تاريخ النشر: 2024-10-03 | 13:13
تاريخ النشر: 2024-10-03 | 13:13
الشاهد لا يستوعب ما يجري، فيدعو الاخرين لمقاسمته هذا الذهول، قل لي أنت. و شاركني هذا الذهول! بعد أن هتكوا ستر الكرام الطيبين الذين تعودوا ألا ينطقون و يتألمون في صمت، كما يحدث للناس إذا امتدَّت القضية إلى الخيمة، و الخيمة إلى محرقة وطال امتدادها...الناس تُبهت بشراتهم، ويصبح للعيون شبح إنطفاء، ويتغيَّر شكل الجسد ولا ينتهي، لا يوجد أكل! مين يوفر المياه له يشرب إذا عطش؟ مين يسقيه؟ مين يسأل عنه؟ وهل يخاف عليهم أحد؟ ثيابه كانت تبدو وكأنه لم يخلعها منذ أيام كما لو كانت أردية خيام أو هلهيل أرض الخراب.
دموعًا تهطل على الفور من عينيه دون بكاء، كانت دموعه أكثر من حروف ومن كلمات لم ينطقها. لتغرق الكلمات وتغص الحلق، وتصنع الدموع خطين رفيعين من سواد على وجنتيه، تناهي الكلام إلى وعيه غريبًا مدويًا، وانطلقت عينيه تستكشف الكوم اللانهائي من الخيام المتناثرة، تحت السماء السوداء ذات الضوء الشاحب والقمر المكسور الذي بدأ يزحف صوب الأفق، لا شيء سوى الخيام الكثيرة، وكأنها جسد عملاق كبير مصنوع من ملايين الخرق البالية.
قال: قولاً واحداً ...نحن من نتآمر على أنفسنا، فالحفاظ علي سلامة البلاد والدفاع عن حق شعبنا في الحرية والاستقلال، والحياة الآمنة، هو الواجب الاول للجميع، وما يحدث من دمار وقتل وخراب ديار، ومن نزوح جماعي قسري الي المجهول وبالصورة الكارثية المفجعة التي نراها، والناس يهيمون علي وجوههم لا يعرفون الي اين يفرون هربا من جحيم القصف العشوائي والمستمر، وايضا مخطط الانقسام والخراب الصهيوني مستمر.!! كل ذلك والحرب ما تزال مستمرة ولم تكتمل حلقاتها بعد...فمن الذي يتآمر علينا؟
الشاهد قد تغيَّر بعد النزوح وتسلم دوره في منتصف طابور المحرقة. كل ما في المكان يضج به، الأرض والخيام ورغبات الناس والخوف والصغار، في وطن أدمن أهله الصمت، والمصالح كانت صناعتهم.
ثم قال: نحن ليس في بلد أوروبي لتتكشف فيها الأسرار الفظيعة وأوساخ طبقات انقسامية يمكنها التفوق على أعتى المافيات فساداً وإجراماً، و في كل محرقة تجد آثارهم، ضجة، وتناثرت الشتائم من هنا وهناك، وكثرت التعليقات، ثم خمد الكلام وانقطع، ودلفنا إلى نيران المحرفة لا يعكِّره صرير و لا صراخ الدائم، ولا شلال الدم المتصل، وظَلِلنا وقتًا طويلًا صامتين، صمتًا حائرًا مضطربًا، صمت العاجزين... ليقول مصيبة وجت لنا على الآخر.
الأحداث كثيرة، وغريبة ومتابعة، وكلها تحدث في يوم واحد. يتنفس بعمق فتمتلئ أنفه برائحة البارود، والدخان يتصاعد غمامة كثيفة داكنة فيها أضواء كثيرة صفراء معطوبة تكاد تخنق كل حي لا يرزق . أصوات رهيبةً كئيبة كخيمة غامقة مسدلة على جريح.
مضت أيام وهو يترقَّب، كل ما يُهمه هو اللحظة التالية وما يحدث فيها. والكلام لا يدور في جو الترقُّب، ولا يدور ساعة الضيق، كل شيء قد حدث على حين بغتة.
- كان في بيته وأعماله، وحين قرر الغرباء، قرار
خطير يعتمد على رغبات مجهولة في العالم المجهول،
وإذا به في طريق المحرقة، وكأن لا ينقصها سوى الاحتكاك لتشتعل. فالمحرقة حادةً وباترة نشبت فجأة، ولم نكن حتى تلك اللحظة قد سألنا أنفسنا أبدًا،
أو ناقشناها، ولم يكن أحد قد سألنا. كل من علم أننا ذاهبون كان يتمنى لنا الخراب...القريب والبعيد ولا يستغرب، ولم يدخل ما قالوه عقل كل منا ، ولا في عقول الآخرين، ولا حتى في عقل الغرباء؛ نحن منذ تنفيذ مخطط الانقسام والخراب الصهيوني- صامتون رغمًا عنا..!! لم نسأل أنفسنا ولا مرة تلك الأسئلة التي تسبق العمل الخطير.
يا عزيزي: تصدق إن إحنا منذ تنفيذ مخطط الانقسام والخراب الصهيوني، لم نختار أي حاجة؛ لا رئيس ولا برلمان، ولا حكومة ولا نظام سياسي، ولا نظام اقتصادي ولا أي قرار يمس حياتنا ويؤثر فيها بشكل مباشر، إحنا يا أخي حتى ما اخترنا كيف نعيش!!
وأصبح أهم شيء لدينا أن لا نرى ولا نسمع ولا نتكلم، فقط كل حي يجهز نفسه للمشهد القادم، و الإبادة العاجلة مجانا ...تصور!!
الشاهد .. يفيق فيجد نفسه متجهًا إلى مكان معين، هكذا، بلا وعي أو تفكير، وقد جعلنا سؤال الشاهد نفيق، وحين أفقنا كان كل شيء أمامنا قد انتهى ، ليس من الحق ان تقول لماذا نحن ذاهبون؟! لم نسأل أنفسنا ولا مرة. حتى إذا سألنا لم نجد جوابًا معقولًا أو مقبولًا. كل ما وجدناه كان إحساسًا بالخوف كبيرًا لا يترك لنا مجالًا للتفكير أو السؤال؛ إحساس أن شيئًا هائلًا مؤلمًا قد يحدث هنا وأننا يجب أن ندفع بدون حساب، وبدون سؤال، هذا ما حدث؛ إلا أن يتذكر عودته، وتفاصيل قديمة، ثم ينفيها على عجل من ذاكرته. وأصبح أهم شيء لديه أن لا يرى، ولا يسمع، فقط يجهِّز نفسه للمشهد القادم، و الإبادة العاجلة والكلمة التالية، من الذي يتآمر علينا؟ فقال: آخر كلام...نحن من نتآمر على أنفسنا.