الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

فراشة الربيع في غزة

فراشة الربيع في غزة

تاريخ النشر: 2016-03-19 | 05:50

كانت "فراشة الربيع"، كما كُتب على بطاقتها، تَخُطُ، مرتديةً جلبابها الطويل، الأسماء التي أخبرتها إيّاها على أكواب القهوة التي اشتريتهُا، وحولها زميلاتها، عندما انطلقت موسيقى مرتفعة ودبكة. وكان شاب طويل وسيم، مشدود الجسد، ملتحٍ، يبتسم ويصفق بكفين واسعين، وخلفه بعيداً شباب الدبكة، ينظر إلى الفنانات اليافعات، اللاتي أصررن على خطّ شيء مختلف على أكوابي لجعلها شأناً شخصياً، وبادلنَه ابتسامات فرح وصداقة، وخِلتُ النظرات الجذلة المتبادلة شيفرة تحمل رسائل من نوع "هل تذكرن؟"، أترين؟
كان المشهد وسط زحام معرض "منتجات نسائنا الحادي عشر"، في قاعة قرب بحر قطاع غزة، الثلاثاء الماضي. وبدا المشهد مُجسِّداً لغزة.
ليكتمل المشهد، يجب أن أذكر أنّ الشاب الوسيم الطويل كان على كرسي متحرك صغير، يبدو بدائياً، من مواسير كتلك المستخدمة للمياه. ولولا إرادة وقوة الشاب الفارع، لما أدى الكرسي غرضه.
يَدفَع وضع الفلسطينيين في كل مكان إلى البحث عن تشبيهات، وأوضاع سريالية غرائبية لفهمها. فمثلا، سمعت خليل هندي، رئيس جامعة بيرزيت السابق، يردد أكثر من مرة أنّ الاحتلال يريد جعل الفلسطينيين في وضع من يقبع في سجن "كلي الرؤية" (أو Panopticon)، في إشارة لسجن صممه الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام (1748-1832)، حيث يمكن لشرطي واحد رؤية كل السجناء في زنازينهم من مكان مطل. وهو لا يستطيع متابعة الكل في اللحظة ذاتها حقاً، إنما الغرض أن يخشى ويعتقد السجين أنه مرصود طوال الوقت. ولكن وضع قطاع غزة جعلني أعيد الاطلاع على قصة الكاتب اليهودي غير الصهيوني، التشيكي، فرانز كافكا (1883-1924)، "مستوطنة العقاب"؛ عن وادٍ رملي فيه كثير من الشجر (كأنه غزة)، وضابط (كأنه الاحتلال)، يدير آلة إعدام غريبة تَحفُر الحكم على جسد السجين المُدان من دون محاكمة، وتقتله بطيئاً، على مدى 12 ساعة.
يمكن في بعض المواقع رؤية حدود قطاع غزة من الجانبين؛ فهو شريط ضيق مكتظ، وعليك حتى تدخله أن تمرّ بمعبر بيت حانون (إيريز، بحسب التسمية الإسرائيلية)، وبعد إجراءات التفتيش بأجهزة وبوابات كالسجون، وماكنات فحص أشبه بمصانع ومستشفيات غريبة خيالية، تمر بقفص حديدي يبلغ طوله 2100 متر، ثم حاجز "سلطة رام الله" أو ما يسمى حاجز (5-5)، ثم حاجز "حماس" المسمى (4-4). ومع ذلك، فإن عبور هذه الحواجز أُمنيةٌ للكثيرين، فهي بوابة السجن المغلق، وسط إغلاق معبر رفح المتواصل.
أبحث، فأكتشف أنّ "فراشة الربيع" فنانة تشكيلية لها معارضها ولوحاتها الجميلة، وهذا مشروعها للرسم على الزجاج، وأنّ الشاب الوسيم متطوعٌ ضمن مجموعات شبابية.
داخل القطاع حواجز، وانتشار أمني مكثف لحركة "حماس". ويمتدح الناس الأمان والاطمئنان، والنوم من دون قلق ليلا، بسبب القبضة الأمنية. فيما يشكون تقييد الحريات السياسية والاجتماعية، والضرائب، ويبحثون عن الفرح والحياة أيضاً.
يكشف الحديث مع أشخاص من شرائح مثقفة ومتعلمة وفئات عمرية مختلفة، الشعور بالمجهول؛ ليس فقط الحواجز على الحدود، والتواجد المسلح الكبير في الداخل، وقيود الحياة المتغيرة يومياً، وذكريات القصف والقتل الإسرائيليين، والدّمار الذي تساهل العالم وواشنطن والإسرائيليون في تسريع نقله والتخلص منه، من دون إتاحة إعادة الإعمار ورفع الحصار بالسرعة عينها، وإنّما أيضاً "الخيال" أو "التخمين" بوجود مدينة كاملة تحت غزة، من "أنفاق حماس"، فيتكرر أن يخبرك محدثك، "ربما تحتنا هنا، في هذا المقهى أو الفندق، نفق".
تعيش سجناً كبيراً، ونقص خدمات وسلع، وفرصا محدودة للحياة والتعليم، وارتفاع أسعار جنونيا مع إقفال الأنفاق مع مصر، والضرائب، وتتخيل تحت بيتك نفقا! وتُحب شعور مَنعَة المقاومة في غزة التي لم تُكسر، لكنك تعيش حالة قلق وخوف.
بينما تُفكر بهذه الحالة، تسأل سائق التكسي في رام الله، بعد عبورك وسط الأمطار معبر قلنديا، لماذا الازدحام؟ فيخبرك "شارع الفرندز مغلق". فتسأله: هل هناك حفريات وأعمال؟ فيرد: "يقولون ذلك". وتسأله ماذا يمكن أن يكون غير ذلك؟ فيرد بغموض: "هي أعمال ولكن أي أعمال؟". فهنا الشك والشعور بالمجهول، وهناك السجن وتوقع انبجاس الأرض تحت قدميك، وفي الشتات شيء آخر.
الشباب يدبكون والموسيقى تصدح، والفنانات يرسمن ويطرزن؛ ويسخَرون ويصمدون. وكما في قصة كافكا، ستقتل آلة الإعدام الغريبة من يُشغّلها.

عن الغد الاردنية

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط