الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

السودان... ماذا بعد مرحلة «صابنها»؟

السودان... ماذا بعد مرحلة «صابنها»؟

تاريخ النشر: 2019-05-10 | 13:32

عثمان ميرغني
عثمان ميرغني

الثورة السودانية التي نجحت في تخطي كل تحديات القمع والبطش والقبضة الأمنية لنظام البشير، تقع الآن في مطب المفاوضات المرهقة والمماحكات التي تعوق مسيرتها وتمنع تقدمها لتحقيق مطالبها التي قامت من أجلها.

أكثر ما يثير الإحباط والقلق اليوم هو الفراغ الحاصل وعدم التوصل إلى اتفاق في المفاوضات بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، مما عطل إعلان تشكيل الحكومة وبقية هياكل الحكم للفترة الانتقالية. فعلى الرغم من مرور قرابة شهر على إطاحة الرئيس البشير، لا يستطيع أحد أن يقول إن الثورة انتصرت وحققت أهدافها، بل الشعارات المرفوعة في هذه اللحظة هي «لم تسقط بعد»، و«تسقط ثالث»، و«صابنها»، وهذا التعبير الأخير من التعبيرات العفوية ذات الدلالات العميقة وطغى في الفترة الأخيرة على شعار «تسقط بس»، وهو مشتق من «صبة» الإسمنت، أي الخلطة الصلبة في أي بناء يحتاج إلى دعامات قوية تمنع التحرك أو الاهتزاز أو الانهيار. الشباب يستخدمون التعبير في المرحلة الراهنة للقول إنهم باقون في مكان اعتصامهم ولن يتزحزحوا عنه إلى أن تتحقق مطالب الثورة، في ضوء ما يلمسونه من مماطلات وتأخير في إجراءات نقل الحكم إلى سلطة مدنية.

المؤتمرات الصحافية والتنويرية التي عقدها ممثلو المجلس العسكري من جهة وممثلو قوى الحرية والتغيير من جهة أخرى تكشف حجم الهوة التي تفصل بين الجانبين، لا في الشكليات كما يحسب البعض، بل في أمور ستحدد طبيعة المرحلة الانتقالية وما يمكن أن تنتهي إليه، سواء بالانتصار للثورة أو نجاح المتربصين بها الذين يريدون وأدها بقفازات من حرير في غرف التفاوض إن تمكنوا، أو بأساليب خشنة إن اضطروا. وواهم من يعتقد أن نظام الإسلامويين الذي تسلط على البلاد والعباد ثلاثين عاماً وفرض دولة التمكين، سيتخلى عن السلطة ويسلم الحكم بهذه السهولة، ولن يحاول إحباط الثورة وإعادة إنتاج نفسه. كان واضحاً خلال الأيام القليلة الماضية أن هناك مناورات وتحركات تقوم بها القوى التي لا تريد لهذه الثورة النجاح. الاشتباكات المحدودة بين أفراد من ميليشيا قوات الدعم السريع التي يقودها نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وبين المعتصمين، وظهور العصي والسياط مرة أخرى في مواجهة المحتجين، كانت رسالة تحذير من مغبة استمرار الفراغ السياسي، مثلما كانت رسالة تنبيه وتذكير للناس بالملثمين الذين كانوا يستقلون عربات من دون لوحات ومارسوا أبشع أنواع القمع ضد المتظاهرين في هذه الثورة، والذين سيتكشف كثير عنهم في مقبل الأيام.

كذلك كان لافتا الخبر الذي أعلنته قوات الدعم السريع يوم الاثنين الماضي عن ضبطها خلية تخريبية ومصادرة كمية من الأسلحة والذخائر والعبوات الناسفة، بعد مداهمة منزل في أحد أحياء الخرطوم. فقد شكك كثيرون في الخبر والطريقة التي أعلن بها في مقطع فيديو واعتبروه عملا دعائيا لتلميع قوات الدعم السريع، ويأتي في سياق تحذيرات من المجلس العسكري من الانزلاق للفوضى لترهيب الناس وللضغط من أجل إزالة متاريس الاعتصام. فالخطر الأكبر من العنف يأتي من الدولة العميقة وكتائب ظلها والتي لم يقم المجلس العسكري بجهد حقيقي لتفكيكها، بل لم يعتقل بعض القيادات البارزة المعروفة لهذه الكتائب. كل هذه الأمور يمكن قراءتها على أنها في إطار تشديد الضغوط الظاهرة والمستترة على قوى الحرية والتغيير لكي تقدم على خطوات وتنازلات تتوصل من خلالها إلى حلول مع المجلس العسكري تزيل العقبات التي تعرقل تشكيل هياكل المرحلة الانتقالية. وفي هذا الصدد يبدو واضحا أن المجلس العسكري يمارس أيضا لعبة الوقت فيطيل في المفاوضات، ويماطل في بعض الطلبات، ويوسع في دائرة اللقاءات مع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، مراهنا على أن الوقت لصالحه سواء لتعزيز سلطاته، أو لتشديد الضغط على قوى الحرية والتغيير من الناس الذين يريدون عودة الحياة الطبيعية، أو على أمل أن يضعف الاعتصام مع مرور الوقت، أو أن تكبر الخلافات التي بدأت تظهر بين قوى الثورة.

استراتيجية المجلس العسكري، شئنا أم أبينا، تحقق بعض النجاح في ظل استمرار الفراغ. فقد بدأت بعض الأصوات ترتفع مطالبة قوى الحرية والتغيير بتجاوز الخلافات الراهنة، والإسراع بتشكيل حكومة انتقالية وإعلانها أولا، مع استمرار التفاوض حول القضية الخلافية الأساسية وهي تشكيل مجلس السيادة. هذا الأمر ظاهره رحمة وباطنه نقمة. فتشكيل الحكومة من دون حسم موضوع مجلس السيادة سيفتح أبوابا للخلافات حول الصلاحيات، وسيجعل الحكومة تحت سلطة المجلس العسكري الذي يمارس السلطات السيادية حاليا، خصوصا إذا لم يكن هناك توافق على إعلان دستوري ينظم الفترة الانتقالية، ويحدد الصلاحيات بين هياكل الحكم.

الترتيب المنطقي أن يكون هناك توافق على الإعلان الدستوري، أولا لأنه الوثيقة الموجهة للفترة الانتقالية والمفصلة لهياكل الحكم وصلاحيات المجلس السيادي، والحكومة، والمجلس التشريعي. الخلافات التي برزت مع إعلان المجلس ملاحظاته على الوثيقة الدستورية التي سلمتها قوى الحرية والتغيير تكشف أهمية صدور هذه الوثيقة قبل الإعلان عن أي تشكيلات. فالمجلس العسكري كما بدا واضحا يريد تكريس كثير من الصلاحيات في مجلس السيادة الذي يتمسك بأن تكون له الغلبة العددية فيه، إضافة إلى رئاسته، بينما تصر قوى الحرية والتغيير على أن يكون المجلس مدنيا بتمثيل عسكري على أساس أن الثورة لم تقم لتسليم الحكم إلى نظام عسكري بل للانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي.

حسم موضوع الوثيقة الدستورية، وتحديد هياكل الحكم وصلاحيات الأجهزة الأساسية سيمهدان الطريق للانتقال للعقدة الأخرى الصعبة وهي تفاصيل تشكيل مجلس السيادة. فحتى الآن لم يبرز أي اقتراح مقبول للأطراف لتجاوز هذه العقبة، لا سيما بعد رفض اقتراح لجنة الوسطاء الداعي لتشكيل مجلسين، واحد للسيادة بأغلبية مدنية، والثاني للدفاع والأمن بأغلبية عسكرية، على الرغم من أنه بدا اقتراحا معقولا للخروج من عنق الزجاجة.

في كل الأحوال فإن أي غلبة عسكرية في تشكيل مجلس السيادة لن تكون مقبولة لقوى الثورة، ولا للمجتمع الدولي ممثلا في الدول الأوروبية والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي، كما أنها ليست في صالح السودان لأنها ستحرمه من الاستفادة من فرص الحصول على دعم إسعافي لاقتصاده المتهالك، والاستفادة من إعفاءات الديون القديمة والحصول على أي قروض جديدة.

المجلس العسكري الذي ظل يكرر أنه ليس متشبثا بالحكم ولا يريد البقاء فيه أو الالتفاف على مطالب الثورة، بات عليه الآن أن يثبت الأقوال بالأفعال، أو يكشف عن نياته الحقيقية. أما قوى الحرية والتغيير التي ظلت بكثير من الانضباط تحاول تجنب الدخول في مواجهة مع المجلس العسكري، فإنها بدأت ترى أنه لا مناص من اللجوء إلى التصعيد عبر الشارع وقوى الاعتصام. كل الشواهد تدل على أننا نقترب من لحظة هذه المواجهة التي قد تعقب سقفا زمنيا تحدده قوى الحرية والتغيير، التي تعرف أن الأمور لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه بينما يزداد التململ في الشارع الذي يريد معالجة همومه، وفي ميدان الاعتصام المتأهب لما بعد «صابنها».

الثورات قد تنطلق بالنيات الطيبة والآمال العريضة، وتتسلح بمشاعر الغضب الناجمة عن تراكم الإحباطات، لكنها تحتاج إلى أكثر من ذلك لكي تكمل المشوار وتحقق غاياتها، مروراً بفترات الانتقال وهي الأصعب والأخطر.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط