افتضاح "الخدمات التحالفية المتبادلة" بين الحوثيين وبالتالي بلاد فارس مع أمريكا ودولة الفاشية، امتدادا لجوهر أهداف مؤامرة 7 أكتوبر من أجل تغيير "الشرق الأوسط"

بكلمة ونص: السياسة في قبضة الازدواجية

بكلمة ونص: السياسة في قبضة الازدواجية

تاريخ النشر: 2026-10-18 | 14:27

عائد زقوت
عائد زقوت

أعاد تأجيل الانتخابات الفلسطينية فتح نقاش يتجاوز مسألة إجرائها في موعدها، ليكشف عن أزمة أعمق تتصل بشرعية المؤسسات، وثقة الناس بالنظام السياسي الفلسطيني على تجديد نفسه واستعادة وحدته. وفي بيان صدر عقب التأجيل، أعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه للقرار، مؤكدًا أهمية إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في أقرب وقت ممكن، فيما دعت فرنسا، إلى جانب أستراليا وكندا والمملكة المتحدة، القيادة الفلسطينية إلى إعادة النظر فيه وإجراء الانتخابات دون مزيد من التأخير.
 
وبينما تتداخل العوائق الإسرائيلية مع الانقسام الداخلي، تتباين المواقف بين من يُحمّل القيادة مسؤولية تعطيل الحياة الديمقراطية، ومن يبرّر التأجيل بظروف الاحتلال، ومن يختزل الأزمة كلها في تحميل طرف واحد مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.

وفي هذا السجال، قد تبدو بعض العبارات، مثل وصف القيادة بأنها "احتلال ثانٍ"، تعبيرًا عن غضب متراكم من انسداد الأفق السياسي، لكنها تظل اختزالًا لا يساعد على فهم الأزمة أو تجاوزها.

فالسلطة الفلسطينية بكل مكوناتها ليست الاحتلال، مهما كانت المآخذ على أدائها، كما أنّ رفض هذا الوصف لا يمنحها حصانة من المساءلة، ولا يبرّر استمرار أزمة الشرعية أو تعطيل التداول الديمقراطي.

إنّ الخلط بين الأمرين يضعف القدرة على التمييز بين الاحتلال بوصفه واقعًا مفروضًا على الشعب الفلسطيني، والاختلالات الداخلية التي تتحمل القوى الفلسطينية مسؤولية معالجتها. إننا بحاجة إلى قيادة تقبل المحاسبة، ومعارضة تتحمل المسؤولية، ومؤسسات تستعيد ثقة المواطن.
فالديمقراطية لا تقوم بالتصفيق للحاكم ولا بالتصفيق لمن يهاجمه، بل بالمشاركة والمساءلة وتداول السلطة. لقد سمعنا طويلًا من الجميع ما لا يريدونه.
أخبرنا أيها الجميع، ماذا تريدون أن تفعلوا، ومتى ستبدؤون؟ فلسطين سئمت إهدار حق شعبها في تقرير مصيره جراء التجاذبات الإقليمية والدولية، واستخدامها كورقة مناورة لصالح هذا الطرف أو ذاك.
حياة الإنسان الفلسطيني أكبر من المصالح السياسية الدولية والخلافات الفصائلية والشخصية، وأقدس من أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات. فلسطين لا ينقصها من يقف على أطلال الركام وينظر إلى السُخام، بل تحتاج إلى من ينزل بين الحجارة، ويحفت الأرض ليعيد البناء.
هل لاحظنا ما يفعله الرامي قبل إطلاق سهمه؟ يشدّ الوتر ويهيئ السهم للانطلاق بأقصى قوة. كذلك فإنّ المؤسسة التي ستحمل راية التجديد النهضوي لا يكفيها أن تتطلع إلى التغيير من دون إعداد شروطه، أو أن تستبدل شرعية متآكلة بخطاب أكثر حدّة، أو تكتفي بإدانة القيادة من دون تقديم بديل سياسي قابل للحياة.
 فالمطلوب منها بناء معادلة تقوم على قيادة خاضعة للمساءلة، ومعارضة مسؤولة تمتلك مشروعًا بديلًا، ومؤسسات قادرة على استعادة ثقة الناس. بكلمة ونص: لا شرعية مستدامة بلا مساءلة، ولا معارضة جادة بلا بديل.
ولا يمكن فصل أزمة الانتخابات عن دور الاحتلال الإسرائيلي. فمنع الانتخابات في القدس عام 2021، والقيود المفروضة على لجنة الانتخابات المركزية، والدمار الواسع في غزة اليوم، كلها وقائع تفرض معضلة حقيقية: كيف تُجرى انتخابات حرة وآمنة في ظل احتلال يمنعها؟ فالقدس ليست تفصيلًا إجرائيًا، بل جزء من الأرض والسيادة والتمثيل الوطني، وأي انتخابات تُقصى منها تفقد جوهرها.
وتحميل القيادة مسؤولية تعطيل الديمقراطية لا يجوز أن يبرئ إسرائيل من مسؤوليتها عن هذه العوائق، لكن مسؤولية الاحتلال لا تمنح القيادة شيكًا مفتوحًا لتأجيل الاستحقاق؛ فتجاوز العقبات يجب أن يكون جزءًا من مسار سياسي واضح، لا ذريعة دائمة لتعليق الشرعية.
ومن هنا، فإنّ استعادة الحياة الديمقراطية تقتضي إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها المرجعية الوطنية الجامعة، وما ينبثق عنها من مؤسسات تنفيذية، على قاعدة الشراكة والمساءلة والتعددية. ولا يعني ذلك فرض برنامج سياسي موحد على الجميع، بل التوافق على حد أدنى وطني، أو إقراره بأغلبية وطنية مؤهلة وَفق معايير وآليات واضحة يتفق عليها الحوار الوطني، بما يحدد كيفية اتخاذ القرار، والجهة المخولة بإقراره، وآثاره السياسية.
فالتوافق لا ينبغي أن يتحول إلى حق في احتكار القرار باسم الإجماع، كما لا يجوز استخدام الأغلبية ذريعة لإقصاء الآخرين. وظيفة الحوار هي تنظيم الاختلاف وإدارة القرار، لا إلغاء التعددية أو اشتراط التطابق في الرؤى.
ولا تقتصر مسؤولية حماية هذا المسار على القوى الفلسطينية، بل تمتد إلى الأطراف الخارجية التي قد تدعم الوحدة أو تسهم، بحساباتها وتحالفاتها، في تكريس الانقسام واستمرار المأساة الإنسانية والسياسية، بما يهدد بتهميش القضية الفلسطينية وإضعاف حضورها السياسي.
أولها عربيًا وإسلاميًا، فبكلمة ونص: لا يكفي إعلان دعم الحقوق الفلسطينية أو تكرار الدعوة إلى الوحدة، ما لم يتحول ذلك إلى جهد سياسي فعلي يعزز مكانة منظمة التحرير بوصفها المرجعية الوطنية الجامعة، ويقدّم المصلحة الفلسطينية على حسابات المحاور والاصطفافات الأيديولوجية.
فالدعم الذي يخضع لموازين التحالفات قد يتحول، من حيث النتيجة، إلى عامل إضافي في تعميق الانقسام، حتى وإن رفع شعارات الوحدة والمقاومة.
ولا تقتصر المسؤولية على إعلان المواقف، بل تقتضي إسهامات عملية تستند إلى الشرعية الدولية وتحترم حقوق الإنسان، كما تقتضي دعم استقلال القرار الفلسطيني. ويمكن استخدام العلاقات الثنائية ومسار التطبيع، ووسائل أخرى للضغط على إسرائيل لكي توقف الممارسات أحادية الجانب، وتنخرط في مسار تفاوضي جاد يقود إلى حل مقبول من الطرفين، وترفع القيود المفروضة على الانتخابات.
وفي هذا السياق، يمكن بحث مبادرة لتوفير قوة حماية عربية وإسلامية، بمشاركة أوروبية ودولية، تتولى حماية الناخبين والمراقبين، وتساعد على تهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات بعيدًا عن التهديد والإعاقة.
ولا يُقصد بذلك افتراض وجود قوة جاهزة للنشر أو تجاوز التعقيدات السياسية والقانونية، بل طرح مسار يحتاج إلى أساس قانوني واضح، وتفويض محدد، وترتيبات تنفيذية متفق عليها، وضمانات تمنع تحوّله إلى شكل جديد من أشكال الوصاية. وينبغي أن تكون مهمتها مؤقتة، مرتبطة بتمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم الانتخابي، وتنتهي بانتهاء الحاجة إليها وتمكّن السلطة الفلسطينية المنتخبة من ممارسة صلاحياتها.
