تاريخ النشر: 2025-04-10 | 15:05
تاريخ النشر: 2025-04-10 | 15:05
تقول الحكمة الشعبيّة: "سافر كثير بتشوف كثير"،
وهذا ما يحصل مع الذين يُسافرون كثيرا، لاغراض الدراسة أو في مهمات عمل، او ربما ببساطة، "لشمّ الهوا"، والتفسّح وتغيير الاجواء والتعرّف على اماكن جديدة واناس جُدد وثقافات وحضارات اخرى،
ولكل بلد وشعب عادات وتقاليد، وطقوس في الاكل والشرب والملبس،
فمثلا في البيرو في امريكا الجنوبيّة، فإن الاكلة الشعبية لديهم تُدعى "سيفيتش" وهي عبارة عن فيليه سمك طازج من مياه المحيط، يتم تقطيعها ووضعها في اناء، وغمرها بدقّة الفلفل الاخضر الحار والليمون، حتى تستوي وتنضج تماما وتصبح جاهزة للأكل،
يوضع فوقها في طبق التقديم شرحات كبيرة دائرية من البصل الطازج، ويتم تناولها هنيئا مريئا والدموع في العيون والمآقي، والانف يجري منه سائل كجدول صغير، بسبب حرارة فلفلة الطبق،
وفي اندونيسيا عندما يقدّمون لك الطعام تشتهيه شكلا، ويخطر ببالك ان تقول فيه قصائد غزل ومديح وعشق وهيام، لكن عندما تتذوّقة تصيبك الصدمة، فمذاقه حلو وحار في نفس الوقت!!!،
الحادثة الغريبة أو الاغرب في موضوع الوجبات الغذائية، والتي دعتني وحفّزتني لكتابة هذا النص، الذي ارجو ان يستمتع به القُرّاء الاعزاء، هو طبق فيليه اكلته، بصورة لا اراديّة، دون معرفة مُسبقة بكُنهه وماهيّته، واصله من فصله، إلا بعد ان أكلته وشربت بعده فنجان قهوة،
الموضوع حصل ببساطة وهدوء وسلاسة وفي اجواء صداقة راقية في أحد المطاعم الراقية الفاخرة في العاصمة الكوبية هافانا،
أذكر أن المطعم كانت ستائره حمراء أو لونها خمري، لونٌ جميلٌ يضيف ويُضفي رونقا وأبّهة وربما اجواء شاعرية على الجالسين فيه، طلبا لوجبة غداء لذيذة،
استضافتني يومها عائلة كوبية صديقة لتناول الغداء في هذا المطعم ذو المواصفات والصفات المميّزة،
كان إلى جانبي حول الطاولة السيدة صاحبة الدعوة، وابنتها الشابة كارولينا وابنها الشاب ميغيل،
كُنا نُدردش في شؤون شتى، "والحديث ذو شجون"، كما يُقال،
جاء النادل ببزّة المطعم الرسمية وبيده ومعه لائحة الطعام "المينيو"، ودفترا صغيرا وقلم لتدوين الطلبات،
بدأ يسأل عن الاكلات والاطباق المطلوبة،
كنت منسجما بالدردشة مع العائلة ولم اطلب شيئا مُحدّدا، وعندما سألوني، كوني الضيف، حافظت على لياقة ولباقة ومفهومية قولي: "اطلبوا لي على مزاجكم"،
وهكذا كان، نزل بعد مدّة امامي على الطاولة طبق كبير مفتوح يحتوي على فيليه مشوي على "الغريل"، شكله "بيشهّي" للحقيقة والواقع، ورائحة الشواء تفوح منه وتعبق وتطغى على رائحة عطر السيدة وابنتها الشابة،
"بسم الله الرحمن الرحيم، وغرزت الشوكة في طرف الفيلية الطري بيدي اليسرى،، وقطعت بالسكين بيدي اليُمنى قطعة قدر قضمة،
قلت اولا بسم الله الرحمن الرحيم، مع انني كنت اقول دائما ان هذه الدولة لا يُذكر فيها اسم الله كونها دولة شيوعية اشتراكية، لكن بمواصفات وطنية تختلف عن اشتراكية الاتحاد السوفييتي ودوله الاوروبية،
الفيليه كان لذيذا لكنني شعرت انه "مفلفل ومُبهّر" زيادة، مع انني اعرف تماما ان الشعب الكوبي لا يأكل اكلات حارة، كما هو الحال مع بعض زملائهم في القارة اللاتينية: المكسيك والبيرو، وحتى جامايكا، الذين يأكلون اكلات حارة بالفلفل، وينافسون بجدارة الهنود والباكستانيين واتوانسة والغزّاويين، في اكلاتهم الحارة،
انهينا الغداء وشربنا القهوة، وشكرتهم على الدعوة اللطيفة،
وما زلت احاول تفسير فلفلة وبهارات هذا الفيليه المشوي اللذيذ!!!!،
قلت في نفسي لاسلك الطريق الاقصر واسأل مضيّفي العائلة، كونهم هم من طلبوا الاطباق،
وجاءني الردّ والجواب منهم: "الفيليه هو "فيليه كوّاما"، اي سلحفاة بحرية،
" أحلّ لكم صيد البرّ والبحر"، يا سبحان الله،
لقد اكلت فيليه السلحفاة البحريّة بصورة لا ارادية، وشربت بعده القهوة،
لكن يبقي السؤال:
"هل لو عرفت مُسبقا انه فيليه سلحفاة بحرية، لكنت اكلته ام لا؟؟؟!!!،
الله وحده سبحانه وتعالى يعلم، "والله غالبٌ على امره".