تاريخ النشر: 2026-11-01 | 18:35
تاريخ النشر: 2026-11-01 | 18:35
تحتل مسألة إصلاح النظام السياسي الفلسطيني صدارة النقاشات الوطنية، خاصة مع استمرار حالة الانسداد الديمقراطي وغياب الانتخابات العامة لسنوات طويلة. وفي الوقت الذي يشهد فيه كيان الإبادة حراكاً انتخابياً دورياً يغير الخارطة السياسية ويعيد تشكيل التحالفات، يبرز تساؤل جوهري لدى النخب والمراقبين. كيف يمكن للانتخابات في كيان الاحتلال أن تكون عبرة ودرساً للحالة السياسية الفلسطينية؟
إن النظر إلى التجربة الانتخابية في الكيان لا يعني تبني نموذجها الأيديولوجي أو إغفال طبيعتها كدولة احتلال عنصري إجلائي، بل يهدف إلى تفكيك "الآليات" الإجرائية والدستورية التي تضمن استمرار مأسسة الحكم وتداول السلطة، ومقارنتها بالواقع الفلسطيني المأزوم.
تُقدم تجربة الكيان درساً أساسياً في حتمية دورية الانتخابات. فرغم الأزمات السياسية العميقة والانقسامات الحادة داخل المجتمع، إلا أن النظام السياسي لا يلجأ إلى تجميد المؤسسات، بل يعود فوراً إلى صناديق الاقتراع كحَكَم وحيد لتجديد تفويض النظام.
في المقابل، يعاني الواقع الفلسطيني من "تكلس" في الشرعيات، حيث غابت الانتخابات الرئاسية والتشريعية منذ عام 2006، وتحوّل الانقسام بين حركتي (فتح وحماس) إلى واقع هيكلي عطّل المجلس التشريعي وفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة. العبرة هنا هي أن الانتخابات ليست ترفاً سياسياً، بل هي الوسيلة الوحيدة لمنع تفرد النخب وصيانة شرعية المؤسسات أمام الشعب وأمام المجتمع الدولي.
تضم الساحة السياسية في كيان العدو طيفاً واسعاً ومتناقضاً من الأحزاب (علمانية، دينية متطرفة، يمين استيطاني، ويسار، وأحزاب تمثل فلسطينيي الداخل). ورغم هذا التباين الجذري الذي يصل أحياناً إلى حد الشيطنة المتبادلة، تظل قواعد اللعبة الديمقراطية هي السائدة، حيث تُحسم الصراعات عبر الائتلافات الحكومية والمفاوضات السياسية داخل البرلمان "الكنيست".
هذا النموذج يمثل نقيضاً مباشراً للحالة الفلسطينية، حيث أدى الخلاف البرنامجي والسياسي بين حركتي فتح وحماس عام 2007 إلى اقتتال مسلح وانقسام جغرافي وسياسي ما زال مستمراً. العبرة المستفادة هي ضرورة مأسسة الخلاف، بحيث تدرك الفصائل الفلسطينية أن صناديق الاقتراع هي الأداة الوحيدة للصعود أو الهبوط من السلطة، وأن الشراكة السياسية المبنية على نتائج الانتخابات هي البديل الوحيد للاحتكار الإقصائي.
تُظهر الانتخابات لدى كيان الإبادة كيف يمكن للأحزاب الصغيرة أو الجديدة أن تفرض شروطها وتكون جزءاً من صناعة القرار من خلال التحالفات. هذا الدرس يكتسب أهمية قصوى عند الحديث عن إعادة بناء وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني. إنّ تبني نظام انتخابي ديمقراطي وشامل يسمح بدخول قوى جديدة ك (حماس، والجهاد الإسلامي، والحراكات الشبابية، والمستقلين) إلى مظلة المنظمة، كفيل بإنهاء تفرد فصيل واحد بالقرار الوطني، ويمنح المنظمة قوة تمثيلية حقيقية قادرة على مواجهة التحديات السياسية المعاصرة، وإيجاد "صيغة بديلة" للعمل السياسي تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
رغم وضوح هذه العِبر، إلا أن إسقاطها على الواقع الفلسطيني يصطدم بجدار سميك من الفوارق البنيوية. فالكيان يمارس ديمقراطيته ك "دولة ذات سيادة تامة"، بينما يرزح الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال العسكري. وتُظهر القراءات السياسية أن الكيان يسعى دائماً لتعطيل المسار الديمقراطي الفلسطيني (كما يحدث في منع انتخابات القدس) لمنع نشوء قيادة فلسطينية موحدة ومستندة إلى تفويض شعبي قوي. بالإضافة إلى ذلك، فإن السلوك الانتخابي في كيان الاحتلال في السنوات الأخيرة أظهر جنوحاً متزايداً نحو اليمين المتطرف، مما يعكس تحول محاكاته في الجانب القيمي، بل تُستخلص منه العبرة في الجانب الإجرائي فقط.
إن العبرة الحقيقية التي يجب أن تلتقطها الحالة الفلسطينية من انتخابات كيان الإبادة هي أن قوة أي مشروع تحرر وطني تبدأ من تماسك بيته الداخلي وشرعية مؤسساته. إنّ إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية لم يعد مجرد خيار سياسي، بل هو ممر إجباري يتطلب إرادة سياسية تترفع عن المصالح الحزبية، وتذهب نحو صناديق الاقتراع لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية أولاً وقبل كل شيء على أسس ديمقراطية تضمن مشاركة كافة أطياف الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.
رامز جبارين
كاتب فلسطيني
اسم المؤسسة / الجهة: