أمريكا تعلن رسميا تعديل خطة ترامب وتلغي قرار مجلس الأمن، نحو صياغة خطة تنطلق من المصلحة الإسرائيلية العليا

مصادرة العقول باسم الدين

مصادرة العقول باسم الدين

تاريخ النشر: 2026-10-21 | 19:10

حيدر العيلة
حيدر العيلة
المجتمع الذي يخشى السؤال، ويُجرّم النقد، ويمنح رجال الدين حصانة من المساءلة لمجرد أنهم يتحدثون باسم المقدّس، هو مجتمع يسلّم عقله للوصاية، ويفتح أبوابه للخرافة والتعصّب والتخلّف.
فالمجتمع لا يتخلّف لأنه يؤمن، بل حين يجعل الإيمان نقيضاً للتفكير، والطاعة بديلاً عن الوعي، وحين تُستخدم الفتوى لإجهاض الحوار بدلاً من فتح المجال للاجتهاد ومراجعة الأفكار. فالتقدّم لا يُقاس بمظاهر التديّن، بل بقدرة الإنسان على التفكير الحر، واحترام العلم، وإخضاع الأفكار والادعاءات للنقاش والمساءلة.
المشكلة ليست في إيمان الإنسان، بل في اتخاذ الإيمان ذريعة لفرض الوصاية على عقول الآخرين ومصادرة حقهم في السؤال والنقد والاختلاف. فمن حق كل إنسان أن يعتنق معتقده ويمارس إيمانه بحرية، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل تفسيره الشخصي للدين إلى حقيقة فوق النقاش، أو أن يفرضه على الآخرين بالتخويف أو التكفير أو استغلال المكانة الدينية والاجتماعية.
فالإيمان بالغيب جزء من المعتقد الديني، لكن ذلك لا يبرر تقديم تفسيرات غيبية لأسباب الأمراض أو الكوارث باعتبارها حقائق مؤكدة، من دون دليل، أو استخدامها بديلاً عن البحث العلمي وفهم الأسباب الواقعية للظواهر. كما لا يجوز تقديم الاجتهادات البشرية في فهم الدين وتفسيره باعتبارها حقائق مطلقة لا تقبل النقاش أو المراجعة؛ فالإيمان بالغيب شيء، وادعاء معرفة الغيب أو الجزم بأسبابه وتفاصيله شيء آخر، والاجتهاد البشري، مهما بلغت مكانة صاحبه، يظل قابلاً للصواب والخطأ.
وتبدأ جذور هذه المشكلة أحياناً منذ الطفولة، حين يُربّى الأطفال على أن كثرة السؤال قلة أدب، وأن الاعتراض على الكبار عقوق، وأن الاختلاف مع أصحاب المكانة خروج عن الاحترام. ثم نكبر ونتساءل: لماذا يخشى أبناؤنا إبداء آرائهم؟ ولماذا يترددون في الاعتراف بأخطائهم؟ ولماذا يفضّلون تكرار ما يسمعونه على التفكير المستقل؟ إن احترام الآخرين لا يعني تعطيل العقل، والتواضع لا يعني التنازل عن حق السؤال، والأدب لا يقتضي الصمت أمام الخطأ.
وتتكرس هذه الثقافة في التعليم حين نطلب من الطالب حفظ الإجابات دون فهمها، ونكافئه على التكرار أكثر مما نكافئه على التحليل، ثم نشعره بأنه تجاوز حدوده لأنه طرح سؤالاً غير مألوف. بهذه الطريقة لا نبني عقلاً ناقداً، بل نُخرّج أجيالاً تخشى الخطأ أكثر مما تحب المعرفة، وتبحث عن الإجابة التي ترضي صاحب السلطة بدلاً من أن تحتكم إلى الفهم والحجة والدليل.
وبلغت مصادرة العقول ذروتها حين تحولت الفتاوى إلى أدوات لتبرير حروب الحكام وصراعاتهم، وتسخير الدين لخدمة السلطة الرجعية ومصالحها، مقابل الامتيازات والمكاسب. ومن الأمثلة على ذلك فتوى الشيخ ياسر برهامي بشأن القتال ضد الحوثيين في اليمن، في سياق صراع اتخذ أبعاداً سياسية ومذهبية، حتى بدا وكأن الخلاف المذهبي مبرر كافي للحرب. وفي المقابل، لم نسمع له صوتاً مماثلاً يحضّ الجيوش العربية والإسلامية على التحرك لحماية أهل غزة، وهم يُذبحون تحت القصف، وتُدمَّر بيوتهم فوق رؤوس الأبرياء.
كما أفتى مشايخ المؤسسة الدينية السعودية بجواز الاستعانة بالقوات الأجنبية إبان أزمة الخليج عام 1990.
وهنا لا نتحدث عن حق الاختلاف في الاجتهاد، بل عن حق الناس في مساءلة الفتاوى التي تشرعن الحروب والتدخلات العسكرية، وتترتب عليها دماء الأبرياء ودمار الأوطان. وحين يُواجَه النقد بعبارة "لحوم العلماء مسمومة"، يصبح المطلوب من الناس أن يصمتوا أمام النتائج الكارثية، وكأن مكانة العالم تمنحه حصانة من المساءلة عن مشاركته بالجريمة، فليس كل من ارتدى عباءة الدين معصوماً من الخطأ، وليس كل من رفع شعار المذهب على حق، ولا يجوز أن تتحول العقيدة إلى غطاء لتبرير الحروب أو تبييض سياسات الأنظمة المستبدة، أو إعفاء أصحاب السلطة من المساءلة. إن احترام العلماء لا يعني تقديس اجتهاداتهم، والدين ليس صكّ براءة للحكام المستبدين، ودماء الأبرياء ليست ثمناً يُدفع لإرضائهم. ومن حق الناس أن يسألوا: هل تُوزن الفتاوى بميزان الحق والعدل، أم بميزان المصالح والامتيازات الخاصة؟
وهنا تتجاوز المسألة حدود الخطاب الديني لتصبح مشكلة ثقافية واجتماعية عامة؛ فكل سلطة ترفض المساءلة، داخل الأسرة أو المؤسسة أو المجتمع، تساهم في ترسيخ ثقافة الخضوع وإضعاف قدرة الإنسان على التمييز بين الصواب والخطأ. ويبلغ الاستبداد أخطر صوره حين يتسلّل إلى العقول باسم السماء، فيُعاد تشكيل الوعي حتى تصبح الطاعة فضيلة مطلقة، والاختلاف تهديداً، ومراجعة الأفكار خروجاً عن المألوف. عندها يتحول الخوف إلى ثقافة، والخضوع إلى سلوك اجتماعي يُورَّث من جيل إلى آخر.
وليس المطلوب أن يتحول المجتمع إلى ساحة للتجريح أو السخرية من المعتقدات، بل أن يتعلم التفريق بين احترام الإنسان واحترام أفكاره، وبين حقه في الاعتقاد وحق الآخرين في مناقشة ما يطرحه. فاحترام الإنسان لا يمنح أفكاره حصانة من النقد، كما أن نقد الأفكار لا يبرر الإساءة إلى أصحابها.
لسنا ضد الدين، بل ضد استغلاله؛ ولسنا ضد رجال الدين، بل ضد تحويل أي سلطة دينية إلى سلطة فوق النقد والمساءلة. فهناك فرق بين رجل دين يفتح أبواب الحوار، ويقرّ بأن الاجتهاد البشري قابل للصواب والخطأ، وبين من يتعامل مع رأيه باعتباره الحقيقة الوحيدة، ويصوّر مخالفيه وكأنهم أعداء للدين. الأول يساهم في بناء الوعي، أما الثاني فيغلق أبواب المعرفة ويحوّل الاختلاف إلى خصومة.
والمجتمعات التي تتقدم هي التي تسمح لأبنائها بمناقشة الأفكار، وتراجع مناهجها، وتحمي حرية البحث والاستقصاء، ولا تخشى أن يكتشف الجيل الجديد خطأ فكرة ورثها عن الجيل السابق. فقيمة الفكرة لا تأتي من قِدمها أو شيوعها، بل من قدرتها على الصمود أمام النقد والحجة والدليل.
إن أخطر ما تفعله الوصاية الدينية أنها تجعل الإنسان يشعر بالذنب حين يسأل، وبالخطيئة حين يعترض، وكأنه يعادي دينه لمجرد أنه يرفض التسليم بما يُقال له دون دليل. عندها لا تعود القيود مفروضة من الخارج وحده، بل تستقر في الوعي، فيصبح الإنسان أسيرها، وقد يتحول من ضحية لها إلى مدافع عنها، بل إلى مشارك في فرضها على الآخرين.
إن الأمة التي تخشى الأسئلة لا تحمي إيمانها، بل تحمي أخطاءها من الانكشاف، والمجتمع الذي يجرّم النقد لا يصون مقدساته، بل يمنح المستغلين فرصة الاحتماء بها. فالدين لا يحتاج إلى عقل معطّل كي يبقى، والحقيقة لا تحتاج إلى التكفير كي تنتصر، والفكرة التي لا تصمد أمام السؤال لا يجوز أن تتحول إلى قيد على عقول الناس.
إن تحرير العقل من الوصاية ليس دعوة إلى التخلي عن الإيمان، بل دفاع عن حق الإنسان في التفكير والسؤال والاختلاف والمراجعة. فحين يُمنع الإنسان من التفكير باسم الدين، لا تُصادَر حريته وحدها، بل يُصادَر حق المجتمع في النهوض، ويُترك المستقبل رهينةً لمن يخشون عقلاً حراً لا يخضع إلا للحجة والدليل.
×
أخبار
السيسي: الجيش المصري لن ينفذ عمليات هجومية في اليمن نتنياهو يوجّه لإسقاط النظام الإيراني.. وكاتس يهدد بـ "إحراق طهران" وتهجير مليون لبناني جيش الاحتلال يعتقل مرشح للكونغرس و80 متطوعاً دولياً خلال مشاركتهم في قطف الزيتون بالضفة الغربية نتنياهو يضغط لانسحاب فينتر وسموتريتش يعرض عليه منصبًا وزاريًا لإدارة تهجير سكان غزة عقب تقرير لـ "هآرتس": بينيت يتعهد بإلغاء قوانين "الانقلاب القضائي" وتأطير دستور إسرائيلي مصر ترفض تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة تفاهم تحديد مجالات الصلاحية البحرية مع تركيا شهيدان بينهما طفل وإصابة في غارة من مسيّرة وقصف إسرائيلي على خانيونس وغزة محافظة القدس: مخطط استيطاني جديد لإقامة 122 وحدة في حي الشيخ جراح تعديل عسكري إسرائيلي يتيح ربط البؤر الاستيطانية بالكهرباء والمياه وسط تحذيرات من تعميق التمييز الحقوقي عشية الانتخابات الإسرائيلية: 7.3 مليون صاحب حق اقتراع و810 آلاف بالخارج شراكة انتخابية بين ترامب ونتنياهو: إعلانات حكومية إسرائيلية في "آيوا" مقابل دعم أميركي للكنيست آيزنكوت يتعهد بعدم المشاركة بحكومة يترأسها نتنياهو ف.تايمز: الإماراتية نسيبة تدخل سباق قيادة الأمم المتحدة وسط عقبات السودان والسعودية اجتماع أمني خليجي "استثنائي" لتعزيز التنسيق والجاهزية العسكرية في الرياض التنمية الاجتماعية في غزة تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية مع دخول 30% فقط من الاحتياجات غزة: نفاد زيوت المولدات يهدد بتوقف أقسام حيوية بالمستشفيات مسؤول أمني: إيران تستعد لحرب شاملة وتهدد بالرد على أي اعتداء أو اغتيال دون قيود مستشارة نتنياهو السابقة روث بار: "مليء بروح الانتقام وموهوب بتصفية الحسابات" شركات طيران إسرائيلية توقف رحلاتها إلى المغرب بطلب من الشاباك كوشنير واستجداء "إسرائيل" لدعم مجلس السلام موكب هرتسوغ يتحرك دون أعلام إسرائيلية في بودابست لدواع أمنية ن. إنترست: بعد عام على خطة ترامب.. وقف إطلاق النار في غزة "مجرد مزحة قاسية" ف.تايمز: إسرائيل خططت لمهاجمة ايران قبل نحو أسبوع ونصف.. وترامب منعها التحالف: اعتراض وتدمير 4 مسيرات أطلقت باتجاه السعودية في المجال الجوي للمدنية المنورة عراقجي: لم نتلق ردا من السعودية على مبادرتنا للوساطة..ووفد قطري في طهران تل أبيب تعلن انضمامها كشريك إلى منتدى جزر المحيط الهادي تقديرات إسرائيلية تستبعد تجدد الحرب على إيران قبل الانتخابات ترامب: يجب اتخاذ قرار نهائي بشأن الحرب مع إيران.. وما تشهده فرنسا يتجاوز مجرد احتجاجات روبيو يُهاجم استهداف إيران للملاحة البحرية ويستبعد التوصل لاتفاق مع طهران اليونان ترفض موافقة ليبيا على اتفاق ترسيم حدودها البحرية مع تركيا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط