مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

من "الردع" إلى "المنع الإستراتيجي" :"إسرائيل" ما بعد السابع من أكتوبر

من "الردع" إلى "المنع الإستراتيجي" :"إسرائيل" ما بعد السابع من أكتوبر

تاريخ النشر: 2026-05-23 | 08:05

حسن لافي
حسن لافي


لم يكن السابع من أكتوبر مجرد إخفاق أمني واسع النطاق في التاريخ الإسرائيلي المعاصر، بل مثّل لحظة انهيار لمنظومة تصورات حكمت العقل الإستراتيجي الإسرائيلي طوال العقدين الماضيين. فالهجوم لم يُسقط فقط فرضية التفوق الاستخباراتي والقدرة على الاحتواء، وإنما نسف الإطار النظري الذي قامت عليه السياسة الإسرائيلية تجاه البيئة الفلسطينية والإقليمية منذ نهاية الانتفاضة الثانية.
غير أن قراءة التحولات الجارية بوصفها نتاجًا مباشرًا للحرب وحدها تبقى قراءة اختزالية. فالسابع من أكتوبر لم يُنتج العقيدة الجديدة بقدر ما كشف عن مسار تحولي طويل داخل البنية السياسية والأمنية الإسرائيلية، ثم منح هذا المسار شرعية جماهيرية ومؤسساتية غير مسبوقة. لقد كان الحدث بمثابة “المُسرِّع التاريخي” لتحول بدأ فعليًا منذ سنوات، وتحديدًا منذ انهيار مشروع التسوية وصعود اليمين القومي والديني بوصفه القوة المهيمنة على المجال السياسي الإسرائيلي.

أولًا: نهاية عقيدة “إدارة الصراع”.
منذ منتصف العقد الأول من الألفية، تبلورت داخل إسرائيل مقاربة أمنية تقوم على فكرة “إدارة الصراع” بدل حله. والتي تبناها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحت شعار "عقيدة اللا حل"، هذه المقاربة افترضت أن بالإمكان ضمان الاستقرار عبر مزيج من:
الردع العسكري، الاحتواء الاقتصادي، الفصل الجغرافي، والتفوق التكنولوجي والاستخباراتي.
ضمن هذا التصور، لم تكن إسرائيل معنية بإسقاط  حركة حماس بقدر اهتمامها بمنعها من تجاوز حدود اشتباك يمكن التحكم بها. ولذلك تعايشت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مع وجود سلطة مسلحة في غزة طالما بقي التهديد تحت سقف قابل للإدارة.
غير أن السابع من أكتوبر كشف حدود مقاربة الاحتواء، وأظهر أن البيئة التي اعتُقد أنها قابلة للإدارة كانت في الواقع بيئة تتراكم داخلها عناصر الانفجار. ولهذا لم يعد الخطاب الإسرائيلي الرسمي يتحدث عن “استعادة الردع” فقط، بل عن إزالة البنية العسكرية والتنظيمية والحواضن السلطوية المنتجة لتهديد مماثل مستقبلًا.
في هذا السياق، جاءت تصريحات بنيامين نتنياهو بأن “ما كان قبل السابع من أكتوبر لن يتكرر” باعتبارها إعلانًا صريحًا عن نهاية العقيدة السابقة، لا مجرد توصيف لصدمة الحرب.

ثانيًا: التحول بدأ قبل الحرب بسنوات
مع ذلك، فإن جذور التحول الحالي أقدم بكثير من الحرب الأخيرة. فمنذ انهيار مسار اتفاقيات أوسلو، أخذت القناعة الإسرائيلية بإمكان التسوية السياسية بالتآكل التدريجي.
شكّلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام ٢٠٠٠م، نقطة فاصلة في هذا المسار؛ إذ رسّخت داخل الوعي الإسرائيلي فكرة أن الانسحاب أو التنازل الإقليمي لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يفتح المجال أمام تصاعد العنف. ثم جاء الانسحاب الإسرائيلي "أحادي الجانب" من غزة وما تلاه من سيطرة حماس على القطاع ليُستخدم داخل الخطاب اليميني الإسرائيلي بوصفه “الدليل العملي” على فشل نظرية الانفصال والتسوية.
خلال هذه المرحلة، تراجع اليسار الإسرائيلي بصورة حادة، ليس فقط انتخابيًا، بل فكريًا أيضًا. أما التيار القومي والديني، فقد أعاد تعريف الأمن الإسرائيلي باعتباره مسألة تتعلق بالسيطرة الميدانية الدائمة على الأرض بالقوة العسكرية، لا بالتفاهمات السياسية.
ولم يقتصر هذا التحول على المؤسسة السياسية والعسكرية، بل طال البنية النفسية والسياسية للمجتمع الإسرائيلي ذاته، حيث تراجعت بصورة حادة المكانة الرمزية لتيار التسوية مقابل صعود التيار القومي-الديني الذي أعاد تعريف الأمن باعتباره قيمة تتقدم على الاعتبارات الدبلوماسية والاقتصادية، بل وحتى القانونية في غالب الأحيان.
 ومن هنا يمكن فهم الصعود المتواصل لأحزاب اليمين القومي والديني طوال العقدين الماضيين بوصفه تعبيرًا عن تحوّل بنيوي داخل المجتمع الإسرائيلي، لا مجرد تبدل انتخابي عابر.

ثالثًا: من الردع إلى “المنع الإستراتيجي”.
العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية تأسست تاريخيًا على الردع والحسم السريع ونقل المعركة إلى أرض الخصم والإنذار المبكر. لكن ما بعد السابع من أكتوبر يشير إلى انتقال تدريجي نحو مفهوم أكثر اتساعًا يمكن وصفه بـ”المنع الإستراتيجي”، الذي يعبر عنه نتنياهو "بالنصر الساحق".
هذا المفهوم الجديد لا يكتفي بالرد على التهديد بعد ظهوره، بل يسعى إلى منع تشكّل البيئة المنتجة له أصلًا، حتى لو استدعى ذلك:
عمليات عسكرية طويلة الأمد،
توسيع ساحات الاشتباك،
أو تنفيذ ضربات استباقية خارج الحدود.
ولذلك دخلت إسرائيل خلال المرحلة الأخيرة في حالة اشتباك إقليمي مفتوح مع حزب الله وإيران، مع توسيع نطاق النشاط والسيطرة العسكرية داخل الأراضي السورية، وتنفيذ عمليات بعيدة المدى في اليمن، في إطار رؤية تعتبر أن السماح للخصوم بتراكم القدرات يمثل خطرًا وجوديًا لا يمكن التعايش معه.
هذا التحول انعكس أيضًا في الخطاب العسكري الإسرائيلي. فقد أقر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الأسبق  بعد "دانيال هاغاري"  بأن المؤسسة العسكرية “فشلت في حماية الإسرائيليين” يوم السابع من أكتوبر، وهو اعتراف نادر في الثقافة الأمنية الإسرائيلية، وذو دلالة عميقة؛ لأنه يعكس انهيار الثقة بالمنظومة التي قامت على فرضية السيطرة الاستخباراتية الكاملة.

رابعًا: تكريس البعد الأيديولوجي للصراع.
أحد أبرز التحولات الفكرية التي أعادت الحرب إنتاجها داخل إسرائيل يتمثل في إعادة الاعتبار للعامل الأيديولوجي بقوة.  وهذا ما ذهب إليه مائير بن شبات وآشر فريدمان في مقالهم : "الاستراتيجية الأمنية التي تحرك اسرائيل  بعد السابع من اكتوبر "، في مجلة "فورين افيرز" فخلال العقود الماضية، تعاملت قطاعات واسعة من النخب الإسرائيلية، خصوصًا ذات الخلفية العلمانية، مع الصراع باعتباره نزاعًا سياسيًا أو قوميًا قابلًا للإدارة عبر الردع والتسويات المرحلية.
غير أن صدمة السابع من أكتوبر دفعت قطاعات واسعة داخل المؤسسة الإسرائيلية إلى تبني مقاربة تعتبر أن بعض الفاعلين في المنطقة تحركهم منظومات عقائدية لا يمكن احتواؤها بالأدوات التقليدية. ومن هنا عاد الخطاب القومي والديني الاسرائيلي الذي يصف الصراع بأنه “وجودي” لا “نزاع حدود”.
هذا التحول يفسر جزئيًا تراجع مركزية المقاربة الدبلوماسية السياسية داخل التفكير الإسرائيلي، مقابل تصاعد المقاربة الأمنية الصلبة ذات الامتداد القومي والاستيطاني.

خامسًا: حدود القوة ومعضلة الاستنزاف
رغم أن التحول الحالي يمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمبادرة العسكرية، فإنه يضعها في مواجهة معضلة معقدة تتعلق بقدرة المجتمع الإسرائيلي ذاته على تحمّل تبعات هذه العقيدة الجديدة.
فالانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الحسم المستدام يعني عمليًا:
حروبًا أطول، استنزافًا اقتصاديًا متزايدًا، تعبئة عسكرية مستمرة، خصوصًا في قوات الاحتياط، وتآكلًا تدريجيًا لصورة إسرائيل الدولية.
كما أن هذا التحول يطرح إشكالية إستراتيجية أعمق: هل يمكن أصلًا إنتاج استقرار طويل الأمد عبر القوة العسكرية وحدها في بيئة إقليمية شديدة السيولة والتشابك؟
لقد نجحت إسرائيل تاريخيًا في بناء تفوق عسكري واضح، لكنها واجهت دائمًا صعوبة في تحويل الإنجازات العسكرية إلى ترتيبات سياسية مستقرة، كما أكد ذلك العديد من المفكرين الاستراتيجيين الإسرائيليين وفي مقدمتهم اللواء متقاعد "عاموس يادلين"، ومن هنا فإن العقيدة الجديدة، رغم فعاليتها التكتيكية المحتملة، قد تدفع إسرائيل نحو نموذج من الصراع المفتوح والدائم، حيث يصبح الأمن مرتبطًا بإدارة حالة استنزاف مستمرة أكثر من ارتباطه بتحقيق تسويات نهائية.
والمفارقة أن العقيدة الجديدة، التي تسعى إلى منع تكرار السابع من أكتوبر، قد تدفع إسرائيل تدريجيًا نحو نمط من التعبئة الدائمة والاستنزاف المفتوح، بما يحوّل التفوق العسكري ذاته إلى عبء إستراتيجي طويل المدى.
يبقى السؤال المركزي إذن: هل تمثل التحولات الجارية إعادة تأسيس ناجحة للعقيدة الإسرائيلية، أم أنها تعبير عن انتقال إسرائيل من أزمة ردع إلى أزمة استنزاف طويلة المدى؟
والأهم من ذلك: هل يمتلك المجتمع الإسرائيلي القدرة السياسية والنفسية والاقتصادية لتحمل كلفة عقيدة تقوم على المواجهة الدائمة بوصفها حالة طبيعية، لا استثناءً مؤقتًا؟

×
أخبار
تقرير: «مفارقة الثروة» تحدّ من الفاعلية العسكرية للجيوش الخليجية أمام إيران وثيقة مكتب نتنياهو تكشف مسؤولية الحكومة عن كارثة 7 أكتوبر وتفند روايته الرسمية ليبرمان يهاجم آيزنكوت ويفكك مساعيه للتحالف مع نتنياهو.. ودعم أميركي ودولي لحكومة إسرائيلية موسعة تقرير: رسائل مسرّبة تكشف صلات رئيس الاستخبارات الألمانية الأسبق بالرئيس الأسبق للموساد إعادة التفكير في العلاقات الدفاعية.. إسرائيل تتطلع للتحول من التبعية إلى الشراكة مع أمريكا بعد حديثه عن الحق التاريخي الفلسطيني..ج.بوست تصف أوباما بـ "مُفرّخ معاداة السامية" وزراء خارجية 19 دولة يدينون افتتاح سفارة كولومبيا في القدس: باطل فرق الإرهاب الاستيطانية تهاجم مركبات وأملاك فلسطينية و"تطارد" اشجار الزيتون عبري: نتنياهو رفض اغتيال قادة حماس جوا في غزة وبحث تسهيلات اقتصادية لحماس استطلاع: تعادل الائتلاف الحاكم والمعارضة الصهيونية.. والقوائم العربية الحاسمة دمشق ترد على نتنياهو بعد حديثه عن دروز سوريا.. ولم تنف اتصاله بالشرع ترامب يلوّح بضربة جديدة ضد منشآت إيران النووية.. "أم القنابل" على الطاولة ولا ثقة بنتنياهو الصين تحث إسرائيل على وقف "البناء القسري" للمستوطنات..ومنع الكارثة في غزة شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط