الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

أحياءٌ ميّتونْ، وأمْواتٌ يُرزقونْ

أحياءٌ ميّتونْ، وأمْواتٌ يُرزقونْ

تاريخ النشر: 2021-09-26 | 10:56

د. فايز أبو شمالة
د. فايز أبو شمالة

 حين زرته في المستشفى، رحب بي، وهو يقول: هل رأيت أمواتاً يرزقون؟ إنهم أولادي، هم أحياء عند ربهم يرزقون! واصل المهندس محمد شراب حديثه: لقد صدّقت الخبر الذي أعلنته إذاعة الاحتلال الإسرائيلي عن رفع حظر التجول لعدة ساعات، أثناء الحرب على غزة، فركبت سيارتي الساعة الثانية عشر ظهراً، وتوجهت مع اثنين من أولادي، الكبير اسمه كساب، عمره 28عاماً، والصغير اسمه إبراهيم، وعمره 19عاماً، توجهت من منطقة "الفخاري" إلى بيتي في خان يونس، ولكن عندما صرت على مسافة كيلومتر واحد شرق المستشفى الأوروبي، فاجأنا جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي بالرصاص.

 توقفت السيارة بعد أن اصطدمت بحائط، لقد أصيب الأب محمد شراب بيده، وأصيب ابنه كساب في ساقه، في حين سارع الابن غير المصاب إبراهيم بالنزول من الكرسي الخلفي للسيارة، لمساعدة أبيه وأخيه، فكانت رصاصات الجيش الصهيوني أسرع، ففارق الحياة أمام عيني أبيه وأخيه!

تحامل الوالد محمد شراب على جرحه، ونزل من السيارة إلى قارعة الطريق، وهكذا فعل ابنه الجريح كساب، وراحا يتأملان جثمان إبراهيم الممدد أمامها، يبكيانه لحظة، ويتوجعان من جراحهما لحظة، وينظران إلى جنود الاحتلال الإسرائيلي؛ الذين تصببوا شماتة، ونزفوا لا مبالاة، وواصلوا إطلاق النار على كل ساكنٍ ومتحرك!

قال لي م. محمد شراب: تحدثت مع الجيش الإسرائيلي باللغة الإنجليزية، وطلبت منهم المساعدة، ولكن دون جدوى، واتصلت هاتفياً من مكاني بكل من أعرف من الناس، طلباً للمساعدة، وجاءتني عدة اتصالات من بعض الإذاعات، وتحدثت من مكاني مع عدة فضائيات عربية وأجنبية، ومن ضمنها فضائية الجزيرة، وإذاعة لندن، وإذاعة الأقصى، وكانت حالتنا الصحية تبث على الهواء مباشرة، وكان المكان الذي يحاصرنا فيه الجيش الإسرائيلي معروفاً للجميع، ولكن لم تستطع أن تصل إلينا أي سيارة إسعاف!.

يضيف محمد شراب: حل المساء، وأنا وابني الجريح "كساب" تحت السماء والطارق، يصبر أحدنا الآخر، ونتبادل أطراف الحديث في برد شهر يناير كانون أول من العام 2009، كانت الحرارة 6 درجات مئوية، وكان ابني كساب يرتجف، ومع ذلك كان يحدثني، ويشد من أزري حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، حين خيم الصمت على المكان لفترة، فسألت ابني كساب عن أحواله، ولكنه لم يرد، سألته ثانية، ولم يرد، فمددت يدي إليه، لأجده قد فارق الحياة!.

 ظل المهندس محمد شراب ينظر إلى جرحه النازف مرة، وينظر إلى جثتي ولديه الممددتين على الأرض مرة أخرى، حتى الساعة الثانية عشرة من ظهر اليوم التالي، عندما سمح جيش الاحتلال لمنظمة الصليب الأحمر الدولي بنقله مع الجثتين إلى المستشفى.

لم تنته الدراما الفلسطينية، ففي شهر 9 من عام 2012 أعلن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: أنه نجح في التوصل إلى تسوية مع النيابة العسكرية الإسرائيلية، لدفع مبلغ 430 ألف شيكل، أي ما يعادل "مائة ألف دولار أمريكي" تعويضاً لعائلة شراب، مقابل إغلاق ملف القضية.

وهنا جاء رد المهندس محمد شراب والد الشهيدين مدوياً، لقد قال بصوته الفلسطيني الواثق: "أي مالٍ هذا الذي سيعوضني إياه اليهود الصهاينة عن فقد أولادي؟ وهل سيضيف لي المال بضع لقيمات! إنا الفلسطيني صاحبُ الوطن، أنا وليّ الدم، أنا لا أقبل إلا بالقصاص، يجب أن يقتل من قتلني، وإذا لم يكن بمقدوري أن أقتله الآن، فإنني أفوض أمري إلى الله، عسى أن يريني فيمن قتل أولادي شيئاً يخفف النار التي تشتعل في داخلي، ورفض شراب أن يغلق ملف القضية!.

أيام معدودات، وبينما كان المهندس محمد شراب يتناول طعام الإفطار وحيداً، ويفكر بالقصاص العادل، غمس لقمة الخبز بزيت الزيتون، ووضع نصفها في فمه، ولكن نصف اللقمة الآخر ظل يشهد بعد وفاته: أن الدم والعرض والأرض لا تعوض بكل أموال الدنيا!.

لقد فارق المهندس محمد شراب الحياة ولسان حاله يقول:

لا نريد مالاً مقابل الوطن، أولادنا الذين قتلهم الصهاينة أغلى من كنوز الأرض، وقضيتنا ليست مساعدات، ولا هي تعويضات، ولا هي خزائن السلطة الخاوية من الأموال، وتعيش تحت رحمة المقاصة، قضيتنا ليست رواتب، ولا هي مراتب، قضيتنا سياسية، نحن أصحاب الوطن، نريد تحرير الأرض، وتحرير الإنسان، ومن اختار طريق الحرية عليه أن يدفع الثمن، واجبنا أن نقاتل من أجل الحرية، لا أن ننتظر المساعدات والهبات والعطايا، واجبنا أن ننفجر، لا أن ننتظر، ونحن نشكو الجوع والعطش وسلاسل الحصار.

هذا المقال نشرته في شهر 9 قبل عشرة أعوام، وبنفس العنوان، وأعاود نشره اليوم كي يتعرف الفلسطيني على عدوه الحقيقي، عسى ان يتعظ زعماء التنسيق والتعاون الأمني، وعسى أن يفيق من جهالته كل أولئك المطبعين العرب.

فبعضُ حزنٍ قد يوقظُ الضمائرَ!

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط