مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

«نازا».. شهادة من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على حرب غزة

«نازا».. شهادة من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على حرب غزة

تاريخ النشر: 2026-10-16 | 15:13

د. عبد الرحيم جاموس
د. عبد الرحيم جاموس

ليس فيلم «نازا» الوثائقي مجرد عمل سينمائي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي لعام 2026، بل هو شهادة سياسية وأخلاقية تستحق التوقف أمامها، لما يطرحه من أسئلة خطيرة حول طبيعة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وآليات اتخاذ القرار العسكري، وحدود المسؤولية عن قتل المدنيين الفلسطينيين وتدمير مقومات حياتهم.
تكمن الأهمية الاستثنائية للفيلم، الذي أخرجه الإسرائيليان يوڤال أبراهام وراشيل زور، في اعتماده على شهادات 24 من الجنود وضباط الاستخبارات الإسرائيليين الذين ارتبطت أعمالهم بالحرب على غزة. فبدلاً من الاكتفاء بشهادات الضحايا أو روايات المراقبين الخارجيين، يحاول الفيلم الاقتراب من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، واستكشاف الكيفية التي جرى بها تحديد الأهداف، واستخدام تقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي، والتعامل مع الخسائر البشرية الفلسطينية بوصفها أرقاماً تدخل في حسابات العمليات العسكرية.
ويكتسب عنوان الفيلم دلالة عميقة؛ إذ يرتبط بمصطلح عسكري عبري يُستخدم للإشارة إلى «الأضرار الجانبية»، وهو التعبير الذي يثير بدوره سؤالاً أخلاقياً وقانونياً جوهرياً: متى تتحول المصطلحات العسكرية من أدوات لوصف الوقائع إلى وسيلة لتطبيع الموت، واختزال حياة المدنيين وأسرهم وأطفالهم في تقديرات رقمية تسبق تنفيذ الهجمات؟
إن أخطر ما يطرحه الفيلم، وفق ما نشرته الجهات الصحفية المشاركة في إنتاجه والتغطيات النقدية التي تناولته، ليس مجرد وقوع ضحايا مدنيين خلال الحرب، بل الشهادات المتعلقة بآليات استهداف الأشخاص ومواقع وجودهم، ومدى معرفة الجهات العسكرية باحتمالات سقوط أعداد كبيرة من المدنيين عند تنفيذ بعض الضربات. وإذا ثبتت هذه الممارسات بالأدلة المستقلة، فإنها تتجاوز النقاش حول الأخطاء الفردية إلى مساءلة السياسات والإجراءات وسلسلة المسؤولية داخل المؤسسة العسكرية.
ومع ذلك، فإن الإنصاف المنهجي يقتضي التمييز بين أهمية الشهادة وقوة الإثبات. فوجود 24 شاهداً من داخل المؤسسة العسكرية يمنح الفيلم قيمة تحقيقية كبيرة، لكنه لا يجعل كل ما ورد فيه حقيقة قضائية نهائية بمجرد عرضه. وتبقى مصداقية التفاصيل مرتبطة بإمكان التحقق من الوقائع، ومقارنتها بالوثائق العسكرية المتاحة، والأدلة الميدانية، والشهادات الفلسطينية، والتحقيقات الصحفية المستقلة، وما قد يتوافر من نتائج تحقيقات قانونية مختصة.
كما أن إخفاء هويات الشهود، الذي استهدف حمايتهم من التهديدات والملاحقة، يضع أمام الباحثين تحدياً إضافياً يتعلق بالتحقق من أدوارهم ومدى اطلاعهم المباشر على الوقائع التي يروونها. غير أن إخفاء الهوية لا يُسقط الشهادة تلقائياً، مثلما أن الانتماء إلى المؤسسة العسكرية لا يمنح الشاهد حصانة من المساءلة أو يجعل روايته بمنأى عن التدقيق. والمعيار الصحيح هو الأدلة واتساق الروايات وإمكان اختبارها والتحقق منها.
وتزداد أهمية الفيلم لأنه يأتي من مخرجين إسرائيليين، وفي مواجهة رواية رسمية تسعى إلى تقديم العمليات العسكرية باعتبارها إجراءات تستهدف حركة حماس ومواقعها، مع إرجاع الخسائر المدنية إلى ظروف القتال. فالشهادة القادمة من داخل المؤسسة العسكرية تفتح نافذة مختلفة للنقاش، وتضع المجتمع الإسرائيلي أمام أسئلة تتعلق بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية، كما تضع الرأي العام الدولي أمام ضرورة عدم الاكتفاء بالتصريحات الرسمية، بل فحص ما يجري على الأرض وما يكشفه العاملون داخل المنظومة العسكرية نفسها.
وقد حظي الفيلم باهتمام دولي واسع في مهرجان البندقية، وفاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، كما أثار جدلاً وانتقادات داخل إسرائيل. لكن قيمته الحقيقية لا تكمن في الجائزة وحدها، ولا في حجم الجدل الذي أثاره، بل في قدرته على فتح المجال أمام مساءلة جادة للسياسات والممارسات التي يتناولها، وإخضاع الروايات المتعارضة لمعيار الحقيقة والأدلة.
ومن هنا، فإن التعامل مع «نازا» ينبغي ألا يكون انفعالياً، سواء بالتسليم بكل ما يرد فيه دون تحقق، أو برفضه لمجرد أنه يثير اتهامات خطيرة بحق الجيش الإسرائيلي. الموقف الموضوعي يقتضي قراءة شهاداته بعناية، والتحقق من مضامينها، وربطها بالسجل الموثق للدمار والضحايا في قطاع غزة، وبالقواعد الملزمة للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان المدنيين.
فالقانون الدولي لا يجيز استهداف المدنيين، ولا يجعل استخدام التكنولوجيا المتقدمة أو الذكاء الاصطناعي بديلاً عن المسؤولية البشرية والقانونية عن قرارات الهجوم. كما أن وصف الضحايا بأنهم «أضرار جانبية» لا يعفي أصحاب القرار من واجب التحقق من مشروعية الأهداف، وتقدير الأضرار المتوقعة، والامتناع عن الهجمات المحظورة قانوناً. وتظل المسؤولية الجنائية الفردية رهناً بإثبات الأفعال والركن المعنوي وسائر العناصر القانونية أمام الجهات القضائية المختصة.
إن مأساة غزة لا تحتاج إلى فيلم كي تثبت أن المدنيين الفلسطينيين دفعوا ثمناً كارثياً لهذه الحرب؛ فالدمار الواسع، وفقدان الأرواح، وتشريد العائلات، وتدمير المنازل والمنشآت المدنية، كلها وقائع تستوجب التحقيق والمساءلة. لكن أهمية «نازا» أنه يحاول الاقتراب من الجانب الذي لا تتيحه صور الركام وحدها: كيف تُصنع القرارات، وكيف تُحدّد الأهداف، وكيف تُحسب الخسائر البشرية، وكيف يمكن للغة العسكرية والإجراءات التقنية أن تحجب الإنسان الذي يقف في نهاية كل قرار.
وفي المحصلة، يقدم «نازا» مادة وثائقية تستحق المشاهدة والنقاش والتحقيق المستقل، لا باعتبارها حكماً قضائياً نهائياً، بل بوصفها شهادة من داخل المؤسسة العسكرية تثير أسئلة لا يجوز تجاهلها. فالحقيقة لا تكتمل بجائزة سينمائية، ولا تُحسم بإنكار رسمي؛ إنها تتطلب أدلة قابلة للتحقق، وتحقيقات مستقلة، ومساءلة لا تستثني أحداً.
وإذا كانت هذه الشهادات تفتح ثغرة في جدار الصمت، فإن الواجب السياسي والقانوني والإنساني هو توسيعها حتى تصل الحقيقة إلى المجتمع الدولي، ويُحاسَب المسؤولون عن الجرائم التي تثبتها التحقيقات، ويُصان حق الشعب الفلسطيني في الحياة والحرية والعدالة. فالمعيار النهائي ليس هوية الشاهد أو جنسيته، بل حقيقة ما جرى، وحقوق الضحايا، وضرورة إنهاء الإفلات من العقاب.

×
أخبار
تقرير: «مفارقة الثروة» تحدّ من الفاعلية العسكرية للجيوش الخليجية أمام إيران وثيقة مكتب نتنياهو تكشف مسؤولية الحكومة عن كارثة 7 أكتوبر وتفند روايته الرسمية ليبرمان يهاجم آيزنكوت ويفكك مساعيه للتحالف مع نتنياهو.. ودعم أميركي ودولي لحكومة إسرائيلية موسعة تقرير: رسائل مسرّبة تكشف صلات رئيس الاستخبارات الألمانية الأسبق بالرئيس الأسبق للموساد إعادة التفكير في العلاقات الدفاعية.. إسرائيل تتطلع للتحول من التبعية إلى الشراكة مع أمريكا بعد حديثه عن الحق التاريخي الفلسطيني..ج.بوست تصف أوباما بـ "مُفرّخ معاداة السامية" وزراء خارجية 19 دولة يدينون افتتاح سفارة كولومبيا في القدس: باطل فرق الإرهاب الاستيطانية تهاجم مركبات وأملاك فلسطينية و"تطارد" اشجار الزيتون عبري: نتنياهو رفض اغتيال قادة حماس جوا في غزة وبحث تسهيلات اقتصادية لحماس استطلاع: تعادل الائتلاف الحاكم والمعارضة الصهيونية.. والقوائم العربية الحاسمة دمشق ترد على نتنياهو بعد حديثه عن دروز سوريا.. ولم تنف اتصاله بالشرع ترامب يلوّح بضربة جديدة ضد منشآت إيران النووية.. "أم القنابل" على الطاولة ولا ثقة بنتنياهو الصين تحث إسرائيل على وقف "البناء القسري" للمستوطنات..ومنع الكارثة في غزة شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط