الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

المسار الثاني السري للمفاوضات السعودية - الإيرانية

لاحظ المتخصصون في علم «حلحلة الأزمات» أن المفاوضات العلنية بين طرفين متخاصمين كثيراً ما تفشل عندما تجري تحت الأضواء، لما يتعرض له المفاوضون الرسميون من ضغوط ليس من مراجعهم السياسية وحسب، بل حتى من قواعدهم التي تتابع سير المفاوضات، وتريد أن تعرف أسرارها من خلال صحافيين يرابطون في مقر التفاوض أو حوله، فيسربون معلومات لا يهم أن تكون صواباً أو خطأً، ولكنها تؤثر سلباً، فتتعقد بسببها عقدة انحلت، وتضيف عقدة لم تكن موجودة، هذا غير المعارضة المتربصة للطرفين، فتزايد عليهم وتحرجهم.

بالتالي ابتدعوا فكرة «المسار2» وذلك بالترتيب لمفاوضات سرية تكون في منتجع ريفي أو دولة نائية، يشارك فيها في البداية أكاديميون وناشطون من الصف الثاني، بعضهم لا يعلم أن قيادته على علم بهذه المفاوضات، ويعتقد أن ما يفعله مجرد بحث علمي، وعندما يحقق «المسار2» تقدماً بتحقيق صيغ مقبولة للتفاهم، صالحة أن يُبنى عليها اتفاق، يرتفع مستوى المشاركين، ويتحول المسار إلى مفاوضات جدية، ويبدأ الطرفان بتبادل وثائق قانونية تحدد ضوابط التفاوض، وإلزامية بما يتوصل إليه الطرفان من اتفاقات.

حصل هذا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فبينما كان المرحوم حيدر عبدالشافي والسيدة حنان عشراوي - هل تذكرون هذه الأسماء؟ - وغيرهما من القيادات الوطنية الفلسطينية يجهدون أنفسهم في مفاوضات مضنية مع المحتلين الإسرائيليين أوائل التسعينات في مدريد، كانت هناك مفاوضات سرية لا يعلم بها أحد تجري في أقصى الشمال الأوروبي، بالعاصمة النروجية أوسلو، وهي التي كُللت بالنجاح وأفضت إلى الاتفاق الذي يعيش فلسطينيو الضفة وغزة بمقتضاه الآن، وويلاته أو حسناته، تبعاً لموقفك السياسي.

أعجبتني هذه الفكرة، فقررت أن أتطوع وأفتح «المسار2» بين بلادي المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية في إيران، بعدما صعد إلى السطح ما يمكن أن يسمى «حال الانسداد بين السعودية وإيران»، وتأثيرها السلبي في بقية مشكلات المنطقة، واحتمال أن تؤدي إلى تصعيد ميداني في سورية وغيرها، وتبادل اتهامات بتفجير وتفجير مقابل. لقد تجلت هذه الحال بوضوح بعد اتفاق (5+1) في جنيف الذي نظّم انفراج العلاقات القادم بين إيران والولايات المتحدة، من دون انفراجة مماثلة بين المملكة وإيران، ذلك أن المشروع النووي الإيراني الذي كان موضوع الخصام ثم الاتفاق بين إيران والغرب، ليس هو موضوع الخصام السعودي الإيراني وإن ألقى عليه بظلاله، لذلك اغتنمت فرصة مشاركتي في ثلاثة مؤتمرات بحثية خلال الأسبوعين الماضيين حملتني إلى واشنطن، ثم الريف الإنكليزي، ومنه إلى فيينا لأجرب «مسار2» مع باحثين إيرانيين التقيتهم هناك، وبالفعل التقيت ثلاثة، أولهم باحث مستقر في واشنطن، أما الاثنان فجاءا من طهران، أولهما مستشار في إحدى الوزارات والثاني أستاذ علوم سياسية.

قبل أن يتحمس أحد القراء ويصف ما حصل بأنه رسمي وجاد، أؤكد أنه لم يكن رسمياً ولا جاداً، فالحديث جرى على هامش المؤتمر في جلسات الاستراحة أو أثناء العشاء، ولم يسجل أي منا ملاحظات، ولكنهم جميعاً رحبوا بفكرة «المسار2» لتفاوض بين السعودية وإيران، وليس ذلك مفاجئاً، فوزير الخارجية الإيراني محمد ظريف ما فتئ وهو يجول بعواصم الخليج إلا ويدعو إلى لقاء يفضي إلى تعاون ومحبة وإخاء مع المملكة! ولكن السيد ظريف ذكرني بما قلته لأستاذ العلوم السياسية الإيراني في فيينا: «أنتم تريدون أن تأكلوا الخروف وتتركوه سليماً في المرعى في الوقت نفسه. تريدون علاقات جيدة مع المملكة من دون أن تنسحبوا من سورية مثلاً، والكف عن التدخل في المنطقة».

في بداية حديثنا في «المسار2» عمد الإيرانيون إلى العبارات الشعاراتية، مثل «ما لكم وللديموقراطية في سورية؟ أنتم لستم بالدولة الديموقراطية». أعتقد أن ردي كان مقنعاً إذ قلت: «نعم هذا صحيح، ولكن لسنا نحن من صنع أو دعا إلى الثورة السورية، ثمة شعب سوري يطالب بتغيير النظام، فإما أن نقبل أن نتركه يذبح منكم ومن النظام، وإما أن نساعده، وحتى لو تخلينا عنه فلن يخلد للسكينة وسيستمر في انتفاضته، وكلما طال أمد الصراع كلما تورطتم أكثر فيه». رد عليّ أحدهم أن ليس كل الشعب ثار على بشار، وأن الحل هو الانتخابات، فأفضى الحديث إلى ضرورة تعاون سعودي - إيراني في «جنيف2»، وأصررت على أنه لا يمكن الحديث عن تعاون في «جنيف» أو غيرها، ولا عن انتخابات، طالما هناك جندي سوري نظامي يطلق النار على شعبه، وإيراني يساعده في ذلك.

في جولة أخرى من «المسار2» مع المستشار الإيراني، استعرضت معه قائمة التدخلات الإيرانية التي نشكو منها في المنطقة، وسألته بعدها: «هل لديك قائمة مماثلة تشكون فيها من تدخلات سعودية في إيران؟»، فرد أنه غير مطلع على مسائل أمنية كهذه، ويحتاج إلى أن يسأل في طهران عن ذلك، ثم مضى قائلاً: «إن المملكة لم تقبل صدقاً بالجمهورية الإسلامية، وأنها كادت لها في الماضي، وسترحب بأي عدوان يحصل عليها من إسرائيل أو الولايات المتحدة»، وهو ما نفيته بناءً على اتفاقات عدة، بعضها أمني مبرم بين البلدين، والزيارات التي حصلت في الماضي بين زعماء البلدين، وأن المملكة أعلنت غير مرة رفضها أي عمل عسكري ضد إيران، وأنها لن تشارك في ذلك.

واصلنا الحديث ونحن نأكل معاً الطبق النمسوي الشهير «شنتزل» مع البطاطس المهروسة في نهاية الأمسية، وحققنا قليلاً من التوافق، وتخلى كل منّا عن الجدل والعبارات الشعاراتية التي تصلح للمناظرات التلفزيونية فقط، واتفقنا أن السلام سيكون مفيداً للجميع، وشرح لي كيف أن إيران أنهكتها العقوبات، وأنها تريد أن تتفرغ للتنمية الاقتصادية، فثلث شبانها عاطلون من العمل. أستاذ العلوم السياسية قال إنه يتوقع أن تخفف إيران خلال العقد المقبل من تدخلاتها الخارجية، فقلت له: «ولِمَ ننتظر عقداً كاملاً يكلفنا ويكلفكم الكثير؟» رد قائلاً: «يجب أن تعرف إيران من الداخل أكثر، لا توجد قوة واحدة هناك، يجب أن تتحدثوا الى الجميع هناك».

كانت بداية مشجعة لـ «المسار2» بين المملكة وإيران، ولكنها تحتاج إلى صبر وإدراك بأنها رحلة طويلة جداً بين جارين عمرهما أكثر من 3 آلاف عام، فلِمَ لا نجربها حتى مع استمرار المواجهة بيننا؟

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط