تاريخ النشر: 2026-08-29 | 16:45
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-08-29 | 16:45
حين يصبح انتشال الجثامين آخر معركة من أجل الكرامة
في تاريخ الحروب، كانت هناك دائما لحظة ينتهي فيها كل شيء.
تسكت المدافع.
يعود الناجون إلى بيوتهم.
ويحمل الناس موتاهم إلى المقابر.
لكن في غزة...
انتهت معارك كثيرة، وتوقفت جولات قتال، وأُعلنت اتفاقات لوقف إطلاق النار...
إلا أن الجنازات لم تبدأ بعد.
هناك، لا تزال آلاف العائلات تعيش المأساة نفسها منذ ما يقارب ثلاث سنوات.
ليس لأنها لا تعرف أن أبناءها قد رحلوا...
بل لأنها تعرف تماما أين هم.
إنهم تحت الأنقاض.
تخيل مدينة كاملة...
كل شارع فيها قد يخفي عائلة.
كل بناية مدمرة قد تكون قبرا.
كل كومة من الإسمنت قد تخفي طفلا لم يدفن، أو أما لم تودع، أو أبا ما زالت ابنته تنتظر أن تقرأ الفاتحة على قبره.
في غزة...
لم تعد الأنقاض مجرد آثار حرب.
لقد تحولت إلى أكبر مقبرة مغلقة في العصر الحديث.
ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي:
كم قُتل؟
بل أصبح:
كم إنسانا ما زال ينتظر أن يدفن؟
بعد مرور السنوات...
لم تعد فرق الإنقاذ تبحث عن ناجين.
إنها تبحث عن عظام.
عن خاتم.
عن ساعة.
عن خصلة شعر.
عن سن طفل.
عن أي أثر يعيد اسما إلى صاحبه.
فالزمن لا يقتل مرة واحدة.
إنه يواصل قتل الذاكرة أيضا.
كل يوم يمر يلتهم جزءا من الحقيقة.
وتتحلل الأجساد.
وتختلط الرفات.
وتضيع الأدلة.
ويصبح التعرف على الضحايا أكثر صعوبة، حتى حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر وخبراء الطب الشرعي من أن آلاف الضحايا قد لا تُعرف هوياتهم أبدا إذا استمر التأخير في انتشالهم.
قبل أسابيع...
شيعت غزة 112 شهيدا دفعة واحدة.
لم يكونوا ضحايا يومها.
بل كانوا ضحايا انتظروا سنوات حتى استطاع أحد الوصول إليهم.
لكن حتى تلك الجنازة لم تكن نهاية الحكاية.
فما زال آخرون تحت المبنى نفسه.
ينتظرون دورهم...
في أن يحملوا أسماءهم مرة أخرى.
الأشد قسوة...
أن بعض العائلات لن تتسلم جثمان ابنها.
بل رفاتا اختلطت بغيرها.
فثلاث سنوات تحت الركام كافية لأن تمحو الفاصل بين جسد الطفل وجسد أمه، وبين الأب وابنه.
وهكذا...
لا يعود الموت فرديا.
بل يصبح قبرا جماعيا.
وجنازة جماعية.
وذاكرة جماعية.
لكن المأساة لا تقف عند حدود الألم.
فهؤلاء، في كثير من الحالات، ما زالوا قانونيا "مفقودين".
لا شهادة وفاة.
لا تسوية للإرث.
لا إنهاء لإجراءات الوصاية.
لا يقين قانونيا لعائلة تعرف أن ابنها استشهد، لكنها لا تستطيع دفنه.
إنه موت معلق...
وحزن معلق...
وحياة معلقة.
ورغم أن العالم كله يعرف مكان المأساة...
إلا أن آلاف الجثامين ما زالت تنتظر.
ليس لأن الوصول إليها مستحيل.
بل لأن الوصول إليها يحتاج إلى ما يجب أن يكون متاحا أصلا:
حفارات.
ورافعات.
ومعدات ثقيلة.
ومختبرات للطب الشرعي.
ومعدات لفحص الحمض النووي.
وممرات إنسانية آمنة.
وحماية لفرق الإنقاذ أثناء عملها.
لقد أكدت الأمم المتحدة أن إزالة عشرات ملايين الأطنان من الركام شرط أساسي للوصول إلى الضحايا وإعادة الحياة إلى غزة، وأن هذه المهمة لا يمكن إنجازها من دون دخول الآليات الثقيلة والوقود والمعدات المتخصصة. كما أعلنت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إطلاق مشروع لدعم إزالة الركام وبناء قدرات وطنية لاستعادة الرفات والتعرف عليها بكرامة، بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
إن القضية اليوم لم تعد قضية إزالة ركام فقط.
إنها قضية إنقاذ كرامة.
كل يوم يتأخر فيه انتشال الضحايا...
يعني رفاتا أكثر تحللا.
وأدلة جنائية أكثر ضياعا.
وعائلات أكثر انتظارا.
ولهذا، فإن الواجب الإنساني والقانوني والأخلاقي يفرض على المجتمع الدولي أن يتحرك فورا من أجل:
إجبار سلطات الاحتلال على فتح المعابر والممرات الإنسانية دون تأخير.
السماح الفوري بإدخال الحفارات والرافعات والآليات الثقيلة والوقود والمعدات الفنية اللازمة.
إدخال فرق الطب الشرعي وتجهيزاتها، بما في ذلك وسائل التعرف على الرفات وتحليل الحمض النووي.
توفير الحماية الكاملة لفرق الدفاع المدني والإنقاذ حتى تتمكن من الوصول إلى جميع مواقع الدمار بأمان.
هذه ليست مطالب سياسية.
وليست شروطا تفاوضية.
إنها الحد الأدنى من احترام الإنسان بعد وفاته.
قد يختلف الناس في السياسة.
وقد يختلفون في قراءة الحروب.
لكن لا ينبغي أن يختلف أحد على حق الإنسان في أن يُدفن.
ولا ينبغي أن تصبح الحفارة قضية خلاف.
ولا أن يتحول الوصول إلى جثمان طفل إلى معركة دبلوماسية.
إن الحضارة لا تُقاس فقط بما تبنيه من مدن...
بل بما تمنحه للموتى من كرامة.
وسيكتب التاريخ يوما أن المأساة في غزة لم تكن فقط أن عشرات الآلاف قتلوا...
بل أن آلافا آخرين بقوا سنوات تحت الأنقاض، بينما كان العالم يعرف مكانهم، ويعرف ما يحتاجه انتشالهم، ويعرف أن كل يوم تأخير يسرق أسماءهم وملامحهم وحقهم الأخير في قبرٍ معلوم.
لا نطالب بالمستحيل.
نطالب بفتح المعابر والممرات الإنسانية.
نطالب بإدخال الآليات الثقيلة والمعدات اللازمة.
نطالب بحماية فرق الإنقاذ حتى تتمكن من أداء واجبها.
لأن كرامة الإنسان لا تنتهي بوفاته.
دعوا غزة تدفن موتاها.