لكن تحويل هذه المبادرة إلى واقع يتطلب، إلى جانب الجهد العربي والإسلامي، ضغطًا أوروبيًا ودوليًا على إسرائيل لرفع القيود التي تعرقل الانتخابات.
وثانيهما أوروبيًا ودوليًا، فبكلمة ونص: تتجلى الازدواجية بوضوح حين تُرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما لا تقترن المواقف المعلنة بخطوات عملية تكفل للفلسطينيين ممارسة حقهم الانتخابي، أو حين تُطبَّق هذه المبادئ بصرامة في سياقات، ويُتساهل في تطبيقها حين يتعلق الأمر بإسرائيل. 
وكان ينبغي للبيان أن يسمّي إسرائيل بوضوح، وأن يحدد مسؤوليتها الأساسية عن العوائق التي تحول دون إجراء الانتخابات، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، التي تملك القدرة الأكبر على منع الاقتراع أو السماح بإجرائه، ولا سيما في القدس المحتلة. فإذا كانت الديمقراطية وحقوق الإنسان مبادئ عالمية، فلا يجوز إخضاعها لاعتبارات التحالفات أو تطبيقها بصورة انتقائية. 
ويقتضي ذلك ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لرفع القيود التي تعرقل الانتخابات، وربط المطالب السياسية بجدول زمني وخطوات قابلة للقياس، بدل الاكتفاء ببيانات عامة عن أهمية الديمقراطية واحترام إرادة الشعوب. فالحياد الذي يتجاهل تفاوت القوة ولا يواجه الطرف القادر على منع الاقتراع قد ينتهي عمليًا إلى توفير غطاء لاستمرار المنع، حتى إن لم يكن ذلك هو المقصود المعلن.
لكن الضغط الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ما لم تتوافر إرادة داخلية تعالج اختلالاته. وهنا تبرز مسؤوليات الأطراف الفلسطينية، لا بوصفها مسؤوليات متساوية، بل وفق دور كل طرف وقدرته على التأثير في مسار الإصلاح. وتبدأ المعالجة من العثرة التي تمسّ وحدة المرجعية الوطنية وطبيعة القرار السياسي.
أما فلسطينيًا، فالمطلوب من الجميع ليس أن يأتي على وجهه زاحفًا، ولا على رأسه ماشيًا؛ فالتوافق الوطني لا يعني الانكسار أو الهزيمة أو التخلي عن المكتسبات، بل التوصل إلى صيغة للشراكة تحفظ الحقوق وتضع المصالح الوطنية فوق الحسابات التنظيمية، دون تحويل الأغلبية إلى الأغنمية.
وبكلمة ونص، نبدأ من حماس، اللاعب المركزي في المشهد السياسي، والمطلوب منها بكلمة ونص لا أكثر أن تحسم موقعها من المرجعية الوطنية الجامعة، بالاعتراف بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني، والعمل على إصلاحها من داخلها، لا التعامل معها باعتبارها إطارًا يمكن تجاوزه كلما تعارضت قراراته مع حسابات الحركة، وأيضًا الاعتراف بالدولة الفلسطينية وفَق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 67/19 الصادر في 29 نوفمبر 2012.
ولا يعني ذلك مطالبتها بالتخلي عن هويتها الفكرية أو إلغاء حضورها السياسي، بل إخضاع الممارسة السياسية لقواعد الشراكة الوطنية، بحيث لا تتقدم الاعتبارات التنظيمية أو الأيديولوجية على المصلحة الفلسطينية العامة. فالتعددية حق وطني، لكنها لا تعني تعدد المرجعيات السيادية أو قيام سلطات متوازية تتنازع القرار الوطني.
ومن هنا، فإنّ إنهاء ازدواجية السلطة والقرار يقتضي القبول بمرجعية سياسية وطنية واحدة، وحكومة تستمد صلاحياتها من نظام وطني متفق عليه، ومؤسسات تخضع لها القرارات المصيرية. ويندرج في ذلك تنظيم مسألة السلاح واستخدام القوة ضمن إطار وطني توافقي، يضمن خضوع القرار السياسي للمؤسسات الوطنية، لا لقرار مسلح خارجها.
فالمشاركة السياسية لا تُختبر فقط في القدرة على الوصول إلى السلطة، بل أيضًا في قبول قواعد العمل الديمقراطي ونتائج الانتخابات، حتى حين لا تأتي النتائج وفق ما تشتهيه القوى المشاركة.
وفي المقابل، لا تكتمل مسؤولية حماس عن الالتزام بالمرجعية الوطنية من دون مسؤولية منظمة التحرير عن تجديدها وفتح مؤسساتها أمام الشراكة الفعلية. فالمطلوب الاعتراف بالمرجعية القائمة كما هي، ثم العمل إصلاحها بما يعيد إليها قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني بمختلف مكوناته وتياراته، ويجدد شرعيتها على أساس المشاركة والمساءلة.
وتتطلب هذه المهمة توسيع المشاركة في مؤسسات المنظمة، وتجديد بنيتها التمثيلية، والعمل على استكمال الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وتعزيز مكانتها القانونية والسياسية. كما تقتضي تجديد المجلس الوطني الفلسطيني عبر آلية انتخابية وطنية متفق عليها، تراعي اختلاف الظروف وإمكانات المشاركة، من دون أن تتحول انتخابات المجلس إلى بديل عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية أو ذريعة لتأجيلها.
ويحتاج ذلك إلى ميثاق وطني ينظم الشراكة ويحمي التعددية ونتائج الانتخابات، ويضع آليات ملزمة لحسم الخلافات، حتى لا يبقى الاحتكام إلى المؤسسات خاضعًا لتوازنات القوة أو تقديرات الفصائل.
كما يستلزم وضوحًا في تحديد الصلاحيات الدستورية والقانونية، بما في ذلك التمييز بين منصب رئيس دولة فلسطين ومنصب رئيس السلطة الفلسطينية في المراسيم والقرارات الانتخابية؛ فوضوح الصفة ليس مسألة شكلية، بل جزء من وضوح النظام السياسي ومصدر الصلاحيات.
إنّ وحدة المرجعية الوطنية لا تعني وحدة البرنامج السياسي أو تطابق الرؤى، بل تعني إدارة الاختلاف داخل إطار جامع، يحول دون احتكار أي فصيل للقرار أو فرض خياراته على الجميع. فالتعددية لا تُصان بإنشاء سلطات متوازية، كما لا تتحقق بإقصاء القوى المخالفة؛ وإنما تحتاج إلى مؤسسات شرعية قادرة على تنظيم التنافس السياسي وضمان التداول الديمقراطي.
وكلما استمر الانقسام بين غزة والضفة الغربية والقدس، تعززت قدرة إسرائيل على استثمار الفصل الجغرافي والسياسي لفرض وقائع تقوض إمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة، أو أي كيان سياسي.
ولا يقتصر استحقاق الإصلاح على منظمة التحرير والقوى المشاركة في الحكم، بل يشمل التيارات التي تطرح نفسها بديلًا؛ إذ لا يكفي نقد الخلل من دون مشروع واضح وقدرة على تحويله إلى ممارسة.
ويقع في مقدمة هذه القوى التيار الإصلاحي الديمقراطي؛ فعليه أن يحدد موقعه السياسي بوضوح، ويعمل على ترسيخ استقلاله التنظيمي والسياسي عن حركة فتح، بوصفه شرطًا مفصليًا لتحديد هويته السياسية وبناء مشروعه الوطني المستقل.
كما أنّ عليه تقديم رؤية متكاملة للمشروع الوطني، لا تقتصر على نقد أداء الآخرين أو تسجيل نقاط عليهم، وأن يوضح أدواته لمواجهة السياسات الإسرائيلية ورؤيته للعلاقة المستقبلية مع إسرائيل، وأن يراجع تجربته وتحالفاته بما يضمن ألا يصبح حضوره محكومًا بردود الفعل أو الحسابات الفصائلية العابرة.
فالمطلوب منه أن يجيب بوضوح: ماذا يريد أن يفعل؟ ومتى يبدأ؟ وكيف يحوّل خطابه الإصلاحي إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في القرار الوطني؟ إنّ التقارب بين القوى الوطنية لا يقتضي محو الاختلافات، لكنه يقتضي حدًا أدنى من الالتقاء يمنع التحالفات المؤقتة والمصالح الفصائلية من الاستحواذ على المشروع الوطني.
ثم إنّ الاستقلال لا يُقاس بمجرد إعلان الانفصال التنظيمي، بل بوضوح الموقف، واستقلال القرار، والقدرة على تحمّل المسؤولية وممارسة النقد على الذات قبل مطالبة الآخرين به. وهذا لا يعني أنّ التيار وحده يتحمل مسؤولية الإصلاح، لكنه مطالب بأن يكون قدوة فيما يدعو إليه.
وفي المحصلة، لا تتوقف نتائج هذه الاختلالات عند تعطيل المؤسسات أو إدامة الانقسام، بل تمتد إلى الذاكرة الوطنية والثقة، وهما من أهم خطوط الدفاع عن قدرة الشعوب على إدراك الحقائق والتمييز بين الصواب والخطأ، بما ينعكس على مستقبل الأوطان واستقرارها.
وتؤكد التجربة الإنسانية أنّ الثقة تشكّل أحد أعمدة الذاكرة الوطنية، كما تمثل شرطًا لنجاح أي تكتل إنساني؛ فهي تبدأ بين الأفراد، وتتجذر داخل الأسرة، وتتسع في المجتمع، وصولًا إلى الدولة ومؤسساتها. وفي إحدى الصيغ التي تختصر تجارب الحكم والاستقرار في الحضارات السالفة، تتجلى ثلاثة مقومات رئيسة للحكم السليم: الغذاء والسلاح وثقة الناس؛ فلا تقتصر أهمية الثقة على كونها آخر ما يمكن التفريط فيه حين تُفرض المفاضلة، بل تتجاوز ذلك لتكون أساسًا لحماية الوطن.
والدلالة السياسية لهذه التجربة واضحة: قد تواجه السلطة نقصًا في الموارد، وقد تواجه تهديدًا أمنيًا، لكن فقدان ثقة الناس يضرب أساس شرعيتها، ويجعل قدرتها على الحكم موضع شك. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمساءلة والإنصاف والوفاء بالالتزامات، وبقدرة المؤسسات على تمثيل الناس لا احتكار الحديث باسمهم. فالتضامن نفسه لا يمكن أن يصمد طويلًا إذا انفصل القول عن الفعل، أو تحولت الثقة إلى أداة للاستغلال.
هنا تتكشف الازدواجية في صورتها الأوسع؛ فهي نمط سياسي يتكرر كلما طالب طرفٌ غيره بالديمقراطية وهو يخشى نتائجها، أو دعا إلى الوحدة بينما يمارس ما يقوضها، أو رفض الوصاية الخارجية من دون أن يعالج الشروط الداخلية التي تعطل استقلال القرار الوطني.
غير أنّ نقد هذا النمط لا يجوز أن يُسوّي بين المسؤوليات؛ فالمساءلة الجادة تقتضي تحديد المسؤولية بقدر الفعل والقدرة، لا توزيع اللوم بالتساوي على الجميع. فالمسؤولية عن منع الانتخابات ليست كالمسؤولية عن تأجيلها، ومسؤولية من يحتكر القرار ليست كمسؤولية من يطالب بالشراكة.
وحين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والتأجيل إلى سياسة دائمة، والخلاف إلى مبرر لتعطيل المؤسسات، تصبح السياسة إدارةً للأزمة بدلًا من أن تكون وسيلة لتجاوزها. وعندما تتقدم الاعتبارات الأيديولوجية على الالتقاء الوطني، أو تُستدعى المبادئ انتقائيًا وفق موازين القوة والمصلحة، تتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة، وتفقد الشعارات قدرتها على إقناع الناس.
قد يبدو المطلوب، في جوهره، كلمة ونص؛ لكنه يكشف حجم الفجوة بين المبادئ المعلنة والاستعداد لتحمل استحقاقاتها. فالمشكلة ليست في ندرة الشعارات، بل في تحويل الاختلافات السياسية إلى مبررات لتعطيل المؤسسات وإدامة الانقسام.
والخروج من هذه القبضة لا يتطلب تطابقًا في الرؤى أو تنازلًا عن الهويات، بل اتساقًا بين القول والفعل، وبين الانتماء الوطني والممارسة السياسية، واستعدادًا لتحمل تبعات المبادئ المعلنة.
فبكلمة ونص، لا يُطلب الكثير ممن يرفع شعار الديمقراطية أو يدّعي الحرص على الوحدة؛ لكن هذه الكلمة والنص لا يُختبران في سهولة النطق بهما، بل حين يتعارضان مع مصلحة ضيقة أو تحالف عابر. عندها فقط يمكن استعادة السياسة بوصفها مساحة للمسؤولية والشراكة، لا ستارًا لتبرير الازدواجية وإدامة الانقسام.

×
أخبار
بعد 48 ساعة من التعيين..إقالة وزيرة مغربية بسبب وثيقة طبية ملادينوف يطالب إسرائيل بإدخال اللجنة الإدارية وقوة الاستقرار إلى غزة الدفاع المدني السعودي: إصابة 6 مواطنين وأضرار في منازل ومركبات جراء سقوط مقذوف حوثي في نجران «واشنطن بوست»: بين القوة والكونية.. جدل فكري حول مفهوم الاستثنائية الغربية ورسالة روبيو من أثينا ترامب يعلن دعمه لنتنياهو في الانتخابات ويصفه بـ "الشريك الأعظم" في مواجهة إيران الاتحاد الأوروبي يندد بهجمات المستوطنين في الضفة الغربية واستهداف دبلوماسيين أوروبيين «فورين أفيرز»: الصراع الأمريكي-الإيراني يتحول لـ«حرب أبدية جديدة» «مفاجأة أكتوبر».. استدارة ترامب نحو الكرملين تثير انقساماً داخلياً وضغوطاً على أوكرانيا نتنياهو يبدي تخوفه من خسارة الانتخابات.. ويشن هجوماً حاداً على منافسيه ورئيس الشاباك السابق رفع جلسة مجلس النواب وانعقاد جلستين الاثنين والثلاثاء لمناقشة قرار دعم السعودية عشرات الخبراء الاقتصاديين الإسرائيليين يحذرون من عواقب مخطط E1 وإرهاب المستوطنين تقديرات إسرائيلية ببدء محاكمة "أسرى النخبة" عام 2028 وسط خوف قضائي من العقوبات الدولية قرارات مجلس الدفاع الوطني المصري برئاسة السيسي: تقديم جميع أشكال الدعم اللازمة والممكنة للدفاع عن السعودية شكوى جنائية للتحقيق معه بشأن إخفاقات 7 أكتوبر..14 عائلة إسرائيلية تقاضي نتنياهو الجامعة العربية تحيي للمرة الأولى ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني بين ركام الحرب واليأس السياسي: الفلسطينيون والانتخابات الإسرائيلية.. أملٌ متواضع وتوقعات حذرة إعلام إيراني: البرلمان يوافق على تعيين مهرداد أخلاقي كتابجي وزيراً للدفاع أ ف ب: انتخابات إسرائيل في ظل الحرب استفتاء على نتنياهو و"هوية الدولة" وزير الدفاع الكندي: قتلى وجرحى في حادث وقع بقاعدة عسكرية- فيديو ميليشيا الحوثي في خدمة الفاشية اليهودية..صفقة مسقط إلى أين؟! روبيو: أمريكا تريد من إسرائيل "ردع" عنف المستوطنين في الضفة الغربية التحالف: مقتل ضابطين إثر سقوط مروحية استطلاع سعودية في نجران الرئاسة اللبنانية: وفد عسكري لبناني سيشارك بمحادثات ثلاثية في أمريكا قراءة استطلاعية مغايرة ترسم خريطة الكنيست الإسرائيلي وتحسب سيناريوهات الائتلاف سلام سلاح للأشقاء في الخليج ف.تايمز: قادة الأعمال الأمريكيون بدأوا يدركون مخاطر الشعبوية الثرية تكساس: قسّ ديمقراطي يهدد عرش ترامب ويقلب حسابات الجمهوريين شركات إسرائيلية تتنافس على مناقصات إعمار غزة بقيمة 70 مليار دولار آيزنكوت: لن أجلس مع نتنياهو في حكومة يقودها.. وهو محرك الفوضى في الضفة الغربية  نتنياهو: الهجوم "المزعوم" على الدبلوماسيين الأوروبيين في الضفة اتهامات خطيرة تتطلب أدلة جادة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط