تاريخ النشر: 2026-09-05 | 15:34
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-09-05 | 15:34
أقدّر للدكتورة غانية ملحيس ردّها الهادئ على مقالتي النقدية حول أطروحتها «الطوفان وتصويب التاريخ؟»، وأرى أن قيمة الحوار الفكري لا تكمن في تطابق المواقف، بل في القدرة على اختبار الأفكار، وتمييز ما تثبته الوقائع عما نرجوه منها.
ومن هنا، فإن خلافي معها ليس حول أهمية السابع من أكتوبر 2023، ولا حول كونه حدثاً مفصلياً أحدث زلزالاً في بنية الصراع، وأعاد فلسطين إلى مركز الاهتمام العالمي، وكشف جوانب من هشاشة المنظومة الإسرائيلية، بل وأعاد فتح أسئلة ظُنّ أنها أُغلقت.
الخلاف الحقيقي يقع في الانتقال من القول إن الحدث أحدث تحوّلاً تاريخياً، إلى القول إنه مثّل «بداية تصويب اعوجاج التاريخ».
وهذا انتقال يحتاج إلى أكثر من إثبات أهمية الحدث.
بين فتح الإمكان وإثبات البداية
قد يفتح الحدث التاريخي إمكاناً جديداً، ويكسر معادلة سائدة، ويغيّر شروط الفعل السياسي؛ لكن فتح الإمكان لا يعني بالضرورة أن اتجاه التاريخ قد حُسم.
فالزلزال قد يهزّ البناء ويكشف هشاشته، لكنه لا يخبرنا وحده إلى أين سيتجه البناء بعد ذلك.
ولهذا أرى أن ما نستطيع إثباته حتى الآن هو أن السابع من أكتوبر فتح إمكانية تاريخية جديدة، أما القول بأنه بدأ بالفعل «تصويب اعوجاج التاريخ»، فهو حكم أبعد من الوقائع التي بين أيدينا.
والفرق بين الأمرين ليس لغوياً، بل منهجي.
الانكشاف ليس تصحيحاً
أتفهم تعريف الدكتورة غانية لـ«اعوجاج التاريخ» باعتباره تشويهاً للرواية التاريخية والحقوقية والسياسية للقضية الفلسطينية، وما ترتب على ذلك من تهميش للحقوق الفلسطينية وشرعنة للظلم.
وهنا مساحة اتفاق مهمة.
لكن كشف اختلال الرواية لا يعني، في حد ذاته، تصحيح التاريخ.
لقد انكشفت حقائق كثيرة، وتصدعت روايات، وتغير جزء من الوعي العالمي تجاه فلسطين. لكن الانكشاف شيء، والتصحيح شيء آخر.
فالتصحيح التاريخي لا يكتمل بتغيير الوعي وحده، وإنما عندما يتحول الوعي إلى واقع: إنهاء الاحتلال، واستعادة الحقوق، وقيام الدولة الفلسطينية، وصون القدس، وتحقيق الوحدة الوطنية، واستعادة القرار الوطني المستقل.
الانكشاف ليس تصحيحاً، وكشف الحقيقة ليس تحقيقها.
«مكر التاريخ» لا يصنع النتيجة
أما «مكر التاريخ»، فهو مفهوم مهم لفهم النتائج غير المقصودة للأحداث الكبرى؛ فقد يفتح حدثٌ ما نتائج لم تكن في حساب فاعليه.
لكن «مكر التاريخ» يفسر الإمكان، ولا يضمن النتيجة.
فالتاريخ لا يمنح الأحداث شهادة نجاح مسبقة، وإنما تُختبر دلالاتها بما تنتجه من نتائج مستدامة.
ومن هنا لا أرفض احتمال أن تكون تداعيات السابع من أكتوبر قد فتحت مساراً جديداً في التاريخ الفلسطيني، وإنما أرفض أن نحول الاحتمال إلى حقيقة مكتملة قبل أن تختبره الوقائع.
عودة فلسطين إلى العالم: مكسب أم إنجاز؟
لا شك أن فلسطين استعادت بعد السابع من أكتوبر حضوراً عالمياً استثنائياً، وأن الرواية الفلسطينية أصبحت أكثر حضوراً في المجال السياسي والإعلامي والشعبي.
وهذا مكسب مهم.
لكن ينبغي ألا نخلط بين المكسب السياسي والإنجاز الوطني.
فعودة فلسطين إلى صدارة الاهتمام لا تعني قيام الدولة، ولا إنهاء الاحتلال، ولا تحرير القدس، ولا تحقيق حق العودة، ولا استعادة الوحدة الوطنية والقرار الوطني.
إنها فرصة تاريخية؛ لكنها تظل فرصة إلى أن يستطيع الفلسطينيون تحويلها إلى نتائج سياسية وقانونية ووطنية.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
الصدمة الاستراتيجية ليست بالضرورة تحولاً استراتيجياً
كذلك لا خلاف على أن السابع من أكتوبر كشف ثغرات كبيرة في منظومة الأمن والردع الإسرائيلية، وأسقط كثيراً من أساطير التفوق والحصانة.
لكن ينبغي التمييز بين الصدمة الاستراتيجية والتحول الاستراتيجي.
فالتحول الاستراتيجي لا يُقاس فقط بقدرة حدث على إحداث صدمة، وإنما بقدرته على تغيير موازين القوة وقواعد الصراع بصورة مستدامة.
ومن هنا يبقى الحكم مفتوحاً أمام الزمن والنتائج.
كلفة الفعل وكلفة عدم الفعل
أتفق مع الدكتورة غانية على أن كلفة الفعل لا ينبغي أن تكون المعيار الوحيد للحكم على حدث تاريخي، لأن عدم الفعل له كلفته أيضاً.
لكن المقارنة المنهجية تستدعي أن نسأل:
ما الهدف؟
ما الوسيلة؟
ما البدائل؟
ما مستوى الاستعداد؟
ما النتائج المتوقعة؟
ومن يملك القدرة على إدارة النتائج والتداعيات؟
وهنا أضيف سؤالاً أراه حاسماً:
ليس المهم فقط أن تكون قادراً على إحداث الصدمة، بل أن تكون قادراً على إدارة ما بعد الصدمة.
فالقدرة على بدء التحول ليست هي بالضرورة القدرة على إدارة التحول.
المقاومة ليست بديلاً عن المشروع الوطني
المقاومة جزء أصيل من تاريخ النضال الفلسطيني، ولا أضعها في مواجهة المشروع الوطني.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى بديل عن المشروع، أو عندما ينفصل الفعل المقاوم عن القرار الوطني الجامع.
فالسؤال ليس فقط: هل نقاوم؟
بل أيضاً:
من يقرر؟ وبأي تفويض وطني؟ وفي إطار أي استراتيجية؟ ومن يتحمل مسؤولية النتائج؟
لأن التضحيات، مهما عظمت، تحتاج إلى مشروع وطني قادر على تحويلها إلى مكاسب، وإلى مؤسسات قادرة على إدارة الصراع ومراكمة النتائج.
ماذا صحّح «الطوفان» فعلاً؟
إذا أردنا أن نكون منصفين، يمكن القول إن السابع من أكتوبر كشف هشاشة بعض التصورات الإسرائيلية عن الأمن والردع، وهزّ روايات تاريخية وسياسية، وأعاد فلسطين إلى مركز الاهتمام الدولي، وفتح أبواباً جديدة أمام النقاش السياسي والقانوني، وأعاد طرح سؤال المستقبل الفلسطيني بقوة.
لكن حين ننتقل من سؤال:
ماذا كشف؟
إلى سؤال:
ماذا صحّح؟
يصبح الحكم أكثر تعقيداً.
لقد فتح «الطوفان» باباً واسعاً أمام إمكان تصحيح التاريخ؛ لكن القول بأنه أثبت بالفعل بداية التصحيح يحتاج إلى نتائج لم تتبلور بعد.
بيننا خلاف في درجة الحكم لا في أهمية الحدث
بعد قراءة رد الدكتورة غانية، أجد أن مساحة الاتفاق بيننا أكبر مما قد يبدو.
نحن نتفق على أن السابع من أكتوبر حدث مفصلي، وأنه أحدث انكشافاً كبيراً، وأعاد فلسطين إلى مركز الاهتمام، وهزّ معادلات قائمة، وأن المقاومة جزء من التاريخ الفلسطيني، وأن القضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل أو حدث، وأن المستقبل يتوقف على قدرة الفلسطينيين على إدارة اللحظة وبناء مشروع وطني جامع.
لكننا نختلف في درجة الحكم التي يمكن إصدارها الآن.
هي ترى أن التغير في شروط الرؤية والفعل يكفي للحديث عن «بداية التصويب».
أما أنا فأرى أن ما ثبت حتى الآن هو أنه فتح إمكانية التصويب، لا أنه أثبت بداية التصويب.
وهذا اختلاف منهجي لا شخصي.
بل إن سؤالها الختامي: هل يمتلك الفلسطينيون القدرة على أن يجعلوا منه دقيقاً؟ يقترب من جوهر ما أذهب إليه.
فإذا كانت دقة العنوان ستتوقف على ما سيفعله الفلسطينيون بعد الحدث، فهذا يعني أن الحدث ذاته لا يكفي لإثبات العنوان.
وهنا تكمن المسألة كلها.
فالحدث يفتح الباب، لكن الإنسان هو الذي يعبره؛ والتاريخ لا يحكم على البدايات بما تعد به، وإنما بما تنجزه.
ولذلك، فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يتجاوز خلافنا حول تسمية «الطوفان» هو:
هل نستطيع أن نحول هذه اللحظة التاريخية، بكل ما حملته من انكشاف وتضحيات وإمكانات، إلى مشروع وطني يعيد بناء القوة الفلسطينية، ويوحّد القرار، ويستعيد المبادرة، ويدفع فعلاً باتجاه إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال؟
إذا كان الجواب نعم، فقد يكون السابع من أكتوبر بالفعل بداية تصويب.
أما إذا بقيت نتائجه أسيرة الانقسام والتوظيف الفصائلي وإدارة الأزمة، فإن التاريخ قد يسجل أنه كان لحظة كبرى كشفت الواقع، لكنها لم تستطع تغييره بالقدر الذي وُعدنا به.
والفاصل بين الاحتمال والحقيقة هنا هو:
ما سنفعله نحن، لا ما فعله الحدث وحده.