تاريخ النشر: 2023-06-11 | 09:20
تاريخ النشر: 2023-06-11 | 09:20
رجاء التدبر والتريث.. لا تتعجلوا الرد.. الموضوع مهم جدا وحساس ولكن لابد من اثارته لأن آثاره عظيمة على واقع العرب والمسلمين اليوم.. وهنا لابد من المفتاح، وتتقدم فلسطين بكل وضوح لتكشف منظومة المفاهيم وحقيقة المشاريع فهي ليست خيارا سياسيا في التدافع بين القوى العالمية والمنطقة فقط بل هي نظام فكري ومفاهيمي ومعياري ليس سواه يصلح لكشف الحقيقي من المبتدع في الافكار. ما هو موقف الحركات الإسلامية العربية من فلسطين؟ يبدو لابد من التنويه ان المطلوب ليس إجابة على الصعيد العاطفي إنما على صعيد البرامج والخطط؟ سؤال صعب ومثير وملفت وهنا لا نناقش الحركة تربية وأخلاقا وتصديا للتغريب والعلمنة ولا نظما داخلية، ولا نتحدث عن ثقافة وكفاح وجهاد ضد العدو الصهيوني في مراحل معينة معزولة.. ولا ندخل دائرة التشكيك ابدا.. فقط نتعامل مع الوقائع كما هي لأننا نعتقد ان الخلل في دائرة الوعي وترتيب الأولويات.
الحركة الإسلامية بين مرحلتين: لقد كانت الحركات الإسلامية العربية في معظمها قبل التمكين تخوض نضالا واسعا لصالح القضية الفلسطينية وضد الكيان الصهيوني وعملائه والمطبعين معه ولقد تعرضت قياداتها للسجن والتشريد بل والقتل لانها رفضت كامبديفد وأوسلو والتنازل عن شبر من ارض فلسطين..
وذلك بوضوح لان فلسطين تحمل من الشحنات الدينية والتاريخية ما لا يمكن لأحد من المسلمين تنكره، وهنا يمكن تسجيل عطاءات مميزة للحركة الإسلامية تجاه فلسطين قضية المسلمين الفاقعة..
لكن الى أي مدى يستمر هذا الموقف لاسيما عندما تستطيع الحركات الإسلامية الوصول الى درجات التمكين؟ وهذا يقودنا الى سؤال ما هي حقيقة ماهو وضع القضية الفلسطينية في سلم الأولويات والقضايا؟ لقد جاهدت الحركة الإسلامية في حرب 1948 من خلال متطوعين على ارض فلسطين ولكنها سريعا ما انسحبت بمجرد انسحاب الجيوش الرسمية و تركت الشعب الفلسطيني الأعزل وحده في المعركة عشرات السنين فيما انشغلت هي بالاشتباك بالنظام السياسي حول قضايا أخرى ظهرت كأولوية لها في حضورها السياسي وخططها..
من الملفت ان الحركة الإسلامية العربية لاسيما في بلاد الشام ومصر جمدت كل نشاطاتها في تبني القضية عمليا ودخلت مواجهات مع الأنظمة حول أولويات سياسية واقتصادية أوصلت بعديدهم الى السجون والتشتت، ولم يتبادر الى الذهن ان تقوم الحركة الأخوانية بدعم شباب فلسطين في كفاحهم بالرجال والمال والعتاد.. بل رفضت ان تكون في جبهة التصدي للكيان الصهيوني التي قادها الحاج امين الحسيني وحتى بعد ان انطلقت المقاومة الفلسطينية المعاصرة في 1965 مما يشير الى اهتمام اخر لدى الحركة الإسلامية وأولوية أخرى وهكذا سارت عشرات السنين على خط متميز بموقفها بفرعيها الاول: تجاه العدو الصهيوني المحتل حيث عدم إعطاء شرعية لوجوده، والثاني عدم المشاركة او الدعم للمقاومة الفلسطينية. نشط الحاج امين الحسيني ومن بعده ياسر عرفات في تكريس كيان سياسي فلسطيني حتى لو في جبهات القتال.. لم يتوقف الفلسطينيون عن القتال على مدار قرن من الزمان لم نر حضورا للإخوان في جبهات المواجهة العملية رغم انتشارهم في البلاد حول فلسطين لاسيما الأردن، بل وجدنا منهم دوما تنافسا على قيادة النقابات وانتزاعها من أيدي أنصار المقاومة الفلسطينية الأمر الذي لا يمكن تمريره هكذا دونما وضعه في إطار الصراع بين التمثيل السياسي الفلسطيني والإصرار الصهيوني على هدم أي مكون سياسي فلسطيني.. ولقد عايشنا حالة الشيطنة لمنظمة التحرير الفلسطينية من قبل الحركة الإسلامية وإلقاء كل التهم عليها بدءا بالعلمانية وانتهاء بالتفاوض مع العدو. لقد تساوت الحركة الإسلامية مع الحركة القومية واليسارية في النظر الى القضية الفلسطينية، فلم تعتبر احدها ان الملف الفلسطيني هو الأولية التي يجب ان توضع لها الخطط والبرامج إنما هناك أولويات مقدمة فلئن كان النظام الإسلامي لدى الحركات الإسلامية هو الأولوية، فالوحدة هي الملف الأساسي الذي يكثر عنه الحديث لدى الحركة القومية، وكذلك كان الصراع الطبقي ومتوجا بانتصار البروليتاريا والتقدمية الماركسية هدف أساس أمام الحركة اليسارية. ولقد كان الاشتباك حادا بين التيارات الثلاثة على السيطرة على نظام الحكم ولكل مبرراته الفكرية وكان صراعا داميا وصل ذروته في الاشتباك بين الإسلاميين واليساريين في أفغانستان وبين الإسلاميين والقوميين في سورية، والقوميين والإسلاميين في العراق، لقد كانت معارك طاحنة نشط فيها الإسلاميون للدفع بالمال والبنين في معارك استمرت عقودا من الزمن لم تحظ فلسطين منهم بأقل القليل من هذا الاهتمام..
لقد كانت معارك طاحنة بين القوميين وكذلك داخل الإسلاميين واليساريين الأمر الذي يعني ان الجميع دخل الملهاة الكبرى.. ولم يتوقف الغياب المذهل على عدم مشاركة الحركات الإسلامية العربية انما والأدهى ان تصبح حركة إسلامية شرق النهر وجل أبنائها فلسطينيون وان كان الأردنيون لا يقلون انتماء لفلسطيني ولكن للأسف رغم أنها تقف على أطول حدود مع فلسطين لم يصدر عنها عبر عشرات السنين من عمر نكبة فلسطين أي فعل مقاوم للاحتلال والاستيطان في حين انطلق بعض قادتها مقاتلين هناك في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي.
من المؤكد ان التوجه السياسي بمثل هذا الانزياح عن فلسطين للاشتباك في قضايا ملتبسة بعيدة عن القضية الفلسطينية كان يجد سهولة في التحرك وتسهيلات لوجستية عديدة من أطراف دولية وإقليمية لصرف طاقات الشباب الى ميادين أخرى.. الأمر الذي ترك الفرصة سانحة لتمدد المشروع الصهيوني على ارض فلسطين لابتلاعها وتنامي قوة المشروع الصهيوني في الإقليم..
لقد كان انشغال الحركة الإسلامية بمعركتها السياسية حول النظام والحكم بالغا ويكفي ان نترك الأرقام تتحدث حول الملتحقين من أبنائها بجبهات القتال ضد السوفيت في أفغانستان وضد النظام السوري، في حين لم نجد أيا من الحركات الإسلامية العربية تدفع بأبنائها الى الالتحاق بالمقاومة الفلسطينية على مدار عشرات السنين..
ولقد خاضت المقاومة الفلسطينية أشرس المعارك في لبنان ضد الكيان الصهيوني مقطوعة من أي دعم من قبل الحركة الإسلامية.. هذا هو الواقع الذي عاشته القضية الفلسطينية في المرحلة ما قبل التمكين. لكن حتى تكتمل الصورة فلابد من الإشارة الى ان هناك مفارقة عجيبة ففي حين لم تشترك الحركة الإسلامية العربية في المقاومة الفلسطينية ولم تساندها خلال عشرات السنين كما فعلت في الحرب ضد الأنظمة الا أنها كانت تعلن موقفا قويا وصارخا ضد التسوية والعمل الدبلوماسي والاتفاقيات والمفاوضات.
ففي مصر وتونس والمغرب وحتى تركيا عندما كانت الحركات الاسلامية في خندق المعارضة مطاردة ومشردة كانت ترفع راية فلسطين وتدين النظام لعمالته او تطبيعه او علاقاته مع الكيان الصهيوني وتربط بين وضعها المازوم وعلاقات الانظمة بالكيان الصهيوني..
ولا يمكن أن ننسى مواقف الشيخ التلمساني ومجلة الدعوة من كامبديفد حيث كان لرفضه كامبديفد السبب في اعتقاله مع الاف المصريين ولا ننسى مواقف الغنوشي والنهضة من فلسطين حيث اعتبروا ان فلسطين اية من القران الكريم لاينبغي التنازل عن أي حرف منها، ولا يمكن أن ننسى موقف اخوان المغرب ضد الكيان حيث المظاهرات المؤلفة تجوب شوارع المغرب تنديدا باي تفريط بفلسطين ..وكذلك الحال في تركيا حيث بدأ التيار الاسلامي بروزه ضد الصهيونية والماسونية حسب شعاراته .. لكن الامر صادم عندما تصل هذه الحركات الى السلطة حينها نسمع كلاما أخرا ونرى منطقا مختلفا ولغة جديدة فهي تجعل الملف الفلسطيني مؤجلا او مغيبا وتسير في نفس فلك الدولة العميقة- جسب قولها- فتقر كل الاتفاقيات السابقة مع الكيان الصهيوني بدون وعي ويتم تجميد أي حديث عن العدو الصهيوني بل ويتم تواصل مع قادة الكيان الصهيوني برسائل واشراف على مفاوضات بشكل مباشر وغير مباشر بل ويصل ببعضها الامر إلى توقيع اتفاقيات استراتيجية مع العدو كما حصل في المغرب.. وفي تونس لم تسمح حركة النهضة عندما كانت في الحكم بتمرير قانون يجرم التطبيع.. اما جماعة تركيا فهي بحجة انها ورثت وضعا سياسيا وثيقا مع الكيان الصهيوني لم تعد مواقفها من القضية الفلسطينية حدود الكلام والشعارات.. ولقد اسهمت الحكومة في تركيا في ازمة سورية وكانت معبرا لعشرات الاف المقاتلين في سورية ولازالت تتعامل مع القضية السورية كاولوية على الصعيد الخارجي للدولة.. فوضى اولويات وغياب الوعي الاستراتيجي: لم تكن فلسطين في أي يوم هي القضية المركزية او الاولى للحركة الاسلامية العربية..
هنا لا نتكلم عن العواطف والمهرجانات بل وحملات الدعم المادي مؤخرا بعد ان دخل الجناح الفلسطيني للاخوان في المعركة في المرحلة السابقة.. نحن نتحدث عن تبني عملي مبرمج منهجي للقضية على الاقل على صعيد واحد مع معارك الحركات الاسلامية ضد الشيوعيين والقوميين في افغانستان ضد الاتحاد السوفيتي وفي سورية ضد النظام السوري. هنا انا لا أدين ولا انتقد..
إنما فقط الاحظ ملاحظات ابحث من خلالها عن منظومة الوعي السياسي لدى الحركة الاسلامية العربية ومفاهيم الوعي السياسي.. اذن النقاش هنا إنما هو لمنظومة الوعي السياسي لدى الحركة الاسلامية.. ورغم فوضى المفاهيم واضطراب المواقف الا انه لا ينبغي مناقشة البعد الأخلاقي او التربوي..
إنما العقل السياسي لدى الحركات الاسلامية الذي يعاني من عطب خطير يجعلها تدور في مسلسل التجارب والاخطاء والاشتباك الداخلي حول الاجتهاد وليس ضد العدو الوجودي. لم تدرك قيادات هذه الحركات ان عمى التوجه وفوضى الاولويات والانقياد الغريزي في معارك هامشية والابتعاد عن معركة فلسطين سينتهي بهذه الحركات رغم مسايرتها للموقف الدولي وتوجيهات الدولة العميقة ان يطوح بها و تخرج من المسرح السياسي بعد ان يكون التوجيه غير المباشر قد استنفذ مهمته في الاشتباك الداخلي..
لم تجد كل التنازلات نفعا ولم ينفعها شيئا ان لا تشتبك عمليا في الموضوع الفلسطيني بمالها وابنائها ولم تشفع لها هذه السلبية من القضية الفلسطينية.. وما كان الإغراء بموقف باهت من فلسطين والصراع الا لدفعها خارج المشهد غير مأسوف عليها. لقد كان الموقف من فلسطين ليس فقط بعدا اخلاقيا وهو اساس مهم في حركة ترفع شعار الاسلام انما وهو الاهم انه يصنع منظومة وعي سياسي يجنب الحركة الاسلامية المعارك الداخلية لان وحدة الصف الداخلي على ضوء فهم القضية الفلسطينية في اطارها الصحيح كعنوان للصراع بين امتنا والمشروع الاستعماري سيحصن جبهتنا الداخلية وسيدرك كل طرف ان صراعا داخليا سيكون حتما لصالح القوى المعادية.. الاستخلاص الضروري: ان قضية فلسطين تمثل مرجعية فكرية وقاعدة معيارية تستطيع انقاذ الحركات والتوجهات من فوضى المفاهيم وفوضى الاولويات وتدفع الجميع الى تجميد الصراعات الداخلية في الامة وتدفع الى بناء القوة الداخلية والتماسك كما انها تسهم بقوة في ابراز قوة المجتمع والامة في مواجهة عدو يراهن على ضعف الامة وتناحرها وتمزقها وفقرها وجوعها.. ان وعي فلسطين على هذا الاعتبار سيدفع الى استبدال البرامج والمناهج بشكل عميق وسيغير المشاعر والانتماءات والاهداف. من جديد اريد التأكيد انني اقدم ملاحظات لا تندرج تحت عنوان نقد ولا إدانة واكون سعيدا ان انبرى احد القراء الكرام بالرد بوقائع محددة على وقائع محددة ذكرتها.