الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الثورة التونسية المجيدة.. هي نشيد الجماعة ومرآتها.. وليس الفرد إلا نبرة في إيقاعها الجمعي المتكاثر

الثورة التونسية المجيدة.. هي نشيد الجماعة ومرآتها.. وليس الفرد إلا نبرة في إيقاعها الجمعي المتكاثر

تاريخ النشر: 2023-05-28 | 06:24

تقتادك الثورة التونسية من يد روحك،وتمضي بك إلى فردوس الطمأنينة،بل ربما إلى النقيض.فأنت إزاء هذا الفعل الإنساني الجبّار،حائر على غير مستوى،ثمة دم أريق ولم تكن تملك سوى الحبر،وما من حبر يرقى إلى منصة الدّم.

وحتى حين يمور الدّم في جسدك باحثا عن مخرج،فإنّك حينئذ ثائر لا شاعر.

وليس معنى هذا أنّ الثورية تنافي الثقافة،أو أنّ الثقافة متعالية على الميدان،ولكن لابد من تفادي خلط الأوراق،فلا يمكن للمارسة أن تتحوّل إلى حكم قيمة أدبي،مع أنّ الحبرَ عرضة لإختبار دائم-لقد خلصنا من ترف الكتابة للكتابة وهي ذي الثورة،بوهجها وضرائبها البشرية،تعيد إنتاج السؤال التقليدي عن جدوى الكتابة،وإذا كان السؤال قاسيا أو عصيا على الجواب،فلنبحث عن صيغة ثانية :” هل من عزاء في الكتابة؟”

ويرسلك هذا السؤال إلى مستوى آخر من المشكلة،يتصل هذه المرّة بكينونة المثقف المتورّط بوجوده في زمن ملتهب :” هل قدرك أن تلبس هذا اللبوس الماسوشي،مقرّعا حيّزك الفيزيائي المحدود،بدعوى عدم صعوده إلى لحظة الإشتباك؟..

وحين يدخل المثقف العضوي-مع الإعتذار من غرامسي-على الخط،فإنّك في مستوى ثالث من الحيرة: كيف أمارس كمثقف وكيف أكتب كثائر؟

وفي كلتا الحالتين: ألست (بضم التاء) مثقلا بأسئلتي الوجودية،أنا المفرد في فضاء محذوف؟ فكيف أتحوّل إلى خليط فعّال في نسيج الجماعة؟

ولك أن تعتبر،في طفرة يأس أو ضجر،أنّ ماسبق ليس إلا دلعا لغويّا،وأنّ عليك أن تعود إلى سؤال الأسئلة عن دورك،مثقفا في هذه الملحمة.وساعتها لا مناص من مستوى جديد يدعم حيرتك الأولى،هو أنّ الثورة هي نشيد الجماعة ومرآتها،وليس الفرد إلا نبرة في إيقاعها الجمعي المتكاثر.

بهذا لن تكون ذاتك إلا بالحد الذي تسمح به الثورة،فهي تهدّد الثقافة بالتنميط. وحين تنأى عن الإمتثال للثقافة السائدة،فمعنى ذلك أنّك اخترت الغربة-أمغترب ومثقف ثوري في آن..!؟

كيف تلتئم المعادلة؟

حين هبّت عاصفة السابع عشر من شهر ديسمبر 2010 لتخترق سجوف الصمت،وتنير درب الحرية أمام شعب ظل يرسف في الأغلال عبر عقدين ونيف من الظلم والظلام،في تلك اللحظات الخالدة تملّكني إحساس باللاجدوى.ماذا يمكن للمرء أن يفعل..؟

كيف يمكن أن يكون عمليا وهو لا يتقن غير الكلمات؟ !.

حتى الكتابة عن حدث جلل بحجم الثورة التونسية لا ترقى إلى منصة النضال.

كنت أدوّن جميع ما أرى،-مكتفيا- بالتفرّج على الدّم التونسي مراقا،وعلى الجنائز تسير خببا في اتجاه المدافن..

هو ذا الموت فرجويا متوحّشا قاسيا فظّا بدائيا ساديّا همجيّا عاتيا ضاريا فاجعا.

هو ذا القتل على مرأى من الدنيا وحفاة الضمير.

الأرض التونسية لم تصَب بقشعريرة ولا بإندهاش.إنّها تأكل بنيها.

جميع التفاصيل التي اجتذبتني إليها دوّنتها.معي الآن من التفاصيل ما يكفي لتأليف كتاب.

كيف يرتقي المرء إلى مستوى ما رأى،كيف يكتبه محاطا بهالته الأسطورية دون أن يقع في نقل الوقائع أو وصفه وصفا إخباريا مسطّحا يفقره ويلغي كثافته؟

كيف يكتب جانبه السحري الأسطوريّ المروّع..؟

الحياة أقدس من النص،والفعل المقاوم أعظم من أن تحيط به الكلمات،لا سيّما إذا كان الفعل أسطوريا رسوليا على النحو الذي رأيت..

ولكن..لا يجب أن تنتهي الحياة إكراما لشبابنا الذين تسابقوا إلى الموت إعلاء للحياة وتمجيدا للحياة.

أنا على يقين من أنّ الإستبداد سيظلّ يدحرج -غلاته وصانعيه-بإتجاه الهاوية حيث لا شيء غير الموت وصرير الأسنان.

يا تونس الصابرة نحتاج قليلا من صبرك الرباني فالرّوح محض عذاب.

قصر قرطاج ينوح في السرّ على “أمجاد”من سكنوه ذات زمن موغل في الدياجير.

وطائرة "الرئيس الراحل" تحلّق في الأقاصي في اتجاه المنفى البعيد.والحرية تتمطى في اتجاهنا عبر الدموع.

ولنا أن نفرح.لنا أن نهلّل.وطوبى لأمهات الشهداء لأنهن عند الله يتعزين.

غريب أمر هذا الشعب التونسي لا يكتفي بالخبز بديلا عن الحياة والكرامة.

مدهش أمر هذا الشعب التونسي الذي ارتقى بقراره إلى منصة الإستشهاد.

ومدهش أيضا أمر هذا الشعب الذي اتخذ قرارات مصيرية يهون دونها الموت.

ومدهش كذلك أمر هذا الشعب الذي جسّد الديمقراطية في أبهى تجلياتها وغدا نموذجا تحتذى به الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج..

ومبدع أنت -يا رئيسنا الفذ-في عربيتك العذبة..ونرجو أن تكون سياستك أكثر عذوبة..تأكّد فقط أنّ حالة تونس تبقى متطورة وناضجة..إنها جسد مدني سياسي تمايزت فيه الأعضاءويكاد يكون مكتمل النمو..

وكن أيضا على يقين أنّ الثورة التونسية المجيدة مبثوثة في الأنساغ كلّها،وعلى من يبحث عن موقع بجوارها،أو في مدى توهّجها أن يعثر على ثورته،لغة ورؤى،وأن يستغيث بها للتحرّر من المديح الذي تورّطت به الثورات العربية كلّها خلال نصف قرن..

وإذن؟

هي ذي تونس إذا.زمان تكثّف حتى غدا مكانا وحكايات،أقاصيص وملاحم،سماء تنفتح في وجه الأرض،أرض تتسامى وتتخفّف من ماديتها حتى تصبح كالأثير.ثم يلتقيان.الأرض والسماء يغدوان واحدا..

على سبيل الخاتمة :

مهما اختلفنا في توصيف ما وقع في تونس بين 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 و14 كانون الثاني/ يناير 2011، وسواء اعتبرنا ما وقع انتفاضة شعبية أو انقلابا أو ثورة مجهضة،فإن ذلك "الانكسار البنيوي" في المنظومة السلطوية التونسية كان حدثا مفصليا في التاريخ التونسي،بل في التاريخ العربي بحكم تداعياته على أحداث ما سُمي بـ"الربيع العربي".

وبحكم المآلات الكارثية لأغلب الثورات العربية،بدا النموذج التونسي (رغم كل انتكاساته وإخفاقاته التي لا ينكرها إلا مكابر) استثناء في محيط إقليمي ارتد بالثورات الأخرى إلى حروب أهلية أو انقلابات عسكرية،بدعم من "محاور الشر".

وهو ما يعني أن سردية "الاستثناء التونسي" لا تكتسب شرعيتها من عوامل موجبة (أي من مشروعية الإنجاز القابل للتكميم أو الإحصاء أو الذي يمكن أن يستشعره المواطن بصورة عفوية) بقدر ما تكتسب تلك الشرعية من عوامل سالبة (تجنب الحرب الأهلية أو الانقلاب العسكري).

وقد أبدع الشاعر الراحل نزار قباني حين قال عنها (تونس):

 

ياتونس الخضراء جئتك عاشقا ***وعلى جبيني وردة وكتاب

إني الدمشقي الذي احترف الهوى*** فاخضوضرت بغنائه الأعشاب

أحرقت من خلفي جميع مراكبي***إن الهوى ألا يكون إياب

أنا فوق أجفان النساء مكسر*** قطع فعمري الموج والأخشاب

لم أنس اسماء النساء ..وإنما*** للحسن أسباب ولي أسباب

ياساكنات البحر في قرطاجة***جف الشذى وتفرق الأصحاب

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط