الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

تدويل الأزمة السودانية... حل أم تعقيد؟

تدويل الأزمة السودانية... حل أم تعقيد؟

تاريخ النشر: 2022-01-13 | 09:41

عثمان ميرغني
عثمان ميرغني

المبادرة التي أعلنتها بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) على لسان رئيسها فولكر بيرتس هذا الأسبوع، أحدثت ردود فعل واسعة وأثارت جدلاً وانقسامات في الساحة السودانية بين رافض ومرحب ومتحفظ ومتخوف. فهل ستكون هذه المبادرة مدخلاً للحل، أم أنها في ظل انقسامات المواقف والعدد الكبير من المدعوين للمشاركة ستزيد في تعقيد المشهد؟

مع الإقرار بوجود فوارق بين الأزمات، إلا أنه بشكل عام يمكن القول إن سجل الأمم المتحدة في التدخل لحل الأزمات في المنطقة، وبشكل خاص أزمات ما بعد الربيع العربي، ليس مشجعاً، من سوريا إلى ليبيا واليمن، بل إن هناك من يرى أنه أسهم في تعقيد الأزمات والمفاوضات.

عموماً لست من أنصار التدخلات الخارجية، وقناعتي أن الأزمات من الأفضل أن تحل داخلياً إذا خلصت النيات، وقدم الناس مصالح بلدانهم وشعوبهم على الحسابات السياسية الضيقة، والطموحات الشخصية، والمصالح الحزبية أو الفئوية والجهوية. لكن الأمور لا تسير في كثير من الأحيان على هذا النحو، ويعجز أبناء البلد الواحد عن الحوار وفي التلاقي على ما فيه حل أزماتهم ومصلحة بلدانهم، مما يستدعي وساطات وتدخلات خارجية.

والذين يشتكون اليوم في السودان رافضين أو مستنكرين للوساطة الأممية، عليهم أن يعترفوا بأن خلافاتهم وصراعاتهم هي التي قادت إلى هذا الوضع. فالمبادرة الأممية لم تصدر إلا بعد أن بدا جلياً أن الساحة مشتتة، والحلول عصية، والأزمة تفرز المزيد من التعقيدات التي باتت تهدد البلد وسلامته ووحدته بشكل جدي. الخلافات والصراعات، المكشوف منها والمستتر، هي لب الأزمة، ومن دون أن تتوصل القوى المختلفة إلى حلول، فإن البعثة الأممية لن تستطيع حلها نيابة عنهم، ما يعني إما فشل المشاورات والمحادثات التي تجرى برعايتها (بتيسير منها وفقاً لتعبير بيرتس)، أو الانتهاء إلى حلول جزئية لا ترضي كل الأطراف الرئيسية وبذلك تستمر الأزمة.

البعثة الأممية لا تملك عصا سحرية، ولا صلاحيات غير محدودة، ومن الخطأ تضخيم دورها والتعويل على أنه سيكون الحل. فالبعثة التي أنشئت وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2524 في يونيو (حزيران) 2020 وبطلب سوداني تعمل وفق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الذي يخوّلها صلاحيات محدودة تقوم أساساً على دعوة أطراف النزاعات المعنية إلى التفاوض والحوار والتحكيم. هذا الأمر يختلف بالطبع عن الفصل السابع الذي كان السودان خاضعاً له في السابق، وهو يعطي مجلس الأمن صلاحيات واسعة للتدخل تصل إلى حد استخدام القوة لفرض قراراته.

صحيح أن البعثة الأممية تتمتع بنفوذ مستمد من المنظمة الدولية وربما بشكل أدق من مجلس الأمن، لكنه ليس نفوذاً بلا سقف. ففي الحالة السودانية نجد أن أعضاء مجلس الأمن ليسوا على موقف واحد، إذ تقف روسيا والصين أقرب إلى المكون العسكري، مقابل الموقف القوي من جانب الأعضاء الغربيين إلى جانب الثورة السودانية.

في هذا الوضع فإن القوة الحقيقية للمبادرة الأممية ربما تكون في عصا العقوبات «الفردية» التي تلوّح بها أميركا في وجه المكون العسكري تحديداً، والعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الدول الغربية والمؤسسات الدولية والمتمثلة في وقف كل المساعدات والإجراءات التي توصلت إليها حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، وتعطلت بسبب انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول).

هل يعني ذلك أن الأطراف التي ترفض المبادرة الأممية لديها مبرر بالنظر إلى كل ما تقدم ذكره؟

في تقديري أنه لا مبرر لرفض الدعوة في هذه المرحلة كونها «مشاورات». أضف إلى ذلك أن كل المساعي التي قامت بها أطراف سودانية وصلت إلى طريق مسدود بسبب الاختلافات والصراعات، بينما أوضاع البلد عموماً تتدهور بشكل مخيف، وتتجه نحو انهيار كبير في ظل عدم وجود حكومة، وفي ظل انفلات أمني واضح، وتردٍ معيشي واقتصادي غير مسبوق.

الواقعية السياسية تفترض ألا يرفض الناس المبادرة، فالمحادثات لا تعني أن يتخلوا عن مطالبهم، كما أنها لا تعني وقف الثورة. الأوضاع الراهنة تقتضي مرونة، بمعنى أن يسير الناس على أكثر من مسار لتحقيق أهدافهم. مسار المحادثات إنْ كانت ستفضي إلى النتائج المطلوبة، وفي الوقت ذاته استمرار مسار الثورة باعتباره الأصل وورقة الضغط الأهم. فالثورة ليست فعلاً مستمراً إلى ما لا نهاية، بل هي وسيلة لتحقيق مطلب الانتقال نحو الحكم المدني الديمقراطي، وتحقيق شعاراتها في الحرية والسلام والعدالة.

المهم بالنسبة للمكون المدني الواقف في صف الثورة أن يعمل سريعاً على رص صفوفه، والاتفاق على ورقة واحدة، ومطالب موحدة يدخل بها إلى المشاورات. فإن فعل ذلك سيكون موقفه قوياً وسيحقق جل مطالبه، وسيعيد الانتقال إلى مساره نحو الانتخابات الديمقراطية، ويحقن دماء الشباب الذين قدموا تضحيات هائلة. أما إذا استمر التشرذم الحالي فإن المبادرة لن تحقق شيئاً، بل قد تؤدي إلى مزيد من الخلافات والتعقيدات. ليس منطقياً ولا مقبولاً أنه بعد ثلاث سنوات على الثورة ما زال الناس يتحدثون عن ضرورة حل الخلافات ورص الصفوف.

المشكلة أن كل الحقائق الماثلة أمامنا لا توحي بأن المكون المدني سيوحد موقفه ورؤاه حول ورقة واحدة. فالمواقف إزاء دعوة بيرتس جاءت متباينة، وهناك أكثر من خمس ورقات متداولة طرحتها القوى المدنية وستكون مرشحة للزيادة مع فتح باب المشاورات الأممية. هذا التعدد في الأوراق لن يكون مفيداً إذا قدمت كلها بشكل مباشر أو غير مباشر في المحادثات التي ترعاها البعثة الأممية. لا يفترض أن تكون الأمم المتحدة هي الجهة التي توفق بين أوراق المكون المدني، إلا إذا كان هذا المكون يتملص من واجباته، ويرمي بها إلى البعثة الأممية ليلقي عليها مسؤولية الفشل في عدم الاتفاق لاحقاً.

الأجدر أن تتحمل القوى السياسية والمدنية مسؤولياتها، وتنحي خلافاتها ومناوراتها، وتجلس لتوحد مواقفها في ورقة واحدة واضحة وقوية تحدد فيها مطالبها. فهذا هو السبيل الوحيد للتسريع بتحقيق مطالب الثورة، والذي يمكن أن يختصر الطريق ويقلص التضحيات التي يقدمها شباب الثورة بلا حساب حتى الآن.

فالكثير سيعتمد على مدى قدرة المكون المدني على توحيد صفوفه، لذا حصرت حديثي عليه ولم أتطرق إلى المكون العسكري الذي يقف على الطرف الآخر من المعادلة. الأمم المتحدة محقة عندما تقول إن الحل ليس بيدها وإنه يعتمد على السودانيين أنفسهم. وحتى إن كان ممثلها بيرتس يحمل معه بعض الأفكار والمقترحات، فإنه لن يستطيع فرضها عليهم.

الكرة في ملعب المكون المدني والكثير يتوقف على كيف سيتصرف، وما إذا كان قد استفاد فعلاً من تجربة السنوات الثلاث الماضية بكل عثراتها.

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط