رحيله لم يكن يثير من الألم بي، أكثر مما يثير سخريتي من الحياة، فإنتهاء الإنسان إلى مثل هذا المصير لا سيما بعد أكثر من نصف قرن قضاه يعطي الحياةَ حيويّته ونضارة صباه، هو ضرب من العبثيّة التي لم أستسغ كنهها بما فيه الكفاية..

لقد غدا-كمال-في عداد الميت، وانخرطنا في البكاء على رحيله بدموع تحزّ شغاف القلب..

هكذا بعد أكثر من نصف قرن أعطى فيه الحياة أضعاف ما أخذه، يحيله الموت إلى جسد هامد في طريقه إلى نهر الأبدية حيث دموع بني البشر أجمعين..

إنّه ليس معقولا أن يموت المناضل الفذ كمال، كما أنّه ليس معقولا أيضا أن يعيشَ على تخوم الألم، ومع ذلك فلا شموخه فوق زخّات العذاب أمهل رحيله، ولا أنا قبلت بأن يموت، رفضان في تناقض محتدم، إلا أنّهما محتدمان بصورة قدرية.. وذلك هو جوهر أحزاني..

صرخت بملء الفم والعقل والقلب والدّم: “لا يا أيها المناضل الجسور لن ننساك..لن يطويك الزّمن.. لن يباعد بيننا.. الزّمن لن يطوي أمثالك ممن خبروا شعاب النضال، وتضاريس الصمود.. ليس من السّهل أن تتوارى خلف التخوم،ولا أن تضيع..ولا أن تموت..ولا أن..

كان حزنا صعب المراس يلتحف بأضلاعي..

دخلت الغرفة فرأيتة مسجى**،وقد تميّع مرضا،وتحلّقت حوله-أشجار النضال الباسقة-،انقبض قلبي بسرعة وأسرعت إلى جانبه، كانت شفتاه تتحركان وعيناه مغمضتين بعنت وألم،وهيكله هامدا ساكن النبض..

 اقترب منّي أحد رفاق الدرب وهمس في أذني بصوت مكتوم:”لا تحزن يا محمد.. الحزن ماء غريب لا يغسل ما يجب غسله إلا في لحظات هاربة”.. ” لا يا صديقي.. إنني حزين.. الحزن حالة من الهمود كالقهوة التي تفور وتفور، ثم تتراجع وتستقر في قاع الركوة.أنا قهوة فارت وهمدت.. جسد يتلوّى في فيض الألم.. أنا كتلة من ألم.. ترى يا صديقي، هل سيطوي الموت جناحيه الأسودين على كمال عبد اللطيف.. ؟

إلتفت صوب كمال، فرأيته يعضّ شفته السفلى بعنف وقد تيبّست يده تحت جنبه الأيمن.. وتهادت الأوجاع على صفحة وجهه غائمة كأطياف مراكب الصّيد عند الغسق..

حين الظلمة تبرك على الإمتداد على حيّ نابت في مكان ما من الشمال.. تتحرّك كائنات بشرية وسط الفراغ، وتتململ بعض الأصوات التي تحملها الأحزان وتطوّح بها بين أركان البيت..

في تلك اللحظات المنفلتة من عقال الزمن.. يتوجّع السكون ويصاب الصّمت النبيل بجراح يفقد على إثرها اللّيل سرّه.. ثم يتعالى الأنين ويتعاظم الألم فترتجف قلوب أعتى الرجال.. وتبكي-الجفون بصمت جليل:

“كمال مات.. لا لم يمت.. سيظل حيّا في الذاكرة.. سيظل نبراسا يضيء دربي البعيد.. ونعاهد أنفسنا أن يظل ينبض خلف شغاف القلب”

وسط المستشفى الباريسي ينفلت فراغ ممل، صمت غير محدود، وفي هذا الفراغ الجائع المحموم تصنع الرّيح ارتعاشاتها في المدى صوتا يحاكي نحيب الأرامل..

اتجهت صوب-المناضل-المستعد للرحيل، ذاهل اللب والخطى ينهشني في داخلي خراب كاسح، ويتناهى إلى سمعي أنين قاهر ما فتئ يتضاءل كالرّجع البعيد..

اقتربت منه فألفيته مسجّى وقد اعتصره الضمور واعترى جفونه ذبول وحاقت بعينيه أورام وغشيت وجهه سحابة من عذاب كافر..

أمعنت النظر فيه فوجدته يتلوى كنبات زاحف والكلمات تندغم في حلقه.. وشيئا فشيئا ارتخى جفناه كستارة تسدَل وتشابكت يداه وهما تضغطان على الألم في صدره، ثم بدأ يتكوّم ويرتخي، وبين التكوّم والإرتخاء تضيء عيناه وهما تبحثان عن وجهي لينظر تلك النظرة التي ستورثني الحزن الأبدي..

لم يعد بوسع-كمال-أن يحرّك أطرافه، كما لم يعد بوسع الطبيب أن يرفع رأسه عنه، وفي تلك الساعة العصيبة كاد الزمن أن يتوقّف أو هكذا خيّل إليَّ.. وفي تلك الساعة أيضا شعرت بالدّمع يطفر من عينيَّ، وبألم هائل يجتاحني ويعتصرني.. والتفت فجأة نحوه فرأيت عينيه تتثبتان على وجهي، ورأيت جفنيه ينحسران إلى أقصى محجريهما كأنهما تريدان أن تتركا لعينيه أوسع رؤية ممكنة في آخر لحظة بالحياة، وراح بريق عينيه يذبل كذبالة سراج منطفئ، أو كحجر مرو أملس مبلّل يوضع تحت شمس حامية تبخّر الشمس رطوبته شيئا فشيئا..

الآن بدأ خدر البرودة يحكم قبضته على جسده.. وببطء شديد راح يغطّ في موت عميق..

عندما تبهت الأيّام، وتنطفئ في عين النّهار إبتسامة حاولت كثيرا أن أغذيها بدمي، يتعالى صراخ من هنا، أو نحيب من هناك، وتتوالد حول الأحداق أحزان كثيرة وعابثة الشعور، تذكّر أنّ الإنتهاء قد اقترن بكل شيء.

عند المساء مات كمال بكل حتمية.. مات وهو يتوسّد مواقفه النضالية..

لقد تجرّأ الموت وسأل كمال لماذا يعيش.. ؟! ولا بدّ أن يكون المرء سخيفا ليسأل الموت عن علاقته بكمال عبد اللطيف.غير أنّي صرت سخيفا لحظة من زمن..

وفي تلك اللحظة عندما نظرت إليه يستلقي في استقرارة أبدية بلا عيون، سألت لماذا يموت المناضلون العظام.. ولماذا يولدون مصادفة في الزّمن الخطأ، ويرحلون كومضة في الفجر، كنقطة دم، ثم يومضون في الليل كشهاب على عتبات البحر.. ؟!

وأدركت أنّ السؤال قدريّ.. وأدركت أيضا أنّ الدموع لا تمسح تراب الأسى.. إلا أنّ الألحان النضالية التي عزفها المناضل الراحل عبر عقود من الزمن..ستظل تحلّق في الأقاصي ويتغنى بها القادمون في موكب الآتي الجليل..

..وهذا عزاؤنا في المصاب الجلل.

*كمال عبد اللطيف:مناضل نقابي تونسي أصيل جهة تطاوين (كاتب عام للإتحاد الجهوي للشغل بتطاوين)  توفي بتاريخ 23/08/2016.

وقد عمل الفقيد في إطار تنسيقية المنظمات والأحزاب والمسيرات التي جابت مدينة تطاوين دفاعا عن حقوق الجهة 

 ودفاعا عن المطالب التنموية للجهة و المطالبة بالحرية والكرامة.

لروحه ألف سلام.

**تنويه:بعض الجمل الواردة بهذه اللوحة القصصية مستوحاة من الخيال وقد اقتضاها المسار الإبداعي ليس إلا.

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط