تاريخ النشر: 2026-09-10 | 14:50
تاريخ النشر: 2026-09-10 | 14:50
تقويض الاستقرار البنيوي وانكشاف آلة الردع الداخلية
تشهد دوائر صنع القرار في طهران تحولاً نوعياً في مقاربة الأمن الداخلي، متحولةً من استراتيجية احتواء الاحتجاجات إلى مرحلة التحصين الوقائي الشامل. وتُظهر القراءات التحليلية لتقارير مراكز الأبحاث الغربية، ومنها ما نشرته صحيفة واشنطن إكزامينر بقلم الباحث علي صفوي، أن السلطة المركزية لم تعد تتعامل مع موجات الغضب الشعبي كاحتمال عارض، بل كحتمية ميدانية تفرض إعادة هندسة أدوات القمع. وفي هذا السياق، يبرز تعيين القيادي الأمني حسين طائب على رأس منظومة الباسيج كمؤشر قاطع على الانتقال نحو خيار العسكرة الخالصة، مدفوعاً بتقديرات استخباراتية تفيد بتآكل القدرة على حشد الدعم الشعبي التقليدي.
هندسة القمع الميداني واللجوء للذخيرة الحية
تجسدت استراتيجية العسكرة الجديدة في توجيهات حرس النظام الإيراني لمحافظة طهران بحصر النواقص اللوجستية وتكثيف تدريبات كتائب التدخل السريع في إسلام شهر على استخدام الذخيرة الحية. ولا يعكس هذا الاستنفار المكثف سوى مأزق بنيوي عميق تعيشه القيادة؛ إذ تدرك المؤسسة الحاكمة أن الأنظمة السياسية المترسخة لا تلجأ لتسليح ميليشياتها الموازية لمواجهة مواطنيها إلا عند بلوغ قناعة راسخة بفقدان السيطرة السياسية. إن الاعتماد المتصاعد على القوة العسكرية المطلقة يكشف عن عجز تام عن توفير مظلة شرعية أو قبول شعبي، مما يجعل الاحتكاك الميداني المقبل مفتوحاً على كل الاحتمالات الدموية.
مفارقة الحشود المستأجرة واختراق الطوق الأمني
في محاولة لترميم صورتها المهتزة، لجأت السلطات في ضاحية كوهردشت بمدينة كرج إلى أساليب غير مسبوقة لاصطناع التأييد، شملت استقدام عمالة وافدة وتقديم حوافز مالية مرتفعة لتنظيم مسيرات دعائية. وفي المقابل، سجلت وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق تحدياً نوعياً في 3 سبتمبر الجاري، بتنظيم استعراض سيار في شوارع كرج تزامناً مع الذكرى الحادية والستين لتأسيس المنظمة. وقد اكتسب هذا التحرك بُعداً استراتيجياً بعد إقرار منصات إعلامية تابعة لمحور النظام، مثل صابرين نيوز، بالحدث، مما يثبت عجز المنظومة الأمنية عن منع اختراق المعارضة المنظمة لمراكز المدن الحيوية.
تمدد الاحتجاجات القطاعية وغليان الشارع المعيشي
تتفاعل الأزمات الاقتصادية لتشكل محركاً أساسياً لحالة الغليان الشامل التي اجتاحت البلاد مطلع الشهر الجاري. فقد امتدت التحركات الاحتجاجية لتشمل قطاعات واسعة؛ بدءاً من احتجاجات الشباب ضد البطالة في غجساران والأهواز، مروراً بإضرابات عمال النفط والصلب في قزوين، وصولاً إلى تحركات نساء بلوشستان في جازموريان واحتجاجات سائقي الشاحنات في منفذ مهران الحدودي ضد سياسات تقنين الوقود والتضخم المتسارع. تؤكد هذه المعطيات أن الحلول الأمنية والإعدامات المتصاعدة تقف عاجزة أمام تداعي القيم الشرائية للعملة والانهيار المعيشي المطبق.
آفاق التلاحم الميداني بين الاحتجاجات المعيشية والمعارضة المنظمة
يُطرح تساؤل جوهري حول قدرة الحراك القطاعي المعيشي على الاندماج مع بنية المعارضة المنظمة لتشكيل جبهة داخلية موحدة في مواجهة الآلة الأمنية لطهران. تشير المعطيات الميدانية إلى أن اتساع رقعة الاحتجاجات ليشمل عمال النفط، والمتقاعدين، والقطاعات المهمشة يخلق حالة من تداخل المصالح واضطراب خطط السيطرة الأمنية. ورغم رهان السلطة على تفكيك هذه الجبهات عبر العسكرة والاعتقالات، إلا أن تآكل القدرة الاقتصادية على الإطعام أو الاحتواء يضغط باتجاه تبلور وعي جمعي مشترك؛ حيث تصبح الحركات الاحتجاجية الفئوية رافداً أساسياً لزخم وحدات المقاومة، مما يعزز احتمالات تحول الغضب المعيشي المتفرّق إلى انتفاضة وطنية شاملة يعجز جهاز الباسيج عن احتوائها.
سقوط الثنائية الغربية وأفق التغيير الجذري
يخلص التحليل إلى أن السياسات الدولية تظل رهينة معادلة عقيمة تتأرجح بين المهادنة الدبلوماسية والتهديدات العسكرية الخارجية، متجاهلةً القوة الحقيقية المتمثلة في الشعب الإيراني وقواه المنظمة. وتتوج هذه الرؤية بالفعاليات الجماهيرية المرتقبة أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك يومي 22 و 23 سبتمبر الجاري. وختاماً، يثبت الواقع أن القبضة الأمنية وتوزيع السلاح وقرارات الترهيب قد تضمن بقاء السلطة مؤقتاً، لكنها تظل عاجزة جذرياً عن معالجة الأسباب الموضوعية التي تدفع المجتمع الإيراني بخطى حثيثة نحو التغيير الشامل.