تاريخ النشر: 2025-02-12 | 16:52
تاريخ النشر: 2025-02-12 | 16:52
في مشهد سياسي يعيد نفسه بأدوات وأسماء جديدة، يطلّ علينا القرار الأميركي بترحيل سكان غزة إلى مصر والأردن، وكأن التاريخ لا يتعب من التكرار، ولا الجغرافيا تسأم من إعادة ترتيب المآسي على مقاس المصالح الدولية. فهل نحن أمام “سوق عصر” جديد، حيث الرأسمالية تتسع، والأوطان تضيق، والفقراء يُزفون إلى قدَرِهم تحت رايات “السلام” المصطنع؟
أمريكا.. قاتلة الشعوب تحت قناع الصداقة
“من حقي أقول: يا مصر، وتقوللي دولة صديقة؟!”، هكذا صاح الأبنودي يومًا، وهو يرى أميركا تغرس خناجرها في خاصرة الشعوب باسم التحالفات والمصالح. فمنذ عقود، لم تكن أميركا صديقة لأحد إلا لرأس المال، ولم تكن وفية إلا لمصالحها التي لا تعترف بسيادة، ولا تحترم حقًا للشعوب في تقرير مصيرها. فهل يُعقل أن تكون الدولة التي دعمت الاحتلال الصهيوني، وزوّدته بالسلاح والفيتو، هي نفسها التي تتحدث عن حلول إنسانية لسكان غزة؟
إن القرار الأميركي بتهجير الفلسطينيين من أرضهم ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لسياسة قديمة، شهدتها بورسعيد والسويس وقناة السويس يوم كانت مصر تواجه الاستعمار، وشهدها العراق وسوريا ولبنان، حيث كانت واشنطن تخلق الأزمات ثم تعرض “الحل”، والحل دائمًا يصب في مصلحة إسرائيل. “أنا عدوي في إسرائيل، وإسرائيل في أميركا، وأميركا في إسرائيل، ودي مش عاوزة دليل”، يقول الأبنودي، وكأنه يخاطب الحاضر بلغة الماضي.
التهجير.. مشروع أمريكي صهيوني متجدد
لم يكن التهجير القسري يومًا خيارًا إنسانيًا، بل كان دائمًا سلاحًا سياسيًا بيد القوى الاستعمارية، تهدف من خلاله إلى إعادة تشكيل الخرائط البشرية بما يخدم مشاريعها. فما أشبه اليوم بالأمس، حينما كان الفقر والبطالة والحرمان وسائلَ ضغط لإجبار الشعوب على الرحيل، تمامًا كما يحدث الآن في غزة، حيث الحصار والجوع والدمار يدفعون الناس إلى خيارين: الموت أو الهروب.
وكما خرجت الشعوب العربية يومًا تهتف ضد الاستعمار، مطالبة بوطن حر ومستقل، فإن الفلسطينيين اليوم يدركون أن قضيتهم ليست مجرد أزمة إنسانية، بل هي معركة بقاء، معركة وجود في وجه مشروع يريد لهم أن يكونوا مجرّد أرقام في مخيمات الشتات، لا أصحاب أرض وتاريخ.
ما بين القاهرة وعمّان: مؤامرة أم حصار جديد؟
إن محاولة تهجير سكان غزة إلى مصر والأردن ليست مجرد “مبادرة إنسانية”، بل هي فخّ سياسي بامتياز، يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر تحويلها إلى مشكلة لاجئين بدلاً من كونها قضية تحرر وطني. لكن كما فشلت المشاريع السابقة، من التوطين إلى “السلام الاقتصادي”، فإن هذا القرار لن يمر، لأن الفلسطيني الذي رفض الرحيل منذ النكبة، لن يقبل اليوم أن يكون وقودًا لمعادلات سياسية تُطبخ في واشنطن وتُنفذ في تل أبيب.
بين الشعب والأنظمة: من يقف مع فلسطين؟
الرهان اليوم ليس على الحكومات، بل على الشعوب. فكما وقفت بورسعيد يومًا ضد العدوان الثلاثي، وكما خرجت الشعوب العربية تهتف ضد الاستعمار، فإن الشارع العربي لا يزال يؤمن أن فلسطين قضيته المركزية، وأن أميركا ليست صديقة، بل عدوٌّ يرتدي ألف قناع.
إن قرار التهجير هذا ليس مجرد خطوة على رقعة الشطرنج السياسي، بل هو اختبار للعالم بأسره: من يقف مع الحق، ومن يبيع القضية في أسواق “العصر الجديد”؟