تاريخ النشر: 2026-10-31 | 08:51
تاريخ النشر: 2026-10-31 | 08:51
صديقي بعد 25 سنة صداقة، أرسل لي أمس:
"يا دكتور، كلنا نعرف الظلم اللي تعرضت له من بعض المتنفذين وخلافاتك معهم. موقفك ضد بعض الأشخاص بيعملك وجع راس أنت بغنى عنه. وهم بيعاقبوك بهويات أولادك وجوازاتهم. وأنت اليوم الحمد لله في مكان محترم في مؤسسات أممية ودبلوماسية، و43 دولة مفتوحة إلك.. فشو بدك بهالحرب اللي بتسعل فيها؟"
فأجبته:
شكراً لأنك كتبتها محبة لا لوماً. لكن دعني أوضح لك نقطة مهمة:
حربي ليست ضد شخص، ولا ضد فصيل، ولا ضد حزب.
أنا لا أخاصم أسماء، أنا أخاصم سلوكاً. الفساد لا لون سياسي له. إن كان من فتح فأنا ضده، وإن كان من حماس فأنا ضده، وإن كان من اليسار أو اليمين فأنا ضده. معياري ليس الانتماء، معياري هو: هل هذا الفعل نظيف أم فاسد؟ هل يخدم الناس أم يسرقهم؟
لهذا لا يستطيع أحد أن يصنفني في خانة الخصومة الشخصية. أنا لا أملك خصومة شخصية مع أحد.
قال: طيب لماذا تصطدم إذن؟
قلت: لأني أحترم إرادة الشعب والمنظمة.
أنا ابن منظمة التحرير الفلسطينية، وتحت رايتها، وهي التي تمثلني وتمثل كل فلسطيني. لم أخرج عنها يوماً ولن أخرج. لكن احترامي للمنظمة هو بالضبط ما يجعلني أرفض أن يختطفها فاسد أو يستخدم اسمها غطاءً لمصلحة.
احترام المنظمة لا يعني السكوت على من يسيء لها. بل العكس، السكوت هو الخيانة لها. عندما أقول "لا للفساد" فأنا أدافع عن المنظمة، لا أهاجمها. أدافع عن فكرتها الأولى كبيت أخلاقي للشعب، لا كشركة خاصة.
قال: لكنك تدفع الثمن بهويات أولادك!
قلت: نعم. وهذا هو الدليل أن الخلل موجود. عندما تتحول هوية طفل وحقه في جواز سفر إلى أداة عقاب ومجاكرة، فنحن لم نعد في خلاف إداري، نحن في أزمة أخلاقية.
أستطيع أن أسكت وأعيش مرتاحاً بين 43 دولة، أُدرّس الدبلوماسيين عن النزاهة. لكن أي نفاق سأعيشه؟ كيف أحدثهم عن الشفافية في جنيف، وأصمت عن غيابها في بيتي؟
يا صديقي،
منذ 35 عاماً تربيت على جملتين لا ثالث لهما:
1. الوطن هو المعيار: لا الشخص، ولا الحزب، ولا المنصب. إن كان الموقف يخدم الوطن فهو صح، وإن كان يخدم الشخص على حساب الوطن فهو خطأ، من أي جهة جاء.
2. والضمير هو المحاسب: المناصب تذهب، الدول الـ 43 قد تغلق أبوابها غداً، لكن عندما أقف أمام أولادي، ماذا سأقول لهم؟ هل سأقول سكتّ لأحافظ على راحتي؟ أم قلت كلمة حق لأن منظمتنا تستحق أن تكون نظيفة؟
أنا لم أختر الحرب، أنا اخترت ألا أكون شاهد زور.
وسأبقى تحت راية المنظمة، مدافعاً عنها، حتى من نفسها إن لزم الأمر.