تاريخ النشر: 2026-11-07 | 13:09
تاريخ النشر: 2026-11-07 | 13:09
في أعماق المحيط، على عمق ألف متر حيث لا يصل الضوء، تحدث كل يوم معجزة صامتة لا يراها أحد. حين يموت الحوت، لا يموت البحر معه. بل على العكس، تبدأ الحياة.
يهبط الجسد الضخم، الذي كان يزن أكثر من مئة وخمسين طناً، ببطء إلى القاع. فيظن من يراقبه من سطح الماء أن القصة انتهت، وأن العملاق قد ابتلعه الظلام. لكن العلماء الذين نزلوا إلى ذلك القاع اكتشفوا حقيقة مذهلة: موت حوت واحد يمنح الحياة لعالم كامل.
تأتي أولاً أسماك القرش وجراد البحر لتتغذى على اللحم، ثم تأتي الديدان والقواقع لتتغذى على العظام، ثم تأتي البكتيريا لتحوّل الدهن المخزون في العظم إلى طاقة كبريتية تعيش عليها كائنات لم تر الشمس يوماً. وتستمر هذه الحياة خمسين عاماً، وربما مئة. وقد اكتشف العلم حتى اليوم أكثر من أربعمئة نوع حيواني جديد، لم يعرفها البشر إلا على جسد حوت ميت.
هكذا، في لغة البحر، موت حوت يحيي غيره.
أما في لغة الأرض، فإن غزة تقول شيئاً أكبر من ذلك: غزة لا تموت لتحيي غيرها. غزة تحيا، لكي يحيا غيرها.
منذ بدء العدوان على قطاع غزة، والعالم كله ينظر إليها كما ينظر إلى حوت يحتضر في القاع. حصار خانق، قصف لا يتوقف، مستشفيات بلا دواء، مدارس بلا طلاب، بيوت بلا سقوف، وعائلات كاملة تُمحى من السجل المدني. وخرج كثيرون، من المحللين والسياسيين، ليقولوا إن غزة انتهت، وإنها لم تعد قابلة للحياة.
لكنهم كانوا يقرأون غزة من أوراقهم، لا من ترابها.
فمن يعرف غزة حق المعرفة، يعرف أنها ليست مدينة تنتظر الحياة من أحد. هي مدينة تصنع الحياة من العدم.
في غزة، الحياة لا تأتي بعد الموت. الحياة تأتي رغم الموت.
طفل في التاسعة يحمل كيس طحين أثقل من جسده، ويمشي في شارع مدمر كأنه يحمل راية النصر. أمٌّ تدفن ابنها صباحاً، وتعود ظهراً لتطعم أبناءها الباقين وتقول لهم: "كلوا، لازم نعيش". طبيب يبتر ساق طفلة بلا مخدر، ثم يمسح دمعته ويكمل عمله في المريض التالي. صحفي يكتب خبر استشهاد زميله الذي كان بجانبه قبل دقائق، ثم يرفع كاميرته ويكمل التغطية لأن العالم يجب أن يرى.
هذا ليس أدباً. هذا هو التقرير اليومي من غزة. هذه هي صحافة الواقع، لا صحافة الخيال.
الاحتلال يظن أنه حين يقصف بيتاً في غزة، فإنه يهدم بيتاً واحداً. لكنه لا يفهم أن البيت في غزة ليس حجارة. البيت في غزة فكرة. وحين تهدم فكرة في مكان، تُبنى في ألف مكان آخر.
حين هدم الاحتلال بيتاً في الشجاعية، بُني بيت في قلب كل عربي. وحين قصف مدرسة في رفح، فُتحت مدرسة في ضمير كل إنسان حر في العالم. وحين قتل طفلاً في جباليا، وُلد ألف طفل في ذاكرة فلسطين يحملون اسمه.
هذا هو القانون الذي لا يفهمه القاتل: في غزة، القتل لا يُنهي الحياة، بل يُعيد تعريفها.
الحوت مات مرة واحدة، فأحيا البحر خمسين سنة.
أما غزة، فهي تحيا كل يوم. تحيا في كل مرة يرفض فيها طفل أن يبكي أمام الكاميرا ويقول: "الحمد لله". تحيا في كل مرة يخرج فيها رجل من تحت الركام ويقول: "أنا بخير". تحيا في كل مرة تقف فيها امرأة على أنقاض بيتها وتقول: "سنبنيه من جديد".
لهذا، لم تعد غزة مجرد مدينة محاصرة في الجنوب الفلسطيني. صارت غزة مدرسة. صارت مرجعاً. صارت مقياساً للإنسانية في هذا العالم.
قبل غزة، كان العالم يظن أن القضية الفلسطينية ملف سياسي يمكن تأجيله. وبعد غزة، عاد العالم ليفهم أنها قضية حياة أو موت. قبل غزة، كان كثيرون يظنون أن المقاومة شعار. وبعد غزة، فهموا أنها وجود. قبل غزة، كان النسيان يهدد الذاكرة. وبعد غزة، صارت فلسطين في كل بيت، وفي كل جامعة، وفي كل شارع من جاكرتا إلى لندن إلى نيويورك.
لولا غزة، لماتت فلسطين في النسيان. لولا غزة، لماتت فينا آخر بقايا الإحساس بأننا أمة واحدة. لولا غزة، لظل العالم يصدق رواية القاتل.
ولهذا، لا يصح أن نكتب عن غزة كمن يكتب عن ميت.
غزة ليست مقبرة. غزة رحم.
غزة ليست نهاية. غزة بداية.
في قاع البحر، يموت الحوت فيحيا غيره.
وفي فلسطين، تحيا غزة فيُحيا بها الجميع.
غزة تحيا.. ونحن نحيا بها.