تاريخ النشر: 2026-09-05 | 15:36
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-09-05 | 15:36
يقولون إن الغربة أن تعيش بعيداً عن وطنك، لكنني اكتشفت مع السنوات أن الغربة الحقيقية ليست في المسافات، ولا في المطارات، ولا في عدد الساعات التي تفصلنا عن البلاد.
الغربة أن تستيقظ ذات صباح، فتشتاق إلى شارع لم تكن تعرف يوماً أنك تحفظ تفاصيله.
أن تمرّ بك رائحة خبز، فتعيدك فجأة إلى طفولتك.
أن تسمع اسم طولكرم، فتشعر أن شيئاً في داخلك قد تحرّك، وأن العمر مهما أخذنا بعيداً، لا يستطيع أن يأخذ منا المكان الأول.
أنا ابن طولكرم، وإن أبعدتني عنها الحياة قسراً، وحملتني ظروفها إلى بلاد ومدن كثيرة، بقيت تلك المدينة الصغيرة في الجغرافيا، الكبيرة في قلبي، عنواناً لا يتغير.
منها بدأت الحكاية.
هناك عرفت معنى البيت، والأهل، والجيران، ورائحة الأرض بعد المطر. هناك كانت التفاصيل بسيطة، لكنني اليوم أدرك أنها كانت أثمن ما نملك. فالإنسان حين يعيش في وطنه قد لا ينتبه إلى قيمة الأشياء الصغيرة، لكنه حين يغترب، تصبح تلك الأشياء وطناً كاملاً.
وأنا، كلما اشتقت إلى طولكرم، وجدتني أشتاق معها إلى القدس.
لا أعرف كيف تلتقي المدينتان في داخلي بهذه القوة؛ ربما لأن طولكرم هي مسقط القلب، والقدس هي قبلته.
فالقدس بالنسبة لي ليست مدينة نزورها ثم نعود منها.
إنها شعور.
هي ذلك الاسم الذي ما إن يُذكر حتى يتغير إيقاع القلب. هي حجارة البلدة القديمة، وأزقتها الضيقة، وأبوابها التي عبرتها أجيال وراء أجيال، وقبة الصخرة وهي تلمع في سماء المدينة، وصوت الأذان من المسجد الأقصى يمتزج بأجراس الكنائس، في مشهد يلخص تاريخاً أطول من أعمارنا جميعاً.
القدس مدينة حملت عبر آلاف السنين طبقات متعاقبة من التاريخ والحضارات والأديان، وما تزال بلدتها القديمة بأسواقها وحاراتها ومقدساتها شاهداً حياً على ذلك الإرث الإنساني والديني الاستثنائي.
لكن علاقتنا نحن الفلسطينيين بالقدس لا تحتاج إلى كتب التاريخ كي نفسرها.
نحن نحب القدس كما يحب الإنسان أمه؛ لا يسأل لماذا.
نحبها لأننا نشعر أن شيئاً منا يسكن هناك، حتى عندما نكون على بعد آلاف الكيلومترات.
وقد علمتني الغربة شيئاً غريباً:
كلما ابتعدت عن فلسطين، اقتربت منها أكثر.
حين كنت قريباً منها، كانت وطناً أعيش فيه.
وحين ابتعدت عنها، أصبحت وطناً يعيش فيّ.
كبرنا، وسافرنا، وعملنا، وبنينا حياتنا في بلاد مختلفة. حملنا جوازات سفر، ووقفنا في مطارات كثيرة، وأقمنا في مدن جميلة، والتقينا شعوباً وثقافات مختلفة. وربما نجح الإنسان في أن يصنع لنفسه بيتاً في الغربة، وربما أحب مدينة أخرى واحترم بلداً آخر وأخلص للمكان الذي احتضنه.
لكن ثمة فرقاً كبيراً بين المكان الذي تعيش فيه والمكان الذي يعيش فيك.
وفلسطين تعيش فينا.
وطولكرم تعيش فيّ.
والقدس تسكن مكاناً في القلب لا ينافسها عليه مكان.
كم تمنيت أحياناً لو استطعت أن أشرح لأبنائنا الذين كبر بعضهم بعيداً عن فلسطين معنى أن تكون فلسطينياً مغترباً.
أن تحمل وطناً كاملاً في حقيبة لا يراها أحد.
أن تكون جالساً في مجلس في دبي أو الرياض أو إسطنبول أو أي مكان في هذا العالم، ثم يذكر أحدهم القدس، فتغيب للحظة عن المجلس كله.
ترى باب العمود.
ترى الأسواق.
ترى قبة الصخرة.
ترى وجوه الناس.
ثم تمتد الذاكرة شمالاً نحو طولكرم؛ إلى السهل، وإلى البيوت، وإلى الحارات التي ما زالت تحتفظ في ذاكرتنا بأصوات من رحلوا وبخطوات من كبروا وبضحكات طفولة لن تعود.
عندها تفهم أن الإنسان قد يغادر وطنه، لكن الوطن لا يغادر الإنسان.
وأنا لم أختر أن أكون بعيداً عن وطني كل هذه السنوات.
أخذتني الحياة قسراً إلى الغربة، كما أخذت ملايين الفلسطينيين قبلنا وبعدنا. بنينا حياتنا حيث استطعنا، ونجحنا حيث أتيحت لنا الفرصة، وحاولنا أن نكون أوفياء لكل بلد فتح لنا بابه.
لكن النجاح في الغربة لا يلغي الحنين.
والسنوات لا تمنح القلب جنسية جديدة.
يبقى هناك مكان أول، لا يشبهه مكان.
بالنسبة لي، يبدأ ذلك المكان من طولكرم، ويمتد حتى القدس.
ولهذا كلما مر العمر، ازداد خوفي من شيء واحد: ألا نورث أبناءنا هذا الحب كما ورثناه نحن.
لا أريد لفلسطين أن تصبح بالنسبة إلى الأجيال القادمة مجرد قصة يرويها الآباء، أو صورة قديمة معلقة على جدار، أو اسماً مكتوباً في خانة الأصل.
أريدهم أن يعرفوا أن لهم هناك جذراً.
أن يعرفوا طولكرم، حتى لو لم يحفظوا كل شوارعها.
وأن يحبوا القدس، حتى لو حالت الظروف بينهم وبين الوصول إليها.
أن يعرفوا أن المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة وأسواق القدس وحاراتها ليست مجرد معالم في مدينة تاريخية؛ بل أجزاء من ذاكرة وهوية وتراث إنساني وفلسطيني حي.
نحن جيل ربما كتب عليه أن يعيش كثيراً من عمره بعيداً.
لكننا نستطيع على الأقل ألا نسمح للمسافة بأن تتحول إلى نسيان.
سنحكي لأبنائنا عن فلسطين.
عن مدنها وقراها.
عن زيتونها وبرتقالها.
عن طولكرم وأهلها.
وعن القدس التي كلما حاولت المسافات أن تجعلها بعيدة، اكتشفنا أنها أقرب إلينا من أي مكان آخر.
وسيأتي يوم، مهما طال الطريق، نقف فيه أمام القدس دون أن تفصل بيننا وبينها خرائط الغربة.
وحينها ربما لن نحتاج إلى كثير من الكلام.
سننظر إليها فقط، ونقول في سرّنا:
تأخرنا يا قدس…
لكننا لم ننسَ الطريق.
أما أنا، فسيبقى في داخلي طريق لا تستطيع الغربة أن تغلقه؛
يبدأ من طفولتي في طولكرم،
ويمر بكل المدن التي حملتني إليها الحياة،
وينتهي دائماً عند القدس.
فبعض المدن نسكنها…
وبعض المدن تسكننا إلى الأبد.