الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال

الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال

تاريخ النشر: 2026-06-09 | 12:16

منير السباح
منير السباح

بقلم: منير السباح

لم تكن الدبكة الفلسطينية يوماً مجرد حركات إيقاعية تُؤدى في المناسبات، بل هي سردية تاريخية حية تختزل حكاية شعب وتجذره في أرضه. تشكل هذه الرقصة الجماعية ركناً أساسياً من أركان الهوية الثقافية، وجسراً يربط الماضي الكنعاني العريق بالواقع المعاصر، متجاوزةً حدود الفلكلور لتصبح رمزاً للصمود والتلاحم الإنساني.تضرب الدبكة بجذورها في عمق التاريخ، وتتداخل في نشأتها روايتان تكمل إحداهما الأخرى لتمنحا الرقصة أبعادها الحضارية والاجتماعية. ترجع الأصول الأولى إلى أكثر من ألفي عام، حيث نمت كطقوس حركية مارسها الكنعانيون الأوائل احتفاءً بمواسم الخصوبة وشكراً لآلهة الأرض والزراعة، واستسقاءً للأمطار التي تحيي الزرع. أما في التاريخ الريفي الحديث، فقد ارتبطت الرقصة بنظام التكافل الاجتماعي المعروف بـ "العونة". عندما كان الأهالي يجتمعون لترميم أسطح البيوت المصنوعة من الطين والقش قبل موسم الشتاء، كانوا يصطفون متشابكي الأيدي ويضربون الأرض بأرجلهم بقوة لضغط الطين ومنع تشققه. ومع الوقت، تحول هذا العمل الجماعي الشاق، بمصاحبة الأهازيج، إلى رقصة شعبية بامتياز.وتحمل كل حركة في الدبكة دلالة رمزية تعكس قيم المجتمع ونظرته للحياة والحرية؛ فتصاحب الأيدي والأكتاف المتشابكة تجسيداً للوحدة والوقوف صفاً واحداً في مواجهة الأزمات، بينما يعبر ضرب الأرض بالأقدام أو ما يُعرف بـ "الهدة" عن التمسك المطلق بالتراب ورفض الاقتلاع. ويبرز في هذه الحلقة قائد السيرة أو "اللوّيح"، وهو رمز للقيادة وإدارة الجماعة، حيث يقع على عاتقه ضبط الإيقاع وبث الحماسة في صفوف الدبيكة من خلال حركاته الارتجالية الماهرة، مستنداً إلى نغمات آلات نفخية تصنع محلياً مثل "اليرغول" و"المجوز" و"الشبابة"، بمصاحبة "الطبل" الذي يحاكي صوت الطبيعة في الريف.تتعدد أصناف الدبكة وتختلف وتيرتها تبعاً للمناطق والمناسبات؛ وتأتي "دبكة الدلعونا" كأكثر الأنواع انتشاراً وألفة بإيقاعها المتوسط الذي يتيح لجميع الأعمار من رجال ونساء المشاركة فيها. وفي المقابل، تمتاز "الدبكة الشمالية" بقوتها وإيقاعها السريع الذي يبدأ هادئاً ثم يتصاعد بتوجيه من اللوّيح متطلباً لياقة بدنية عالية. وتعد "دبكة الطيارة" أسرع الأنواع على الإطلاق، حيث تعتمد على خفة حركية فائقة وقفزات متتالية تجعل الراقصين يبدون وكأنهم يحلّقون في الهواء. وهناك أيضاً "دبكة ظريف الطول" التي تركز على مدح الصفات الحميدة والتغني بجمال ابن الوطن وبطولته، فضلاً عن "دبكة الشعراوية" و"دبكة الواحد ونص" اللتين تعتمدان على مهارة دقيقة في تنسيق الأرجل والتوافق مع ضربات الإيقاع.يتكامل هذا التنوع الفني مع أبعاد العرض البصري والتناغم الحركي بين الجنسين؛ فبينما تتسم دبكة الرجال بالقوة والصلابة والقفز العالي تعبيراً عن الفروسية والجلد، تبرز دبكة النساء بمرونتها وخفتها وحركاتها الإيقاعية الناعمة التي تضفي لمسة جمالية على العرض. ويكتمل هذا المشهد بالزي التقليدي، إذ يرتدي الرجال "القمباز" أو السروال الفضفاض مع "الحطة والعقال" على الرأس والمشد على الخصر، في حين تزدان النساء بـ "الثوب المطرز" بخيوطه الحريرية التي تروي نقوشها حكاية القرى والمدن المختلفة.لقد مرت الدبكة بمراحل تطور مفصلية نقلتها من العفوية الريفية إلى المنصات العالمية؛ فقبل عام 1948 كانت ممارسة عفوية تقتصر على الأعراس ومواسم الحصاد في القرى، لكنها تحولت بعد النكبة إلى أداة للمقاومة الثقافية وصون الذاكرة الجمعية ضد محاولات الطمس والاندثار، وصارت كلماتها تحمل الحنين للديار المهجرة. ومع حلول الثمانينيات، بدأت مرحلة المأسسة بتأسيس فرق فنية محترفة عملت على أرشفة الحركات وتطوير عروض مسرحية منظمة تُعرض على خشبات المسارح الدولية بأسلوب أكاديمي، وهو ما تُوج في النهاية بإدراج منظمة اليونسكو "الدبكة الفلسطينية" رسمياً على لائحة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، مما منحها حصانة دولية واعترافاً عالمياً بأصالتها التاريخية باعتبارها إرثاً إنسانياً حياً.إن الدبكة الفلسطينية ليست مجرد رقصة، بل هي إعلان متجدد عن البقاء، فكل ضربة قدم على الأرض هي تأكيد على أن الذاكرة أقوى من النسيان، وأن الهوية الحية قادرة على التطور والوصول إلى العالم مع الحفاظ على أصالة المنبت.

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط