روسيا قدمت لبلاد فارس ربما، أكثر المقترحات الإنقاذية من الذهاب لخيار "الموت العام"، أي كانت قدرتها العسكرية في الرد المعاكس، وما سيكون أثره على المنطقة ومحيطها

غزة تحيا.. ونحن نحيا بها

غزة تحيا.. ونحن نحيا بها

تاريخ النشر: 2026-11-07 | 13:09

د. مجدي محمد
د. مجدي محمد

في أعماق المحيط، على عمق ألف متر حيث لا يصل الضوء، تحدث كل يوم معجزة صامتة لا يراها أحد. حين يموت الحوت، لا يموت البحر معه. بل على العكس، تبدأ الحياة.

يهبط الجسد الضخم، الذي كان يزن أكثر من مئة وخمسين طناً، ببطء إلى القاع. فيظن من يراقبه من سطح الماء أن القصة انتهت، وأن العملاق قد ابتلعه الظلام. لكن العلماء الذين نزلوا إلى ذلك القاع اكتشفوا حقيقة مذهلة: موت حوت واحد يمنح الحياة لعالم كامل.

تأتي أولاً أسماك القرش وجراد البحر لتتغذى على اللحم، ثم تأتي الديدان والقواقع لتتغذى على العظام، ثم تأتي البكتيريا لتحوّل الدهن المخزون في العظم إلى طاقة كبريتية تعيش عليها كائنات لم تر الشمس يوماً. وتستمر هذه الحياة خمسين عاماً، وربما مئة. وقد اكتشف العلم حتى اليوم أكثر من أربعمئة نوع حيواني جديد، لم يعرفها البشر إلا على جسد حوت ميت.

هكذا، في لغة البحر، موت حوت يحيي غيره.

أما في لغة الأرض، فإن غزة تقول شيئاً أكبر من ذلك: غزة لا تموت لتحيي غيرها. غزة تحيا، لكي يحيا غيرها.

منذ بدء العدوان على قطاع غزة، والعالم كله ينظر إليها كما ينظر إلى حوت يحتضر في القاع. حصار خانق، قصف لا يتوقف، مستشفيات بلا دواء، مدارس بلا طلاب، بيوت بلا سقوف، وعائلات كاملة تُمحى من السجل المدني. وخرج كثيرون، من المحللين والسياسيين، ليقولوا إن غزة انتهت، وإنها لم تعد قابلة للحياة.

لكنهم كانوا يقرأون غزة من أوراقهم، لا من ترابها.

فمن يعرف غزة حق المعرفة، يعرف أنها ليست مدينة تنتظر الحياة من أحد. هي مدينة تصنع الحياة من العدم.

في غزة، الحياة لا تأتي بعد الموت. الحياة تأتي رغم الموت.

طفل في التاسعة يحمل كيس طحين أثقل من جسده، ويمشي في شارع مدمر كأنه يحمل راية النصر. أمٌّ تدفن ابنها صباحاً، وتعود ظهراً لتطعم أبناءها الباقين وتقول لهم: "كلوا، لازم نعيش". طبيب يبتر ساق طفلة بلا مخدر، ثم يمسح دمعته ويكمل عمله في المريض التالي. صحفي يكتب خبر استشهاد زميله الذي كان بجانبه قبل دقائق، ثم يرفع كاميرته ويكمل التغطية لأن العالم يجب أن يرى.

هذا ليس أدباً. هذا هو التقرير اليومي من غزة. هذه هي صحافة الواقع، لا صحافة الخيال.

الاحتلال يظن أنه حين يقصف بيتاً في غزة، فإنه يهدم بيتاً واحداً. لكنه لا يفهم أن البيت في غزة ليس حجارة. البيت في غزة فكرة. وحين تهدم فكرة في مكان، تُبنى في ألف مكان آخر.

حين هدم الاحتلال بيتاً في الشجاعية، بُني بيت في قلب كل عربي. وحين قصف مدرسة في رفح، فُتحت مدرسة في ضمير كل إنسان حر في العالم. وحين قتل طفلاً في جباليا، وُلد ألف طفل في ذاكرة فلسطين يحملون اسمه.

هذا هو القانون الذي لا يفهمه القاتل: في غزة، القتل لا يُنهي الحياة، بل يُعيد تعريفها.

الحوت مات مرة واحدة، فأحيا البحر خمسين سنة.

أما غزة، فهي تحيا كل يوم. تحيا في كل مرة يرفض فيها طفل أن يبكي أمام الكاميرا ويقول: "الحمد لله". تحيا في كل مرة يخرج فيها رجل من تحت الركام ويقول: "أنا بخير". تحيا في كل مرة تقف فيها امرأة على أنقاض بيتها وتقول: "سنبنيه من جديد".

لهذا، لم تعد غزة مجرد مدينة محاصرة في الجنوب الفلسطيني. صارت غزة مدرسة. صارت مرجعاً. صارت مقياساً للإنسانية في هذا العالم.

قبل غزة، كان العالم يظن أن القضية الفلسطينية ملف سياسي يمكن تأجيله. وبعد غزة، عاد العالم ليفهم أنها قضية حياة أو موت. قبل غزة، كان كثيرون يظنون أن المقاومة شعار. وبعد غزة، فهموا أنها وجود. قبل غزة، كان النسيان يهدد الذاكرة. وبعد غزة، صارت فلسطين في كل بيت، وفي كل جامعة، وفي كل شارع من جاكرتا إلى لندن إلى نيويورك.

لولا غزة، لماتت فلسطين في النسيان. لولا غزة، لماتت فينا آخر بقايا الإحساس بأننا أمة واحدة. لولا غزة، لظل العالم يصدق رواية القاتل.

ولهذا، لا يصح أن نكتب عن غزة كمن يكتب عن ميت.

غزة ليست مقبرة. غزة رحم.

غزة ليست نهاية. غزة بداية.

في قاع البحر، يموت الحوت فيحيا غيره.

وفي فلسطين، تحيا غزة فيُحيا بها الجميع.

غزة تحيا.. ونحن نحيا بها.

×
أخبار
معاريف: عرض استثنائي لنتنياهو مقابل اعتزاله السياسة: 125 مليون دولار الأمطار تغرق خيام النازحين في قطاع غزة.. والدفاع المدني يعلن تلقيه 1500 نداء استغاثة - فيديو منظمة "كير" الإسلامية تعلق أنشطته في فلوريدا بعد سريان قانون تصنيف المنظمات الإرهابية ترامب يكشف تفاصيل "ضربة الجمعة" على إيران: دقائق معدودة بوتين ومحاولة "إنقاذية" لـ "الصديق" ترامب! الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,640 شهيدا د. مجدلاني: امام التحولات الدولية علينا ا لانتقال من سياسة الانتظار الى المبادرة والفعل السياسي اللواء رجب: التحقيقات في قضية استيلاء مستوطنين على منازل في منطقة الديوك بأريحا مستمرة قطر تنفي تصريحات منسوبة لرئيس وزرائها بشأن فشل الاتفاق بين أمريكا وإيران المتابعة العليا تستنكر حملة الملاحقة والتحريض التي يقودها نتنياهو اعتقال مسلح بالقرب من البيت الأبيض هدد بـ"قتل ترامب" ترامب: منعت إيران من السلاح النووي لإنقاذ إسرائيل والشرق الأوسط الجدار والاستيطان: سلطات الاحتلال تقتطع 15.8 ألف دونم صافية من أراضي بيتللو والمزرعة القبلية - تفاصيل قرار مفاجئ.. ترامب يعلن تعيين ستيفن ميلر فى منصب كبير موظفى البيت الأبيض جيش الاحتلال يقرر ابعاد 12 متضامن دولي مع مزارعي الزيتون يوم السبت الجيش اللبناني: عدم انسحاب إسرائيل الخطر الأول..سنتصدى لأي "إشكال" داخلي بلومبيرغ: أمريكا وإيران تقتربان من تحقيق اختراق محتمل نحو اتفاق لإنهاء الحرب رئيس وزراء قطر: أميركا وإيران لن تتمكنا من التوصل لاتفاق "مثالي" آيزنكوت يحذر: إسرائيل تواجه خطرا داهما وتهديدا وجوديا..ونتنياهو لا يجب أن يستمر يوما أردوغان يحذر من تداعيات تصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة: يهدف لتهجير الفلسطينيين أزمة النظام السياسي وتراجُع الثقة.."مسارات": هل تُنهي "الكتلة الوطنية التاريخية" حالة التيه الفلسطيني؟ استقالة ثاني مسئول رفيع المستوى بوزارة العدل الأمريكية بعد فوز الديمقراطيين تسريبات استخباراتية تفضح صفقة سرية: موسكو تتجه لتزويد طهران بـ 90 منصة إطلاق صواريخ موجهة بدعم 67 نائباً.. آيزنكوت يعلن تحقيق تقدم كبير لتشكيل حكومة تخلف نتنياهو استشهاد طفل برصاص جيش الاحتلال في مواصي خان يونس الجدار والاستيطان: تفاصيل 12 ساعة من الاعتداءات بالضفة الغربية دبلوماسية فلسطين في مدريد تعزز الحراك العربي لوقف الجرائم بالضفة وغزة - تفاصيل عبري: الجيش الإسرائيلي يوقف التنسيق المسبق مع السلطة الفلسطينية بشأن عمليات الاعتقال في الضفة الغربية محدث: تنسيق مصري كويتي اماراتي لمواجهة التصعيد الإقليمي وحث الأطراف على التهدئة والدبلوماسية - تفاصيل بأقل تكلفة وأصعب رصد.. أمريكا تراهن على المناطيد لاختراق استراتيجية الصين العسكرية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط