بعد كل ما فعله نتنياهو بالفلسطينيين، ودفعه الصراع إلى واحدة من أقسى مراحله، ليس غريبًا أن يبدو آيزنكوت لكثير منهم أقل سوءًا. فحين يقارن الفلسطيني بين من دفع الصراع إلى أقصى درجات القسوة، ومن يبدو أكثر انضباطًا وأقل صدامًا، يصبح الأخير مقبولًا، حتى لو لم يكن مختلفًا في جوهر رؤيته. لكن يبقى السؤال الأهم فلسطينيًا: ماذا سيتغير فعليًا على الفلسطينيين إذا انتقل الحكم من نتنياهو إلى آيزنكوت؟
آيزنكوت جنرال ورئيس أركان سابق، وعضو سابق في كابينت الحرب، وشارك في صنع قراراتها، لكنه اختلف مع نتنياهو في طريقة إدارة الحرب، خصوصًا في غياب رؤية واضحة لليوم التالي في غزة، وفي ضرورة ربط القوة العسكرية بهدف سياسي. ومع ذلك، لا يعني هذا أنه صاحب رؤية مختلفة للصراع؛ فهو يؤمن بالردع واستخدام القوة الكبيرة لفرض كلفة على الخصم، وهو النهج الذي ارتبط خلال خدمته بما عُرف بـ«نظرية الضاحية».
ويبدو الفرق بينه وبين نتنياهو أقرب إلى فرق في الكفاءة والانضباط وطريقة إدارة الصراع، منه إلى اختلاف واضح في جوهر الرؤية. وتزداد أهمية هذا الفرق عندما ننظر إلى نوع الخطورة: نتنياهو قد يكون الأخطر في لحظة التصعيد وتوسيع الحرب، بينما قد يكون آيزنكوت أكثر قدرة على ضبط الصراع وإدارته بكفاءة، بما يجعله أقل كلفة على إسرائيل وأكثر قابلية للاستمرار. فاستبدال نتنياهو بآيزنكوت قد يعني إدارة أكثر كفاءة للاستراتيجية نفسها؛ أي أن الصراع قد يتغير في مستوى العنف وطريقة إدارته، دون أن يتغير جوهره.
في غزة، قد ينعكس ذلك على حياة الناس مباشرة: تراجع في حدة الحرب، وفتح مساحة أكبر لترتيبات اليوم التالي وإعادة الإعمار، وربما ظروف أقل قسوة للحياة اليومية. وفي الضفة، قد يعني نهجًا أقل تشددًا في بعض الملفات، ككبح بعض عنف المستوطنين، لكن ذلك لا يعني تغييرًا في موقفه من الاستيطان أو مستقبل الصراع والدولة الفلسطينية.
ومع ذلك، سيظل الفلسطيني تحت الاحتلال، وقد تتحسن ظروف حياته دون أن يتغير وضعه السياسي. فالاحتلال الأقل قسوة يظل احتلالًا، والصراع الأكثر انضباطًا لا يصبح حلًا لمجرد أنه أصبح أقل عنفًا.
والمفارقة أن ما قد يخفف عن الفلسطينيين على المدى القصير قد يخدم إسرائيل على المدى الأبعد. فنجاح آيزنكوت في ضبط الصراع سيمنح إسرائيل قدرة أكبر على احتوائه، وصورة دولية أفضل، وربما قدرة أكبر على إدارته لفترة أطول.
آيزنكوت، مثل نتنياهو تمامًا، ينطلق من مصلحة إسرائيل، وأي سياسة لهما محكومة بالائتلاف والمؤسسة الأمنية والرأي العام الإسرائيلي. ومغادرة نتنياهو لا تعني أن الفلسطينيين دخلوا تلقائيًا مرحلة جديدة. ما يتغير في إسرائيل قد يخفف عن الفلسطينيين أو يزيد كلفة الصراع عليهم، لكنه لا يغيّر موقعهم فيه ما لم يمتلكوا القدرة على التأثير في مساره.
إذا كان السؤال: من الأخطر في لحظة الحرب والتصعيد؟ فالكفة تميل إلى نتنياهو. وإذا كان السؤال: من قد يكون أكثر قدرة على إدارة الصراع وإطالته بأقل كلفة على إسرائيل؟ فقد يكون آيزنكوت. أما إذا كان السؤال: من منهما سيغيّر واقع الفلسطينيين سياسيًا؟ فلا يبدو أن الإجابة تكمن في أيٍّ منهما.
مشكلة الفلسطينيين الحقيقية أعمق من اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية أو حتى رئيس أمريكي. إنها في الارتهان لانتظار أن تأتي التحولات من الخارج. فإسرائيل قد تغيّر رئيس حكومتها وطريقة إدارتها للصراع، لكن الفلسطينيين لن يغيّروا واقعهم إذا ظلوا ينتظرون أن يفعل الآخرون ذلك نيابة عنهم. آن الأوان أن يستعيدوا المبادرة بمشروع قادر على الفعل، لا على انتظار نتائج اقتراع الآخرين.