الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

بعد هدنة طهران وتل أبيب: فلسطين تحت النار والعالم فوق الجثث

بعد هدنة طهران وتل أبيب: فلسطين تحت النار والعالم فوق الجثث

تاريخ النشر: 2025-06-25 | 13:04

حين قررت اسرائيل وايران وقف اطلاق النار، تحركت الدبلوماسية الدولية في كل اتجاه، كما لو ان العالم كله كان يقف على حافة الهاوية. خلال ايام معدودة، تجندت العواصم الكبرى، وتدفقت الوساطات، وتكثفت الاتصالات، وصدرت البيانات الحازمة المطالبة بوقف التصعيد فورا. بدا الامر وكأن البشرية باسرها تنفست الصعداء. لكن في غزة، لم يسكت القصف، ولم ترفع الانقاض، ولم تفتح المعابر. وفي الضفة والقدس، لم تتوقف الاقتحامات والاعتقالات والمجازر اليومية. فلسطين كانت، وما زالت، خارج مشهد التهدئة. فالعالم الذي هرع لانقاذ المنطقة من نار الحرب، لم يتحرك لانتشال الفلسطينيين من اتون الابادة.

هذا التناقض الاخلاقي والسياسي لا يفاجئنا، لكنه يفرض علينا وقفة حقيقية. فالهدنة بين طهران وتل ابيب لم تكن فقط عملية لاحتواء التصعيد، بل كانت لحظة كاشفة لموازين الاهتمام، ولترتيب الاولويات في هذا الاقليم المختل. لقد تحرك العالم لحماية اسرائيل من خطر اتساع المواجهة مع ايران، بينما يواصل غض الطرف عن حرب مفتوحة تشن منذ اكثر من عام ونصف على غزة، دون توقف، دون خطوط حمراء، ودون ادنى التزام بالقانون الدولي او بالكرامة الانسانية.

ما جرى في الايام الماضية يبعث برسالة خطيرة الى الفلسطينيين: ان حياتهم ليست جزءا من المعادلة، وان موتهم المنتظم بات امرا اعتياديا، لا يوقظ ضميرا ولا يحرك مؤسسات. فحين تقتل الاف العائلات تحت الانقاض، ويمنع عنها الدواء والغذاء والماء، ولا تتحرك الامم المتحدة الا لتقديم احصاءات الموت، ندرك ان فلسطين لم تعد فقط خارج ميزان العدالة، بل خارج حدود الاهتمام ذاته.

الاخطر من ذلك، ان وقف التصعيد مع ايران يمنح اسرائيل فرصة استراتيجية لاعادة ترتيب اولويات عدوانها، وتوجيه كل طاقاتها الى الداخل الفلسطيني. فالمعركة مع طهران، رغم رمزيتها، لم تكن سوى محطة عابرة في عقل المؤسسة الاسرائيلية، التي ترى في الفلسطيني "الخطر الحقيقي"، ليس لانه يملك سلاحا او جيشا، بل لانه يملك فكرة، وهوية، وحقا يرفض الزوال. الهدنة هنا لا تعني تهدئة، بل تفريغا للساحة من التشويش، كي تتفرغ اسرائيل لاكمال مشروعها: قضم الضفة، تهويد القدس، اغراق غزة في الجوع، واعادة تعريف الفلسطيني كمشكلة امنية لا اكثر.

لا مبالغة في القول ان ما يحاك اليوم هو اكثر من استمرار للعدوان. نحن امام مرحلة يراد فيها اعادة تعريف القضية الفلسطينية من جذورها. لا بصفتها قضية تحرر، بل كمشكلة انسانية تتطلب ادارة لا حلا، وكمصدر قلق يجب تحييده لا معالجته. كل هذا يجري باسم "الاستقرار الاقليمي" و"تهدئة الاوضاع" و"منع التصعيد"، وهي العبارات ذاتها التي لطالما استخدمت لتقزيم القضية وتحويلها الى ملف تابع لصراعات غيرها.

في هذا السياق، تبدو الضغوط الدولية وكأنها تسير في اتجاه واحد: اعادة اعمار مشروطة لغزة، صلاحيات ادارية محدودة في الضفة، تأجيل نهائي لقضية القدس، وتهميش مطلق لحق العودة. اما السقف الاعلى الذي يعرض على الفلسطيني، فهو هدنة طويلة مقابل "تسهيلات" ومساعدات انسانية، تمنح بشروط امنية، وتسحب بتقارير استخبارية. هذه ليست تسوية، بل وصفة لتصفية، والمفارقة ان من يسوقها هم ذاتهم الذين يفترض انهم "رعاة الحلول" و"شركاء السلام".

امام هذا الواقع، لا بد من اعادة بناء الموقف الفلسطيني على اسس مختلفة. فلا فائدة من انتظار تغير في مزاج العالم، ولا من الرهان على عدالة منتقاة. وحدها رؤية وطنية مستقلة، تنطلق من حقيقة الصراع، يمكنها ان تحفظ ما تبقى من مشروعنا الوطني. هذه الرؤية لا تتشكل من خلال البيانات، بل من خلال فعل سياسي حقيقي، يبدأ باستعادة الوحدة الوطنية، لا كشعار وانما كممارسة. فبدون وحدة تمثيلية حقيقية، تعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وفاعل، لا يمكن بناء اي موقف وطني جامع قادر على مواجهة هذا الانحدار.

كما ان المواجهة القادمة لا يمكن ان تكون تفاوضا على شروط البقاء، بل مقاومة شاملة ضد مشروع الالغاء. لا نريد العودة الى ادارة الازمة، بل الى طرح القضية كما هي: قضية شعب واقع تحت استعمار استيطاني، يواجه محاولات افناء، ويملك الحق الكامل في مقاومته بكل الوسائل المشروعة. واي تسوية لا تنطلق من هذه القاعدة، هي استسلام مقنع مهما تعددت اسماؤها.

ان وقف النار في الاقليم لا يمكن ان يقرأ كهدنة فعلية ما دامت غزة تشتعل، والضفة تسحق، والقدس تسرق يوميا. الهدنة الحقيقية تبدأ حين يتوقف القتل، ويرفع الحصار، وتستعاد الحقوق. وما لم يحدث ذلك، فان ما نعيشه ليس استقرارا، بل لحظة هدوء في قلب العاصفة، تستغل لاعادة رسم الخريطة على حساب الشعب الفلسطيني ودمه وكرامته.

لقد اثبتت هذه اللحظة مرة اخرى ان القضية الفلسطينية ليست جزءا من صراع محاور، بل هي البوصلة التي ترفض الانحناء. ولسنا بحاجة الى ان نكون في محور، ولا على الهامش. نحتاج فقط ان نكون فلسطينيين، على دراية بتاريخنا، وعلى تماس مع واقعنا، وعلى ايمان بان الحرية لا تمنح، بل تنتزع.

المعركة لم تنته. بل ربما تبدأ الان، بعد ان سقطت الاقنعة، وتكشفت التحالفات، وتعرى العالم امام دمنا المكشوف. ما نحتاجه اليوم ليس فقط ان نصمد، بل ان نفكر، ونبني، ونقاوم، لان ما يخطط لفلسطين لا يقل خطرا عن القنابل، بل هو الابادة بالصمت والتطبيع والتدجين.

وهنا، علينا ان ندرك ان معركتنا الحقيقية ليست في الرد على الاخرين، بل في استعادة انفسنا، وموقعنا، وقضيتنا. 

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط