أمريكا تعلن رسميا تعديل خطة ترامب وتلغي قرار مجلس الأمن، نحو صياغة خطة تنطلق من المصلحة الإسرائيلية العليا

هندسة المجاعة في غزة

هندسة المجاعة في غزة

تاريخ النشر: 2026-10-21 | 17:37

محمد مصطفى شاهين 
محمد مصطفى شاهين 

أعلن برنامج الأغذية العالمي قبل أيام قليلة أنه اضطر إلى تقليص مساعداته الغذائية في قطاع غزة بنسبة تقارب الثلث بسبب نقص التمويل الحاد بحيث انخفض عدد المستفيدين من مليون وستمائة ألف شخص إلى مليون ومائة ألف فقط مع خفض الحصص الغذائية إلى النصف وتقليص عدد الوجبات الساخنة اليومية من مائتين وخمسين ألفا إلى مائة وخمسين ألفا وتقليل المساعدات النقدية المقدمة لآلاف الأسر في وقت يقترب فيه فصل الشتاء وتظل فيه الأوضاع الغذائية هشة للغاية بعد أن كان البرنامج قد وصل إلى نحو تسعين في المائة من الأسر طوال السنوات الثلاث الماضية ويحتاج البرنامج الآن إلى أربعمائة وخمسين مليون دولار للحفاظ على عملياته الحيوية في غزة والضفة الغربية خلال الأشهر الستة المقبلة بعد أن تلقى أقل من نصف التمويل المعتاد في عام ألفين وستة وعشرين.

هذا التقليص ليس حدثا عابرا أو نتيجة ظرفية تمويلية فحسب بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من سياسات ممنهجة يمكن وصفها بهندسة المجاعة التي تمارسها القوة القائمة بالاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات طويلة تحت غطاء الاعتبارات الأمنية وتتعزز اليوم بتقليص عمل الوكالات الدولية وعلى رأسها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا وبندرة الشاحنات الغذائية التي يُسمح بدخولها إلى القطاع.

فوفقا للتقارير الدولية الأخيرة لا يزال نحو مليون وأربعمائة ألف شخص أي حوالي سبعة وستين في المائة من سكان غزة يواجهون مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد أو أسوأ بما في ذلك مائتا ألف شخص في مرحلة الطوارئ التي تتطلب تدخلا فوريا لمنع الوفيات الناجمة عن الجوع ورغم وقف إطلاق النار الذي أعلن في أكتوبر ألفين وخمسة وعشرين فإن المكاسب الهشة في الأمن الغذائي مهددة بالانهيار مع استمرار القيود على المعابر وانخفاض عدد الشاحنات الداخلة إلى مستويات بعيدة عن الحد الأدنى المطلوب بموجب الاتفاقات الدولية والذي يقدر بستمائة شاحنة يوميا بينما تتحدث مصادر ميدانية عن أرقام أقل بكثير في كثير من الأيام مع توقف دخول البضائع التجارية في فترات متكررة مما يحرم الأسواق المحلية من السلع الأساسية ويزيد الاعتماد على المساعدات الإنسانية المحدودة.

أما التضييق على عمل الأونروا والمنظمات الدولية فيأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك البنية التحتية للإغاثة الدولية فالسلطات الإسرائيلية فرضت منذ أواخر عام ألفين وأربعة وعشرين قوانين تمنع الوكالة من العمل داخل الأراضي الخاضعة لسيطرتها بما فيها القدس الشرقية وتمنع الاتصال الرسمي معها وتحجب التأشيرات عن موظفيها الدوليين منذ مطلع عام ألفين وخمسة وعشرين مما أعاق دخول المساعدات والعاملين بشكل مباشر إلى القطاع وتستمر القيود على حركة المنظمات الأخرى تحت ذريعة الاستخدام المزدوج للمواد أو الاعتبارات الأمنية في انتهاك واضح لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة التي تلزمها بضمان تزويد السكان المدنيين بالمؤن الغذائية والطبية وعدم استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب.

إن استخدام الحصار والتحكم في المعابر وتقنين دخول الغذاء والدواء والوقود ليس مجرد إجراء أمني بل يشكل عقابا جماعيا محظورا بموجب المادة الثالثة والثلاثين من اتفاقية جنيف الرابعة ويرتقي في سياقه الممنهج إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيث يتحول الغذاء إلى سلاح سياسي يهدف إلى كسر إرادة السكان وإضعاف صمودهم وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والاجتماعي في القطاع تحت ضغط الجوع والمرض والنزوح المتكرر.

ويأتي نقص التمويل الدولي لبرنامج الأغذية العالمي في سياق أوسع من تراجع المساعدات الإنسانية العالمية مدفوعا بسياسات بعض الدول الكبرى التي قلصت مساهماتها في المنظمات الأممية مما يضع المجتمع الدولي في موقف المتواطئ بالصمت أو التقصير أمام هذه الهندسة الممنهجة فبدلا من الضغط لإلزام القوة المحتلة بفتح المعابر بشكل كامل ومستدام ورفع القيود عن الوكالات الدولية يلجأ المانحون إلى تقليص الدعم تاركين المدنيين يواجهون شبح المجاعة من جديد بعد أن أعلنت تصنيفات الأمن الغذائي الدولية حالة المجاعة في أجزاء من القطاع خلال صيف ألفين وخمسة وعشرين.

هذه السياسة لا تقتصر على الجانب الإنساني بل تمتد إلى الأبعاد السياسية والقانونية فهي تهدف إلى إضعاف المؤسسات الفلسطينية والدولية التي توفر الحد الأدنى من الخدمات الأساسية مما يمهد لفرض ترتيبات جديدة تتجاوز حقوق اللاجئين وحق العودة المنصوص عليه في القرار مائة وأربعة وتسعين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وتتجاهل مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين في الأراضي المحتلة.

إن ما يجري في غزة اليوم ليس نتيجة كارثة طبيعية أو نقص موارد عالمية بل هو نتاج قرارات سياسية مدروسة تحول المعابر إلى أدوات خنق وتجعل من المساعدات الإنسانية ورقة مساومة وتقيد عمل المنظمات الدولية تحت ستار الإصلاحات أو الحياد وفي مواجهة هذا الواقع يبقى السؤال معلقا حول مدى التزام الدول المانحة والهيئات الأممية بواجباتها القانونية والإنسانية أم أن هندسة المجاعة ستستمر كأداة ضغط سياسي في صراع يتجاوز حدود القطاع ليطال جوهر القضية الفلسطينية برمتها.

×
أخبار
نتنياهو يوجّه لإسقاط النظام الإيراني.. وكاتس يهدد بـ "إحراق طهران" وتهجير مليون لبناني جيش الاحتلال يعتقل مرشح للكونغرس و80 متطوعاً دولياً خلال مشاركتهم في قطف الزيتون بالضفة الغربية نتنياهو يضغط لانسحاب فينتر وسموتريتش يعرض عليه منصبًا وزاريًا لإدارة تهجير سكان غزة عقب تقرير لـ "هآرتس": بينيت يتعهد بإلغاء قوانين "الانقلاب القضائي" وتأطير دستور إسرائيلي مصر ترفض تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة تفاهم تحديد مجالات الصلاحية البحرية مع تركيا شهيدان بينهما طفل وإصابة في غارة من مسيّرة وقصف إسرائيلي على خانيونس وغزة محافظة القدس: مخطط استيطاني جديد لإقامة 122 وحدة في حي الشيخ جراح تعديل عسكري إسرائيلي يتيح ربط البؤر الاستيطانية بالكهرباء والمياه وسط تحذيرات من تعميق التمييز الحقوقي عشية الانتخابات الإسرائيلية: 7.3 مليون صاحب حق اقتراع و810 آلاف بالخارج شراكة انتخابية بين ترامب ونتنياهو: إعلانات حكومية إسرائيلية في "آيوا" مقابل دعم أميركي للكنيست آيزنكوت يتعهد بعدم المشاركة بحكومة يترأسها نتنياهو ف.تايمز: الإماراتية نسيبة تدخل سباق قيادة الأمم المتحدة وسط عقبات السودان والسعودية اجتماع أمني خليجي "استثنائي" لتعزيز التنسيق والجاهزية العسكرية في الرياض التنمية الاجتماعية في غزة تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية مع دخول 30% فقط من الاحتياجات غزة: نفاد زيوت المولدات يهدد بتوقف أقسام حيوية بالمستشفيات مسؤول أمني: إيران تستعد لحرب شاملة وتهدد بالرد على أي اعتداء أو اغتيال دون قيود مستشارة نتنياهو السابقة روث بار: "مليء بروح الانتقام وموهوب بتصفية الحسابات" شركات طيران إسرائيلية توقف رحلاتها إلى المغرب بطلب من الشاباك كوشنير واستجداء "إسرائيل" لدعم مجلس السلام موكب هرتسوغ يتحرك دون أعلام إسرائيلية في بودابست لدواع أمنية ن. إنترست: بعد عام على خطة ترامب.. وقف إطلاق النار في غزة "مجرد مزحة قاسية" ف.تايمز: إسرائيل خططت لمهاجمة ايران قبل نحو أسبوع ونصف.. وترامب منعها التحالف: اعتراض وتدمير 4 مسيرات أطلقت باتجاه السعودية في المجال الجوي للمدنية المنورة عراقجي: لم نتلق ردا من السعودية على مبادرتنا للوساطة..ووفد قطري في طهران تل أبيب تعلن انضمامها كشريك إلى منتدى جزر المحيط الهادي تقديرات إسرائيلية تستبعد تجدد الحرب على إيران قبل الانتخابات ترامب: يجب اتخاذ قرار نهائي بشأن الحرب مع إيران.. وما تشهده فرنسا يتجاوز مجرد احتجاجات روبيو يُهاجم استهداف إيران للملاحة البحرية ويستبعد التوصل لاتفاق مع طهران اليونان ترفض موافقة ليبيا على اتفاق ترسيم حدودها البحرية مع تركيا إيران لقائد الجيش الباكستاني منير: لا مفاوضات مع واشنطن دون تنفيذ شروطنا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط