تاريخ النشر: 2026-10-13 | 15:04
تاريخ النشر: 2026-10-13 | 15:04
منذ أن أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 302 في ديسمبر 1949 لم تكن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا مجرد مؤسسة إغاثية تقدم الغذاء والتعليم والرعاية الصحية بل كانت ولا تزال تجسيدا مؤسسيا لاعتراف دولي بقضية لم تجد طريقها إلى الحل العادل فقد ولدت الوكالة بوصفها تدبيرا مؤقتا ريثما تتحقق تسوية سياسية تحفظ حقوق اللاجئين لكنها تحولت على امتداد أكثر من سبعة عقود إلى بنية قانونية وسياسية وإنسانية تختزن الذاكرة الفلسطينية وتحول دون إسقاط قضية اللاجئين من الضمير الدولي ومن هنا يمكن القول إن الهجوم على الأونروا ليس مجرد استهداف لمؤسسة أممية وإنما محاولة لإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني وتجريده من صفته السياسية والقانونية وتحويله إلى حالة إنسانية مجردة من التاريخ والحقوق.
ومن زاوية أخرى فإن ما تتعرض له الأونروا ينبغي قراءته ضمن حرب أوسع تستهدف الوعي والمصطلح والرواية الفلسطينية فاللغة في الصراع السياسي ليست وعاء محايدا وإنما أداة لإنتاج التصورات وإعادة تشكيل الحقائق وفي هذا السياق يجري توظيف مفردات من قبيل الإصلاح الإداري وترشيد النفقات وإعادة هيكلة الخدمات لتوفير غطاء لغوي لعملية تفكيك تدريجية تستهدف الدلالة السياسية والقانونية لمفهوم اللاجئ بحيث يتحول الحق التاريخي إلى خدمة قابلة للتقليص أو الإلغاء ويصبح الوجود الفلسطيني في سجلات الأمم المتحدة عبئا إداريا بدلا من كونه شاهدا على قضية سياسية لم تحل.
وفي هذا السياق فإن العجز المالي الذي تشير التقديرات إلى بلوغه نحو مئة مليون دولار لا يمثل مجرد اختلال حسابي وإنما يعكس أزمة بنيوية تتداخل فيها الضغوط السياسية مع هشاشة التمويل الطوعي وتشير أرقام عام 2025 إلى تعهدات بلغت نحو 878 مليون دولار مقابل 839 مليونا تم تسلمها فعليا الأمر الذي يجعل الخدمات الأساسية لملايين اللاجئين رهينة لتقلبات المواقف الدولية وأولويات الدول المانحة.
وتتجلى خطورة هذه السياسات في القدس حيث شهد يناير 2026 إجراءات إسرائيلية طالت منشآت الوكالة شملت اقتحام مركزها الصحي وهدم مقرها في الشيخ جراح وقطع المياه والكهرباء عن مرافق تابعة لها وهي إجراءات تتجاوز استهداف الخدمات إلى تقويض الحضور المؤسسي الأممي في المدينة المحتلة رغم الحصانات التي تكفلها اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها لعام 1946.
ولم تكن تلك الإجراءات منفصلة عن القوانين التي أقرها الكنيست في أكتوبر 2024 ودخلت حيز التنفيذ في يناير 2025 بهدف وقف عمليات الأونروا إذ تكشف مجتمعة عن مسار سياسي يستهدف إقصاء أحد أبرز الشواهد الدولية على استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وتحتفظ الوكالة بسجلات ملايين اللاجئين وتعمل في خمس مناطق عمليات تشمل غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية والأردن ولبنان وسوريا وهو ما يمنحها مكانة مؤسسية تتجاوز تقديم المساعدات إلى صيانة الحضور الدولي لقضية لم تحسم سياسيا.
غير أن التمييز ضروري بين استمرار الوكالة وأصل الحق الفلسطيني فحق العودة لا ينشأ من الأونروا ولا يسقط بإلغائها وإنما يستند إلى مرجعيات مستقلة وفي مقدمتها القرار الأممي 194 لكن تفكيك الوكالة يضعف أحد أهم الأطر التي حافظت على قضية اللاجئين داخل النظام الدولي.
وقد امتد الاستهداف إلى كوادر الوكالة ومنشآتها حيث أشارت تقاريرها إلى مقتل نحو 390 من موظفيها منذ اندلاع الحرب على غزة في مشهد يكشف اتساع الفجوة بين الحماية القانونية المقررة للمؤسسات الأممية والقدرة الدولية على إنفاذها.
وفي المقابل فإن التحذيرات الإقليمية والدولية من تقويض الأونروا تظل محدودة التأثير ما لم تتحول إلى ضمانات مالية وقانونية عملية وقد أكدت منظمة التعاون الإسلامي ضرورة حماية تفويض الوكالة المستند إلى القرار 302 ورفض المساس بمكانتها.
ومن هنا تبرز خطورة الطروحات المتعلقة بنقل صلاحيات الأونروا إلى مؤسسات بديلة تحت عناوين إعادة هيكلة العمل الإنساني أو إدارة إعمار غزة فالتعاون المؤسسي لا يمنح أي جهة صلاحية إلغاء ولاية أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وهو ما أكده رئيس دائرة شؤون اللاجئين أحمد أبو هولي بشأن عدم امتلاك مجلس السلام تفويضا لتغيير ولاية الوكالة.
إن حماية الأونروا لا تعني رفض الإصلاح الإداري أو الرقابة المالية وإنما منع توظيفهما لإفراغ تفويضها من مضمونه السياسي والقانوني وهو ما يستوجب تمويلا مستداما وحماية منشآتها وكوادرها ورفض أي ترتيبات تنتقص من مرجعيتها الأممية.
فالمعركة الحقيقية ليست حول الجهة التي توزع الغذاء وإنما حول هوية الإنسان الذي يتلقاه وهل يبقى لاجئا صاحب أرض وحق أم يتحول إلى مجرد حالة إنسانية مؤقتة.
إن الأونروا ليست الوطن وليست بديلا عن العودة لكنها شاهد دولي على أن الوطن لم ينس وأن العودة لم تتحقق وأن اللاجئ الفلسطيني ليس فائضا سكانيا تبحث له السياسة عن مأوى وإنما صاحب حق ينتظر عدالة تأخرت أكثر مما ينبغي.