تاريخ النشر: 2026-08-28 | 15:22
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-08-28 | 15:22
تشير استطلاعات الرأي المتتالية إلى احتدام المنافسة وتصاعد التوتر في المشهد الانتخابي الإسرائيلي بين اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو، وقوى الوسط واليمين الوسط، التي يمثلها ديزنغوت وبينيت ولابيد، إلى جانب أحزاب أخرى تسعى إلى الحفاظ على حضورها التقليدي. لكن خلف صراع المقاعد والأرقام يبرز سؤال أكثر حساسية: من سيتمكن من تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة، وهل يستطيع نتنياهو أن يمنع سقوطه السياسي؟
فنتنياهو يواجه أزمة متفاقمة؛ تماسك تحالفه يتراجع، والخناق السياسي يضيق حوله، واحتمالات انتهاء مرحلته السياسية لم تعد مجرد سيناريو بعيد. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الأمن بالنسبة له أكثر من ملف سياسي؛ يتحول إلى طوق نجاة.
ومن هنا يمكن فهم تصعيده المتواصل. فكلما ارتفع منسوب التوتر ، تراجعت الأسئلة عن إخفاقاته الداخلية، وتقدمت إلى الواجهة صورة «الزعيم القادر على حماية إسرائيل». وكلما غاب النقاش حول أدائه السياسي، حضر «العدو» بمفهوم اليمين المتطرف بوصفه أداة جاهزة لإعادة ترتيب الأولويات، وترميم التماسك داخل معسكره، واستعادة المبادرة التي يفقدها في الداخل.
لكن الأخطر أن نتنياهو لا يكتفي بانتظار الذريعة؛ بل يبدو أنه يبحث عنها، ويعمل على استدراج الفلسطينيين إليها.
ومن هنا تبرز الصلة المباشرة بين أزمته الداخلية ومحاولات تصييد الفلسطينيين ودفعهم إلى ردود فعل يمكن توظيفها سياسياً. فحين يعجز عن معالجة أزمته في الداخل، يصبح التصعيد الخارجي وسيلة لإعادة توحيد معسكره، وتحويل الخلافات السياسية إلى مواجهة أمنية، وتقديم نفسه بوصفه الطرف الأكثر تشدداً وقدرة على إدارة الصراع.
ويقدم استحضار قضية الطائرات الورقية وتحويلها إلى ملف أمني يستدعي اجتماعات عسكرية وأمنية مكثفة نموذجاً دالاً على هذا النهج، فيما تبقى التوترات الإقليمية على صفيح ساخن، جاهزة للاستحضار كلما احتاج نتنياهو إلى نقل النقاش من أزمته الداخلية إلى ساحات المواجهة.
وفي السياق ذاته، يتواصل توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، بالتوازي مع إطلاق العنان لمزيد من توحش المستوطنين واعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم. وليس من الصعب رؤية ذلك في إطار أوسع من محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، وإبقاء حالة التوتر مفتوحة، بما يوفر للائتلاف اليميني المتطرف أدوات إضافية للتصعيد، ويدفع الفلسطينيين إلى ردود فعل، مهما كانت دوافعها محقة ، يمكن إعادة توظيفها في المعركة السياسية والانتخابية الإسرائيلية.
لذلك، فإن قراءة الفلسطينيين للمشهد الإسرائيلي لا ينبغي أن تقتصر على متابعة التصريحات أو التحركات العسكرية، بل يجب أن تمتد إلى فهم دوافعها السياسية الداخلية.
فنتنياهو لا يبحث فقط عن مبرر للعدوان؛ إنه يبحث عن مبرر لبقائه.
وكل رد فعل فلسطيني يمكن أن يُقدَّم للرأي العام الإسرائيلي باعتباره تهديداً أمنياً، ثم يُستخدم لتبرير المزيد من العدوان على غزة، وتعميق الاستيطان، وتوسيع عمليات الضم، وإعادة شدّ عصب التحالف اليميني المتطرف.
إن اللحظة الراهنة بالغة الدقة والخطورة، وعلى كل حريص على الشعب الفلسطيني وقضيته ووجوده على أرضه أن يدرك مسألتين مترابطتين: الأولى، عدم الإسهام بأي شكل في إعادة نتنياهو إلى الحكم؛ والثانية، عدم تقديم أي مبرر، مهما كان، لتدمير ما تبقى من قطاع غزة، واستمرار مخطط التهجير، وإطلاق يد المستوطنين لمزيد من التوحش.
فاليمين الإسرائيلي المتطرف لا يحتاج في الأصل إلى ذرائع، لكنه يعمل باستمرار على دفع الفلسطينيين إلى ردود فعل، حتى تلك التي تكون مشروعة في دوافعها، ثم يعيد تقديمها باعتبارها دليلاً على الحاجة إلى مزيد من القوة والعدوان.
وهكذا تتحول المعاناة الفلسطينية إلى وقود في ماكينة السياسة الإسرائيلية، ويصبح الدم الفلسطيني مادة في الصراع على المقاعد والحكم؛ فالتصعيد يوسع العدوان، والعدوان يعزز خطاب اليمين، وخطاب اليمين يعيد نتنياهو إلى موقع «المنقذ» الذي يريد أن يظهر به أمام الناخب الإسرائيلي.
وعليه، فإن حماية ما تبقى من غزة، وإفشال مخطط التهجير، وتجنب الوقوع في محاولات التصييد التي ينصبها نتنياهو وحلفاؤه، ليست مسائل تكتيكية عابرة، بل مسؤولية وطنية تفرضها طبيعة المرحلة.
فالمعركة لا تدور فقط حول ما يجري في غزة، وإنما أيضاً حول قدرة نتنياهو على تحويل دم الفلسطينيين ودمار القطاع إلى وسيلة للخروج من أزمته الداخلية والعودة إلى الحكم.
ومن هنا، يصبح إفشال محاولات التصييد جزءاً من مواجهة مشروع نتنياهو السياسي القائم على العدوان والتدمير والتهجير، بقدر ما هو دفاع عن الشعب الفلسطيني وحقه في البقاء على أرضه.
غزة – 28-8-2026