الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

من يوميات النزوح: الجوع والألم وحسرة الكرامة الضائعة

من يوميات النزوح: الجوع والألم وحسرة الكرامة الضائعة

تاريخ النشر: 2025-08-10 | 20:31

د. أحمد يوسف
د. أحمد يوسف

بعد ليلةٍ مثقلة بأزيز الطائرات الحربية ودويّ القصف الذي لا يهدأ، وأرقام الشهداء والجرحى التي تُحصى بالمئات كل يوم، لا يبقى أمام المرء إلا أن يعيش هواجس وكوابيس أنه الضحية القادمة؛ فليس في قطاع غزة موطئ أمان، ومخيمات النزوح هي الأكثر هشاشة، إذ إن استهداف خيمة واحدة يعني حدوث مجزرة،  وسقوط العشرات من النساء والأطفال بين شهيد وجريح. كثيرًا ما يحتضن بطن الأرض الأجساد ساعات طويلة، قبل أن يبدأ الحفر لانتشالها ونقلها إلى "مستشفى ناصر" للتعرّف على الجثث والأشلاء، ثم إدراج الأسماء في قائمة شهداء اليوم.

يحمل بعض الرجال الجثمان او الجثامين لمواراتها الثرى بلا جنازة ولا عزاء. 
ومما يعتصر قلبي بالالم، هو عدم قدرتنا على المشاركة في عزاء أحد من الاقارب والأصدقاء!! فالتنقل هو مخاطرة قد تكلّف المرء الحياة.
 وعليه؛ نحزن ونبكي لساعات، ثم نطوي الصفحة مُكرهين، بانتظار شهيد جديد أو مجزرة أخرى.

في خيمتي المتواضعة في مخيم (منتزه النخيل للنازحين 2) بمواصي خان يونس، تتقاسم قلبي ثلاثة هموم:

أولها: مسؤوليتي عن التكية التي توفّر وجبة طعام وشراب للنازحين في المخيم وما حوله. التزامٌ فرضته علينا إنسانيتنا، ونسعى لتأمينه عبر التواصل مع أصدقاء قدامى ومناشدتهم دعم احتياجات التكية من المواد الغذائية. لكن استمرار سياسة التجويع والحصار، ونهب شاحنات الإغاثة بتواطؤ الاحتلال، أضعف قدرتنا على الاستمرار، وأجبرنا أحيانًا على تقليص خدمات التكية أو إغلاقها مؤقتًا، ما زاد الجوع والوجع وعمّق الحسرة في عيون الناس.

ثانيها: مقالات ورسائل أكتبها كجهد إعلامي، أوجّهها لجهات قد تدرك حقيقة ما يعيشه النازحون، لعلّها تجد صدى أو تنقل صورة المأساة.
تبدأ معاناتنا مع أول الصباح حين نبحث عن وجبة الإفطار. لا غاز للطهي، والمواقد بدائية تعتمد على الحطب أو بقايا البلاستيك والكرتون. الإفطار غالبًا سندويشات "الدقة والزيت"، او علبة سردين أو تونة مع كوب شاي.
في الحقيقة، لا قيمة غذائية لمثل هذه الاطعمة، وهي أشبه 
بالمساعدات الأمريكية (اللاإنسانية) التي يتم تزويد النازحين بها عبر "مصائد الموت"، فهي تفتقر لأي قيمة غذائية، مجرّد "حشو معدة". أما الغداء، فغالبًا شوربة بطاطا أو باذنجان أو كوسا إن وُجدت، وبأسعار باهظة، أو فول وفلافل. نقص الغذاء يجعل الجسد بالكاد يتحرك، فلا أبرح خيمتي، ولا أذهب حتى إلى البحر الذي لا يبعد أكثر من مئة متر.

إذا هدأت الأجواء، عدت إلى قلمي وأوراقي المبعثرة أواصل كتابة مذكّراتي، آملاً أن أنتهي منها خلال شهر أو اثنين. وأحيانًا أستقبل بعض الأصدقاء قرب الخيمة، لندردش في السياسة ونسائل أنفسنا: ما الذي يمكن أن نفعله كنخب مجتمعية أمام احتقان الناس ويأسهم من مفاوضات عقيمة لا تعمل لصالحهم بل تعطي والوقت والذرائع لنتنياهو لمواصلة مخططاته للتهجير القسري.

ثالثها: همّ الشباب الباحثين عما يسدّ الرمق، ومعظمهم من أبناء العائلة. يخرجون كل صباح لمطاردة ما يسمّى بـ"المساعدات الإنسانية الأمريكية" التي تحولت إلى "مصائد موت" يومية لخيرة شبابنا، برصاص الاحتلال . الأمهات تودّع أبناءها صباحًا بقلق، وتظل ساهرة حتى منتصف الليل في انتظار عودتهم.  وبين ذهاب وإياب، يظل القلق سيد الموقف.
وقد ودعنا في مخيمنا بعض الشهداء  وشاهدنا الكثير من الجرحى.

مع الغروب، يخرج الناس من الخيام يستنشقون نسيم المساء، ويتبادلون الأحاديث لتفريغ ما في الصدور: أخبار الحرب والمفاوضات، الشهداء والمجازر، ومعاناة الجوع والعطش. أحيانًا أمكث حتى منتصف الليل، أحدّق في النجوم، وأرصد حركة الطائرات والمسيرات، وأسمع أصوات الانفجارات التي لا تهدأ، تدمّر كل ما يرمز للحياة، وتزرع اليأس في النفوس حتى يفكر البعض بالرحيل القسري او حتى الطوعي، بحثًا عن حياة لا يتهددها الموت في كل لحظة.

أما الخصوصية، فهي غائبة تمامًا في المخيم؛ الضجيج لا ينقطع، الأسرار تتناثر، الصراخ والشتائم تتداخل مع بكاء الأطفال الجوعى: "أنا جوعان، بدي آكل". 
التعارك في المخيم بين الاطفال  والشتائم غدت عادة يومية،  وهي ليست إلا "فشّة خلق" وتنفيسًا عن الغضب.

خلال فترة النزوح، أصبت بمقدمات جلطة مرتين، ونُقلت إلى المستشفى الميداني للصليب الأحمر ومستشفى ناصر.
 أجريت الفحوص، وعُدلت جرعات أدوية السكر والضغط، ونُصحت بتجنّب الانفعال، وهو ترف لا يتيحه الواقع.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يمنحني بعض الطمأنينة والرضى الداخلي هو خدمة النازحين إنسانيًا وإغاثيًا، بفضل دعم بعض الشخصيات الإسلامية المتميزة في عطائها، والمؤسسات كهيئة الإغاثة الانسانية التركية (IHH)، والصليب الأحمر (ICRC)، و"الفارس الشهم 3"، إضافة لصديق اعتز بصداقته من الشخصيات الوطنية في قيادة تيار فتح الإصلاحي، ممن لم يبخلوا علينا بالعون طوال عامين. بذلك، استطعنا حفظ ماء وجه أهل المخيم، وتوفير حدّ الكفاية من الطعام والشراب والتعليم للأطفال.

ومع هذا، تبقى الفوضى والسرقات التي يغذيها الاحتلال، وارتفاع أسعار المواد التموينية لعشرة اضعاف احيانا، وانقطاع  الأدوية والمبيدات الحشرية، لتفاقم الأمراض الجلدية بين الأطفال والنساء. باختصار، تعمل إسرائيل بشكل ممنهج على سحق إرادة البقاء، لتقول لنا: لا مقام لكم هنا!

×
أخبار
تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط