الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

ترميمٌ عميقٌ للذاكرة بعد أن غفلنا طويلاً عن ذلك

كنا ثلّة من القادمين إلى جامعة الزيتونة في زمن عاصف، في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. منّا الفلسطيني، ومنا الغامبي، ومنا الجزائري، ومنا التونسي. جَمَعنا الشغف بدراسات الأديان فعكفنا على التروّي في آي التوراة والإنجيل والقرآن، ثم مددنا البصر بعيدا على هدى البيروني في تتبع ما للهند والصين في الدين من مقولة. كان الصراع على أشده في تونس بين النظام الآفل وما قبل الآفل من جهة، وبين الإسلام السياسي من جهة أخرى، على الرأسمال الرمزي للزيتونة، أعرق الجامعات الإسلامية في بلاد الإسلام. أدركنا للتوّ أن معركتنا علمية معرفية بالأساس، وأن شيوخنا وأساتذتنا، الذين اُستنفِروا من كل حدب وصوب لتدريس الأديان لا يفقهون الأديان إلا قليلا، حاشى الراحل الأستاذ محسن العابد طيب الله ثراه. حينها انهمكتُ وأنا طالب في ترجمة كتاب \"علم الأديان\" للفرنسي ميشال مسلان، الذي نشرته لاحقا لدى المركز الثقافي العربي في بيروت، وهو المؤلف العمدة لمقاربة الأديان بمنهج علمي. أما رفيقي وخليلي الأردني الفلسطيني عامر الحافي، والزيتوني حتى النخاع، فقد كان مشغولا حينها بتعريب نصوص ابن ميمون، وكان دائم الحديث عن افتقار المكتبة العربية للمتون والمراجع في دراسة اليهودية، ومنها التلمود، الذي لا نملكه معرَّباً رغم أنه نشأ في أحضان حضارتنا. حمل الحافي ذلك الغبن في دخيلته لما تفرقت بنا السبل، أحدنا غادر باتجاه عمّان والآخر يمم شطر روما.

كان يوما بهيجاً حين أخبرني عامر من عمّان، بعد مرور السنوات، بإتمام ترجمة التلمود من أصوله الآرامية وبمجلداته العشرين، وذلك بالتعاون مع كوكبة من المترجمين. فالأسفار التي كنا نلجأ إلى قراءتها بالفرنسية، هي النسخة الوحيدة المتوفرة في مكتبة العطارين في العاصمة تونس. فما أنجزه الحافي وصحبه ليس أمرا هينا بل هو إنجاز عظيم يذكرنا بإنجازات رواد دراسات الأديان في حضارتنا، أمثال البيروني وابن ربن الطبري والسموءل بن يحيى المغربي وأبي الحسن العامري. نحن نتحدث عن عشرين سفرا من التوراة الشفوية، توزعت على فترة تقارب 700 عام (200 ق.م–500م)، انتقلت من هارون إلى يشوع إلى طائفة المرسَلين إلى ربّاي هليل وربّاي شماي. تتوزع على قسمي المشنا والجمارا، وتحوي مقولات الأحبار بعد ختم النصّ التوراتي.

وبالفعل لقد عزّت الدراسات العربية الجادة في العصر الحديث عن التلمود، وإن تحدّثت عنه فبالرواية لا بالدراية. وأمام فقدان التعامل المباشر مع التلمود، أتت المواقف متأثرة بأحكام القارئ الأوّل. ومن مفارقات الدراسات العربية الحديثة للتلمود أن يكون الاعتماد على نصّ \"الكنز المرصود في قواعد التلمود\"، الذي عرّبه أحد النصارى الشوام، وجاءت أولى طبعاته سنة 1899. لقد أُلِّف الكتاب المعتمَد في حّمى صراعات اللاّسامية في أوروبا، وهو ما كان انعكاسه جليا على بنيته ومضامينه. كان الاستناد إلى الكنز المرصود مدعاة للضرر بالاستهواد العربي، وقلّة من تفطّنت إلى أن التلمود هو أرحب مما عرضه صاحب الكنز المرصود. فقسمُ المعاملات في التلمود فيه من الشبه ما لا يختلف كثيرا عما هو مدوَّن في كتب الفروع من الأحكام الفقهية لدينا. فمثلا في تفصيله الأعمال المحرّمة يوم السّبت، يوغل فيها بدقّة متناهية. وأحد أنواع الأعمال المحرمّة الكتابة، وعندها ينشأ السؤال كم عدد الأحرف التي ينبغي كتابتها كي يقترف المرء إثم الكتابة؟ والجواب حرفان. ولكن هل المعصية نفسها بصرف النّظر عن اليد التي يكتب بها الإنسان؟ الجواب لا. ولاتقاء السّقوط في المعصية يسيّج حظر الكتابة بمنع آخر يحذّر من لمس أيّ أداة من أدوات الكتابة يوم السبت.

فالتّلمود كما تبيّن لنا ليس خزّان شرور -كما يصوَّر خطأً-، بل تجلّيات عقلية سامية. فهنيئا لدارسي الأديان في البلاد العربية بهذا الإنجاز وهنيئا للحافي ابن الزيتونة ولصحبه بهذا السبق المعرفي العظيم. ربما الفائدة الكبرى من هذه الأسفار وهي أن نراجع على ضوئها تراثنا، ولا سيما منه الحديث النبوي، لندرك بالفعل ما تسرب فيه من تراث قديم، توارثته شعوب وأقوام بين أورشليم وبابل، فها هو ترميمٌ عميقٌ لذاكرتنا بعد أن غفلنا طويلاً عن ذلك.

نبذة عن المشرف على الترجمة: عامر الحافي أردني فلسطيني من مواليد عمان 1966، خريج جامعة الزيتونة-تونس. أستاذ علم الأديان في جامعة آل البيت بالمفرق، كما يتولى مهمة نائب مدير المعهد الملكي للدراسات الدينية في عمان.

أستاذ تونسي بجامعة روما

[email protected]

التلمود البابلي

نشر مركز دراسات الشرق الأوسط-عمّان

عدد الصفحات: 7100ص (20 مجلدا)

المشرف على الترجمة: د. عامر الحافي

×
أخبار
بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط