الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

التداخل الإشكالي بين الخطاب العلمي والسرد الروائي: رواية "الأرملة السوداء" للروائي التونسي محسن بن هنية-نموذجا..

التداخل الإشكالي بين الخطاب العلمي والسرد الروائي: رواية "الأرملة السوداء" للروائي التونسي محسن بن هنية-نموذجا..

تاريخ النشر: 2026-01-28 | 13:43

يُطرح في المشهد النقدي المعاصر سؤال جوهري حول طبيعة الأدب وحدوده الوظيفية،يتجلى في إشكالية تداخل الخطاب العلمي مع السرد الروائي. هذه الإشكالية تتبلور من خلال نموذج رواية "الأرملة السوداء" للروائي التونسي محسن بن هنية،والتي تثير تساؤلا نقديا محوريا:هل الرواية أداة للتعبير الجمالي والتوثيق الاجتماعي فحسب، أم يمكنها أن تتحول إلى قناة لنقل المعرفة العلمية المتخصصة؟

ينطلق النقاش من التأكيد على الأصول الوثائقية والاجتماعية للرواية كجنس أدبي،مستحضرا دورها التاريخي في رصد التحولات المجتمعية كما في أعمال بلزاك وزولا ونجيب محفوظ.

ومع تطور وظيفة الأدب لتصبح وسيلة للمعرفة والتنمية الذاتية،توسعت دائرة فهم القارئ لتشمل العلوم الإنسانية.إلا أن التداخل الحاصل بين العلمي والسردي يختلف جذريا عن التداخل بين الأجناس الأدبية التقليدية،كالشعري والسردي، لكون الأخيرين ينتميان إلى "بوتقة الفن" الواحدة، مما يفتح الباب أمام إشكالية تصنيفية حادة تتجلى في مصطلحات مثل "الرواية العلمية" و"التعليمية" و"الخيال العلمي" و"السرد الثقافي".

وعند التطبيق على الرواية النموذج،يوجه النقد إلى تلك الوقفات السردية الطويلة التي يلجأ إليها بن هنية لشرح مفاهيم في الفيزياء الكمية والبكتيريولوجيا،محولا أجزاء من النص إلى ما يشبه "محاضرة جامعية" تهدد حيوية السرد وتدفقه.هذه الملاحظة التي يشارك فيها حتى مقدم الرواية محمد القاضي،تؤكد وجود ارتباك في الخلط بين وظيفة الرواية ووظيفة البحث العلمي.

ويقارن النص هذا الوضع مع السياق الغربي،حيث توجد محاولات للتمييز بين الأنواع المتداخلة مع العلم،كالفانتازيا والخيال العلمي،كما يشير إلى محاولات بعض الكتاب والفلاسفة مثل ميشيل سيريس لتجاوز الحواجز بين الحقلين.ويقدم رؤية نقدية متوازنة تعترف بإمكانية التوظيف المحدود للمعارف العلمية في النص الأدبي،لكنها ترفض تحول العمل الفني إلى "صورة عن العلم".فالعلم والرواية،وإن اشتركا في البحث عن الحقيقة، يختلفان في الوسائل: الأول يعتمد التحليل المباشر،بينما يعتمد الثاني التكثيف والتمثيل والتغريب.

-الانزياح الأجناسي وإعادة تشكيل حدود الأدب:

تمثل رواية "الأرملة السوداء" لحظة تحوّل في المسار الروائي العربي،تُختبر فيها حدود الجنس الأدبي ووظيفته في عصر تتداخل فيه المعارف وتتآكل الحواجز التقليدية.وما يُوصف بـ"الإنزياح" التي أحدثها بن هنية ليس مجرد خروج عن المألوف،بل تعبير عن أزمة هوية يعيشها الأدب في مواجهة طغيان الخطاب العلمي.من منظور ما بعد حداثي،يمكن قراءة هذا الانزياح الأجناسي كتعبير عن "اللامركزية" التي تطال البنى النصية الراسخة،وكمحاولة لخلق "كائن نصي هجين" يعكس تعقيد العصر.غير أن التحذير النقدي يبقى ضروريًا: عندما يتخلى النص الروائي عن لغته الشعرية وتكثيفه الجمالي ليصبح ناقلا مباشرا للمعارف،فإنه يفقد خصوصيته كفن.والحل لا يكمن في العودة إلى النموذج التقليدي،ولا في الاستسلام للانزياح الكامل نحو العلمية،بل في البحث عن صيغة تحافظ على الجوهر الأدبي مع استيعاب المعرفة العلمية بشكل عضوي لا إضافي. ففي النهاية،تظل الرواية أداة لفهم العالم عبر تجسيد المعرفة في عوالم بشرية حية.والعلم يقدم الحقائق،لكن الأدب يكشف المعاني،وهذه الثنائية هي ما يحفظ للرواية ضرورتها حتى في عصر السيولة المعرفية.

على سبيل الخاتمة:

تُمثِّل رواية "الأرملة السوداء" للروائي التونسي محسن بن هنية تجربة أدبيّة جريئة تستحقّ التوقُّف عندها والتحية لصاحبها.فبن هنية،من خلال هذا العمل،لا يكتفي بسرد حكاية أو توثيق واقع،بل يخوض مغامرة فكريّة وفنيّة معقّدة، يُصادم فيها الثوابت ويُعيد فيها النظر في حدود الأدب ووظيفته.إنَّ الجهدَ الواضح في تضمين مفاهيم علميّة دقيقة كالفيزياء الكمية والبكتيريولوجيا داخل نسيج سردي روائي،يشهد على سَعَة أفق الكاتب وروحه الاستقصائية، ورغبته في تقديم عمل يتناسب مع تعقيدات العصر الذي تتداخل فيه المعارف وتتآكل الحواجز بين التخصُّصات.

غير أنَّ هذه المغامرة المحمودة تضعنا،كنُقاد وقرّاء،أمام إشكاليّة عميقةٍ تتعلَّق بطبيعة الأدب نفسه.فالنصُّ الروائي،كما أظهر التحليل،يقف على حافّة حادة بين وظيفته الجماليّة والتعبيريّة من جهة،وإمكانية تحوُّله إلى قناة مباشرة لنقل المعرفة العلميّة من جهة أخرى.

الوقفاتُ التفسيرية المطوّلة التي تشبه "المحاضرات الجامعيّة" تُهدّد،بانسيابيّة السرد وحيويّته،وتُعيد طرح السؤال الجوهري: أيّة حقيقة نبحث عنها في الرواية؟ هل هي حقيقة العلم المجرَّدة،أم حقيقة الإنسان والتجربة الإنسانية المُركَّبة التي يصوغها الأدب عبر التخييل والتكثيف والانزياح؟

في الختام،يمكننا القول إنَّ رواية "الأرملة السوداء"،رغم ما أثاره تداخلُ الخطابين العلمي والسردي فيها من إشكالاتٍ تصنيفيّة وجمالية، تبقى تجربة ثرية وضرورية في المشهد الروائي العربي المعاصر.إنَّها تُجسّد لحظة تساؤل وانزياح عن المألوف،تُراجع فيها الرواية هويّتها في عالم يطغى فيه منطق الاختصاص والتقنية. 

إنَّ الإشادة بالمجهود الكبير لمحسن بن هنية لا تعني الموافقة على كلّ خياراته الفنّيّة،بل هي اعتراف بشجاعته في فتح هذا النقاش الحيوي. فالقيمة الأعمق لهذا العمل قد لا تكمن في نجاحه الكامل في دمج العلم بالسرد،بل في كونه قد دفعنا إلى التفكير مليّا في مستقبل الرواية ودورها.فهو يذكّرنا بأنّ الرواية الجيّدة ليست ناقلا سلبيّا للمعارف،بل هي فضاء للحوار معها،حيث تُستوعب الحقائقُ العلميّة ثمَّ تُعاد صياغتُها جماليا لتغدو جزءا من عالمٍ إنسانيٍّ مكتمل.فبينما يقدِّم العلم الحقائقَ،تظلُّ الرواية أداة لا غنى عنها لكشفِ المعاني،وهذا التمايزُ في الوسائل هو ما يحفظ للأدب ضرورتَه وسحره،حتّى في زمن السيولة والتداخل المعرفي الشامل.

هكذا،بين حقول العلم وحدائق الأدب،تقف "الأرملة السوداء" ككائن نصي هجين،يحفر بتجربته الجريئة أخدودا عميقا في جدار التصنيفات الراسخة.إنها ليست مجرد رواية تشرح العلم،ولا بحثا علميا يكتسي ثوب الحكاية،بل هي استفهام كبير ومتجسد حول مصير السرد في عصر طغيان الاختصاص.لقد خاطر الروائي التونسي القدير محسن بن هنية بسلاسة الحكاية من أجل فتح نافذة على المعرفة،وبهذا الخطر نفسه أثار سؤالا وجوديا: أي لغة نستحقها كبشر؟ هل لغة المعادلات المجردة،أم لغة القلب والمخيلة؟!

ربما تكمن الإجابة في أن الرواية العظيمة لا تنقل المعرفة،بل تُنضجها في بوتقة التجربة الإنسانية، لتقدمها لنا عصارة نعيشها،لا معلوماتٍ نحفظها. وهكذا،بين "محاضرته الجامعية"وحكايته التراجيدية، يذكرنا هذا العمل بأن العلم قد يخبرنا كيف يعمل العالم،لكن الأدب وحده من يخبرنا كيف نعيش فيه..!

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط