تشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى أن نسبة متزايدة من الفلسطينيين، باتت تنأى بنفسها عن التعاطف مع الفصائل الفلسطينية، في مؤشر واضح على اتساع حالة العزوف السياسي وتراجع الثقة بالأطر والقوى السياسية. وقد عكست نتائج استطلاع حديث أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال (JMCC) خلال آب/ أغسطس 2026، عمق هذه الحالة، حيث قال 55% من المستطلعة آراؤهم أنهم لا يثقون بأي فصيل أو حزب سياسي، فيما بلغت نسبة من لا يثقون بأي شخصية سياسية 58.6%.
من الصعب النظر لهذه النتائج باعتبارها حالة احتجاجية عابرة، بقدر ما تعكس تحولا عميقا في المزاج السياسي الفلسطيني. هذا العزوف لا يعني بالضرورة عزوفا عن الشأن الوطني، بل يعكس في جوهره رفضا لواقع فصائلي لم يعد قادرا على تلبية احتياجات الناس ومعالجة مشكلاتهم وتحدياتهم اليومية، فبين استمرار الانقسام وغياب الأفق السياسي، والحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية الكارثية، يجد المواطن نفسه وحيدا في مواجهة كل هذا، ومع مرور الوقت تتسع الفجوة بين خطاب الفصائل وممارساتها من جهة، وتوقعات الشارع من جهة أخرى.
هذه الظاهرة تستدعي وقفة تحليلية لفهم أسبابها، والبحث في العوامل التي قادت إلى هذا التراجع الحاد في ثقة الشارع بالفصائل الفلسطينية، خاصة تلك المرتبطة بأداء الفصائل وخياراتها السياسية والتنظيمية خلال السنوات الماضية. يمكن إيجاز أهم تلك الأسباب فيما يلي:
أولا: أزمة الثقة وفقدان المصداقية: تشير نتائج استطلاعات الرأي أن حالة عدم الثقة لا تقتصر على فصيل بعينه، بل تشمل مجمل المشهد الفصائلي؛ يظهر ذلك في ارتفاع نسبة من يرفضون الانتماء والتعاطف مع أي فصيل سياسي. تعكس تلك النتائج تنامي الشعور بأن الفصائل لم تعد تعبر عن تطلعات الناس وأولوياتهم أو تدافع عن حقوقهم ومصالحهم، بقدر ما باتت منشغلة بحساباتها الداخلية وصراعاتها الخاصة، والمناكفات وانتقاد بعضها البعض، مع غياب المحاسبة الداخلية وضعف الشفافية وتكرار الأخطاء دون مراجعة جدية. يشعر قطاع واسع من الناس أن الخطاب الفصائلي لم يعد ينسجم مع واقعهم، وأن الوعود السياسية المتكررة لم تُترجّم إلى انجازات ملموسة، ومع تراكم التجارب، باتت الفجوة تتسع بين ما يُقال وما يُمارس، مما أضعف المصداقية وأفقد الفصائل قدرتها على إقناع الشارع، ودفع نسبة كبيرة من المواطنين للوقوف خارج الاصطفافات الفصائلية.
ثانيا: استمرار الانقسام واستنزاف الوعي الجمعي: لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي تقليدي، بل تحول إلى حالة إنهاك نفسي واجتماعي للمواطنين. يتزايد الشعور لدى الفلسطينيين بأن مصالح الفصائل تتقدم على المصلحة الوطنية العامة، وأن الانقسام أسهم في إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني، وأن المواطن الفلسطيني وقضيته هما ضحية هذا الانقسام، الأمر الذي انعكس على تراجع الثقة بالشأن السياسي والفصائلي.
ثالثا: غياب الإنجاز السياسي والوطني: غياب الانجاز السياسي والوطني عزز مشاعر الإحباط، إذ لم تُترجم البرامج السياسية والخطابات والشعارات إلى خطوات ملموسة تخدم المصالح الوطنية. لم تعد الخطابات والوعود وحدها كافية لإقناع الناس، فلا يوجد تقدم ملموس في مسار التحرر، ولا أفق سياسي واضح، ولا أمل في مستقبل وطني واعد، ولا حلول واقعية للمشكلات السياسية والأمنية والاقتصادية. أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين الفصائل والشارع، وتعميق حالة العزوف السياسي.
رابعا: الشعور بتحول الفصائل إلى كيانات مرتبطة بالسلطة: ترسّخ لدى قطاعات واسعة من الناس انطباع بأن بعض الفصائل باتت أكثر ارتباطا ببنية السلطة ومصالحها، على حساب دورها التاريخي كأطر سياسية ووطنية، وأن تلك الفصائل أصبحت تُدار بعقلية الحفاظ على المصالح الفصائلية، أكثر من تجديد المشروع الوطني وانجازه. هذا التحول ترك انطباعا لدى الناس بأن تلك الفصائل باتت جزءا من المشكلة لا أداة للحل، وزاد من الشعور بتراجع دور الفصائل عن تمثيل طموحات الناس والدفاع عن المصالح الوطنية.
خامسا: تهميش الشباب وغياب التجديد القيادي: تمثل فئة الشباب نسبة كبيرة من المجتمع الفلسطيني، أنهكتهم الحروب والبطالة وضيق نافذة الفرص أمامهم، وهم يمتلكون وعيا نقديا، ويشعرون أن القيادات نفسها هي التي تتصدر المشهد الفصائلي منذ عقود، وهو ما بدّد فرص مشاركتهم في صنع القرار، خاصة وأن أولوياتهم تختلف عن أولويات القيادات التقليدية للفصائل. النتيجة الطبيعية هي عزوف غالبية هذا الجيل عن الفصائل، وعدم الاهتمام بخطاباتها التقليدية، وتكريس حالة العزوف السياسي لديهم.
سادسا: غياب استراتيجية موحدة للخروج من الأزمات: كشفت الحرب على غزة وما رافقها من كوارث إنسانية وسياسية، حجم الأزمة التي تعيشها الحالة الفلسطينية، في ظل غياب استراتيجية وطنية موحدة قادرة على إدارة الصراع والتعامل مع تداعياته. عزز ذلك شعور قطاعات واسعة من الفلسطينيين بأن تعدد الرؤى الفصائلية لم يُفضِ إلى بلورة استراتيجية وطنية موحدة قادرة على التعامل مع تداعيات الحرب وما بعدها. فالفصائل ما تزال تتحرك ضمن حسابات فصائلية متباينة، تعرقل تطوير رؤية وطنية جامعة تعيد ترتيب الأولويات، وتساعد على تجاوز الأزمات المتراكمة. هذا الواقع عمّق الإحساس بالعجز السياسي، ورسّخ لدى الكثيرين القناعة بأن الواقع الفصائلي القائم لم يعد قادرا على إنتاج حلول حقيقية.
خلاصة القول، تراجع شعبية الفصائل الفلسطينية ليس ظاهرة عابرة، بل تعبيرا عن أزمة ثقة عميقة، تتطلب مراجعة جذرية من القيادات، فاستعادة المصداقية يجب أن تتجاوز الخطابات الشعارية، إلى إصلاح حقيقي يبدأ بالوحدة الوطنية، وينتهي بتحقيق تطلعات شعب عانى طويلا، ويبحث عن أمل حقيقي في التغيير.