تاريخ النشر: 2026-10-14 | 14:56
تاريخ النشر: 2026-10-14 | 14:56
تشكل القدس المفصل الرئيس في العلاقات العربية والإسلامية مع الكيان الصهيوني لأنها قضية أبعد من أن تكون فلسطينية خالصة، لما لها من عمق تاريخي وحضاري وإيماني عميق يخص الديانة الإسلامية والديانة المسيحية، ومن هنا كان قرار التقسيم عام 1947 قد تعامل مع المدينة باعتبارها دولية.
رفض الرئيس أبوعمار
في «كامب ديفيد» 2 رفض الزعيم ياسر عرفات دعوات التفريط بالقدس لأنها بوابة السماء، وتخص كل المسلمين في العالم والمسيحيين، والتنازل عنها كمن يتنازل عن قلبه ويفترض أنه سيظل حيًا.
أما بالنسبة للمحتل الصهيوني عامة، واليمين الصهيوني بالتخصيص لاحقًا وعصاباته العاملة بالمدينة، فتعتبر عاصمة موحدة للدولة الإسرائيلية (أعلنت سياسيًا عبر الكنيست عاصمة أبدية للكيان عام 1980م)، وكل ذلك وفق ادعاءات وأساطير التاريخ التوراتي، وبما يسمى جبل الهيكل (هو المسجد الأقصى بمبانيه وساحاته وأسواره وبمساحة 144 ألف متر مربع) وغير ذلك مما استقر في الوعي التوراتي الذي لم يتوافق يومًا مع التراب والحفريات وعلم الآثار (انظر علماء الآثار الإسرائيليين أنفسهم أمثال زئيف هرتسوغ، وإسرائيل فينكلشتاين...).
اغتصاب المسميات
إثر النكبة الأولى واغتصاب البلاد وطرد العباد كان القرار الأكبر لـ«بن غوريون» هو تشكيل لجنة لاغتصاب المسميات لكامل أرض فلسطين وقد فعلها فلم يعد لغالب القرى والمدن والجبال والوهاد والعطفات والرجوم والخرب والصحاري والكثبان حتى في النقب إلا المسميات العبرية حتى تلك التي لا أصل لها ولم ترد في التوراة أو بمنطق التحوير والتدوير والتزوير للأسماء والمسميات العربية الأصيلة كما يذكر «ميرون بنفنستي» في كتابه «المشهد المقدس: طمس تاريخ الأرض المقدسة منذ 1948».
تتعدد المصادر والدراسات حول التدمير والتهويد للقدس العربية، ومنها في البلدة القديمة أو الأحياء العربية المختلفة، فتجد ذلك بوضوح في قرارات لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو التي بينت عمق الحفريات الإسرائيلية غير القانونية وتغيير المعالم التاريخية والثقافية والحضارية العربية والمسيحية والإسلامية وخاصةً في البلدة القديمة. مع العلم أن مدينة القدس وأسوارها مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي منذ العام 1981م، وعلى قائمة التراث العالمي المهدَّد بالخطر منذ العام 1982م.
حرب الحجر والبشر
لا يغيب عن عين الفاحص في القدس حجم الأضرار الناجمة عن مشاريع تهويدية عديدة مثل «تلفريك القدس/العربات الجوية»، والمصاعد تحت المسجد الأقصى وحائط البراق، التي تؤثر على ما يسمى المشهد البصري والتاريخي للأرض المقدسة.
لا يغيب عن الذهن ما حصل منذ البدء عندما قامت السلطات الاحتلالية عام 1967 بتدمير حارة المغاربة بالكامل وتهجير سكانها لإنشاء ساحة البراق (التي يسمونها ساحة حائط المبكى) وهي الساحة والجدار المقرّ تاريخيًا بأنه وقف إسلامي يعود إلى عرب فلسطين.
في الإطار ذاته تخوض سلطات الاحتلال الصهيوني حربًا على المواطنين الفلسطينيين بكل الأشكال التي منها سرقة العقارات والنمو الاستيطاني الفظيع حتى داخل السور، وفي الأحياء الأخرى ما بين أمر المواطنين بهدم البيوت، بيوتهم، لأسباب واهية شتى، وما بين القيام بهدمها مباشرة وما بين الضرائب الباهظة «الأرنونا» التي تضاعف من الأعباء على المواطنين والتجار وتجعل من التفكير بالهجرة من القدس مخرجًا ملائمًا ويتم الدفع باتجاهه صهيونيًا بكل أشكال القوة.
من الأسرلة إلى فرض السيادة
ما يمكن النظر إليه بوضوح أن الكيان الصهيوني في القدس قد انتقل من الأسرلة «فرض السيادة» إلى «التهويد» بمعنى تغيير الطابع الثقافي والديني والحضاري ذي العمق العربي بالكلية كما يشير د. محمد مراد في دراسته.
وحيث يورد أن «استراتيجية التهويد هي عملية اقتلاع الشعب الفلسطيني ليس من أرضه وحسب، وإنما فصله كليًّا عن تاريخه ومحو ذاكرته الثقافية التي نسجها عبر قرون طويلة من الزمن.
وإذا كانت الجغرافيا (الأرض) قد شكّلت المسرح الحياتي للجماعة العربية الفلسطينية، وإذا كان التاريخ أيضًا قد شكَّل ذاكرة هذه الجماعة وهويتها الحضارية، فإنّ التهويد الصهيوني جاء ليكون قطعًا فاصلاً بين الجغرافيا والتاريخ أي بين الأرض وإنسانها، وبالتالي تصدير هذا الإنسان إلى الفراغ ورميه في المجهول.»
وقد تطور التهويد في القدس حسب دراسة د. مراد من التهويد الإداري باستعادة اسم المدينة التوراتي، ثم التهويد العقاري بإضفاء الطابع اليهودي على المدينة ذات الطابع العربي المسيحي والإسلامي، ثم ما كان ثالثًا من التهويد السكاني عبر الطرد للمواطنين الفلسطينيين العرب بكل الطرق.
الأحزمة الضاغطة
ثم ما كان لاحقًا من إنشاء الأحزمة الضاغطة حول المدينة بدءًا بالحزام الاستيطاني (الاستخرابي) الأول الذي شمل 10 أحياء منها الحي اليهودي والتلة الفرنسية وحي الجامعة العبرية، وعلى أراضي القرى العربية مثل جبل المكبر وصور باهر وعناتا.
وما لحقه من إنشاء الحزام الثاني عبر 15 مستوطنة (مستخربة) في محيط القدس الشرقية بهدف واضح هو محاصرة ثم تجزئة الضفة الغربية بالامتداد إلى حدود مدينة القدس شرقًا باتجاه البحر الميت، وما يتضمنه ذلك من سرقة آلاف الدونمات من أراضي الضفة الغربية.
وفي الأمر الرابع كان التهويد العمراني الحضاري لسحق الهوية المعمارية العربية الإسلامية الأصيلة للمدينة بل والجوانب المعرفية فيها.
وكما يورد الباحث ببحثه العميق المعنون «القدس في الاستراتيجية الصهيونية من الأسرلة إلى التهويد» قائلًا: «تمثلت استراتيجية الجرف التاريخي للقدس بلجوء “إسرائيل” إلى اعتماد مخطط التهويد الفضائي للمدينة، وذلك بتغيير وطمس معالم الفضاء العربي-الإسلامي الذي طبع المدينة بطابعه المعماري والثقافي والحضاري وصولًا إلى تلبيسها فضاءً غربيًا يلغي معالمها الآثارية (الأركيولوجية) ويجعلها معلمًا مختلفًا كليًا بإبراز الطابع اليهودي الغربي الوافد إلى المدينة.»
إعادة اختراع فلسطين
وفي هذا السياق «عملت الصهيونية على إعادة اختراع “فلسطين من جديد” بتشويه ما يزيد عن ألفي سنة من التطور الحضاري والإنساني فيها تارة، وبطمس أجزاء منه تارات أخرى.»
وما فتئت الصهيونية «تقتلع وتخترع، وتمحي ثم تبني على أنقاض ما محت» لتحقيق غرضها. «وفي خضم هذا السيل الجارف الماحي تلمح رغبة صهيونية حثيثة لإعادة كتابة التاريخ، وذلك لكي يتكامل جرف الأرض مع جرف تاريخها».
وإلى الأساليب الأربعة الأولى المذكورة تجد خامسًا التهويد السياسي بتفريغ المدينة من النخبة السياسية والاجتماعية الثائرة المعروفة بمواجهتها للاحتلال، وتحت ضغط قرارات الإبعاد وإرهاب العصابات الصهيونية العاملة بالمدينة (ما يقارب 35 منظمة استيطانية وجماعة يهودية إرهابية ومتشددة) فضلًا عن قسوة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما يجعل المدينة دون قيادة أو طليعة ذات تجربة نضالية وسياسية عميقة.
التهويد الاجتماعي
وإلى ذلك كان التهويد الاجتماعي بالإلغاء الكلي لمجتمع مقدسي عربي-إسلامي-مسيحي متواصل واستبداله بالمجتمعات اليهودية الغربية خاصة ثم لاحقًا الشرقية، ما يعني بوضوح إلغاء الهوية الحضارية والثقافية العربية للقدس بشطريها، ثم في البلدة القديمة وفي الأحياء العربية للشرقية، وهي الهوية التي تشكلت منذ قرون.
ويمكننا الاستدلال على حجم الجريمة بالقدس من دراسة د. شادي عواد المعنونة: «تهويد القدس ثقافيا (1967-2022م)»، والتي هدف فيها إلى «إلقاء الضوء على أهم الممارسات والسياسات التي قامت بتطبيقها “إسرائيل” بعد سيطرتها على مدينة القدس الشرقية عام 1967، خاصة فيما يتعلق بالجانب الصهيوني، الذي عمد على استخدام سياسة مفادها تهويد المدينة في كل المجالات ونخص بالذكر الناحية الثقافية.»
وقد توصل الباحث فيما نشره في المجلة الدولية للعلوم الإنسانية والاجتماعية: «إلى عدة نتائج كان من أهمها أن استطاعت خلق حقائق جغرافية وسكانية (ديموغرافية) وسياسية مكنت الإسرائيلي من تغيير الكثير من معالم القدس وجزء من هويتها العربية الإسلامية وصبغتها بالصبغة الإسرائيلية. وقد حقق الاحتلال أكثرية يهودية في المدينة مع محاولة استئصال الوجود العربي ومحاصرة التجمعات السكانية في المدينة وحولها.»
الجدار العازل والعبرنة
فالباحث يتعرض للتهويد السكاني مشيرًا بوضوح إلى سياسة سحب الهويات من المقدسيين تحت حجج مختلفة مثل «مركز الحياة» أو الإقامة خارج المدينة لفترة طويلة ومثل الجدار العازل الذي عزل أحياء عربية كاملة عن مركز المدينة وما تسبب فيه من تهجير آلاف الفلسطينيين، ناهيك عن سياسة هدم البيوت عبر القوانين التعجيزية وتدمير المنازل بحجة عدم الترخيص وترسيم مشروع القدس الكبرى بتوسيع حدود المدينة لضم كتل استيطانية كبرى لتحقيق الأغلبية اليهودية وأيضًا ما يتم من مواصلة إغلاق المؤسسات الفلسطينية العاملة بالقدس.
وعند حديثه عن التهويد الديني والثقافي والعمراني يشير الدكتور شادي عواد إلى التركيز على طمس الهوية العربية والإسلامية والمسيحية وإحلال طابع يهودي مكانها وما يحصل من حفريات وأنفاق تحت المسجد الأقصى وفرض ما يحلمون به من التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك (هو كل ما دار حوله السور من مبانٍ وساحات بمساحة 144 ألف متر مربع، أي 144 دونمًا) ولما يمكن أن يكون مثل ما هو حاصل في الحرم الإبراهيمي في الخليل وصولًا إلى الاستيلاء الكامل، فضلًا عن عبرنة جميع أسماء الشوارع والأحياء والمعالم التاريخية وبوابات القدس (مثل تسمية باب العمود: «شعار شكيم»)، وفي قطاع التعليم محاولة فرض المنهج الإسرائيلي وبالتالي تشويه الحقائق التاريخية والدينية في المناهج التعليمية لطمس الهوية العربية والوطنية للطلاب.
خاتمة
إن تهويد القدس ومجمل فلسطين ومحاولة إلغائها عمل عبثي لن يثمر حقًا أبدًا مهما اجتهد المتطرفون والإرهابيون من اليمين الإسرائيلي والصهيوني في تثبيته على أرض فلسطين وفي سرديتهم المغموسة بتاريخ مصطنع وواقع إرهابي ملطخ بالدماء.
إن كل الوقائع والدراسات العلمية والتاريخية والآثارية قد فضحت أكاذيب السردية الصهيونية عن فلسطين والقدس، وخرافات «الوعد» الموهوم، والعودة للوطن والإله المخصص لهم! وأقامت بحوثًا ذات شأن ووزن عظيمين – حتى من البحاثة والآثاريين الإسرائيليين أنفسهم – جعلت من حقيقة الحاصل مجرد استخراب (استعمار) غربي لقطعة من أرض الغير (فلسطين) لمصلحة ما كان الاستعمار الغربي بوجه يهودي غربي كما أراد هرتسل.
إن الاهتمام المحلي الوطني والعروبي والإسلامي والمسيحي والعالمي بفضح السردية الصهيونية عن فلسطين وعن القدس بل والأمة المكروهة من قبل الإسرائيلي، وما يخالطها من خرافات تاريخية وعدوانات دموية انكشفت للعالم كله، خاصة بعد النكبة الكبرى الثانية ومحرقة غزة في 17/10/2023م (أي بدءًا من مذبحة المعمداني).
لا يمكن لأي فعل إجرامي أن يكون بديلًا عن جلاء الحق، فالحق أبلج والباطل لجلج. فما يقوم به الاحتلال الصهيوني من جرائم متعاظمة اليوم على أرض فلسطين وسوريا ولبنان وغيرها عبر تهديد العرب والهيمنة عليهم أجمعين، وما يقوم به في فلسطين من تطهير وتهويد وتهجير تعدّ مواجهته والنضال ضده والكفاح واجبًا أساسيًا، وحديثًا وبشكل فعال من خلال الإعلام ومختلف البرامج والمنصات الرقمية والشرائط (الأفلام) المختلفة التي تطال عقل العالم الحر وقلبه وقيمه وأخلاقه العالمية الإنسانية التي تحث على الحرية والعدالة والحق. وما من حق هذه الأيام أكثر وضوحًا من حق الشعب الفلسطيني في استقلال دولته القائمة ولكنها محتلة، ومن حقه الحرية والنصر وتقرير المصير.