تاريخ النشر: 2026-10-13 | 15:01
تاريخ النشر: 2026-10-13 | 15:01
لم يعد الفقر مفهوما يمكن اختزاله في انخفاض الدخل أو العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية. فقد تطور تعريفه تاريخيا بتطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وباختلاف الفلسفات التي حكمت التفكير في التنمية والعدالة. انتقل الاهتمام من فقر الدخل إلى فقر القدرات والفرص، ثم إلى الحرمان المتداخل من الصحة والتعليم والسكن والمياه والطاقة والأمن الغذائي والمشاركة الاجتماعية. ويعكس هذا التطور إدراكا متزايدا بأن الإنسان قد يمتلك دخلا محدودا، لكنه يستطيع الوصول إلى الخدمات والفرص العامة، وقد يمتلك دخلا أعلى نسبيا، لكنه يفتقر إلى شروط الحياة الكريمة. جوهر المسألة هو قدرة الإنسان على العيش بكرامة، وتطوير إمكاناته، والتحكم في خياراته ومستقبله.
تكتسب هذه المقاربة أهمية فائقة في ضوء تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية لعام 2026، الذي أعلن ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون الفقر متعدد الأبعاد إلى نحو 1.2 مليار شخص في 108 دول نامية، للمرة الأولى منذ إطلاق المؤشر عام 2010. ويعاني هؤلاء حرمانا متداخلا من الاحتياجات الأساسية، فيما يشكل الأطفال أكثر من نصفهم، ويعيش أكثر من ثمانية من كل عشرة منهم في المناطق الريفية. ومع ذلك، تمكنت 33 دولة من أصل 89 دولة تتوافر عنها بيانات اتجاهية من خفض قيمة مؤشر الفقر متعدد الأبعاد إلى النصف خلال أقل من خمسة عشر عاما. تكشف هذه النتائج أن الفقر ليس قدرا محتوما، وأن الحد منه ممكن حين تتوافر السياسات والإرادة والموارد اللازمة.
من منظور الاقتصاد السياسي للرأسمالية، لا يمكن تفسير الفقر باعتباره مجرد خلل في توزيع الثروة أو نقصا في كفاءة الأسواق؛ فهو يرتبط أيضا بعلاقات الإنتاج والملكية وتوزيع القوة، وبقدرة الفئات الاجتماعية على الوصول إلى الموارد والتحكم فيها. وقد تنتج الاقتصادات نموا وثروات هائلة، بينما تعيد تركّزها في أيدي قلة، وتُبقي قطاعات واسعة في دائرة الهشاشة والتبعية. وتكشف نظرية التنمية المستدامة، في المقابل، أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالنمو الاقتصادي وحده، بل بقدرتها على الجمع بين العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية والقدرة المؤسسية، مع ضمان حقوق الأجيال المقبلة. ومن هنا، يصبح الفقر متعدد الأبعاد أداة لفهم اختلالات النظام الاقتصادي العالمي، كما يصبح مدخلا لمساءلة السياسات التي تنتج التفاوت وتعيد إنتاجه، بدلا من الاكتفاء بمعالجة أعراضه عبر المساعدات.
تتخذ هذه المسألة في فلسطين، وخصوصا في قطاع غزة، طابعا أكثر تعقيدا؛ فالفقر لا ينشأ فقط من محدودية الموارد أو ضعف الإنتاجية، وإنما يتشكل داخل بنية استعمارية تتحكم في الأرض والحركة والتجارة والموارد وفرص التنمية. وقد أسهم الحصار وتقييد حركة الأشخاص والبضائع، وتجزئة المجال الفلسطيني، وإضعاف القاعدة الإنتاجية، في جعل الاقتصاد الفلسطيني أكثر اعتمادا على الخارج وأقل قدرة على توليد فرص العمل وتحقيق الاستقلال الاقتصادي. وفي هذا السياق، لا يكون الحرمان مجرد نتيجة جانبية للصراع، بل يصبح أحد مخرجات اختلال موازين القوة، وأحد العوامل التي تحد من قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود وتقرير مصيره.
ولعله من المفيد التذكير بما وثقه التقييم المشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والإسكوا من حجم الانهيار التنموي بعد أقل من عام على اندلاع حرب الإبادة. فقد قُدّر ارتفاع معدل الفقر في دولة فلسطين إلى 74.3% عام 2024، بما يعادل نحو 4.1 مليون شخص، بينهم 2.61 مليون أصبحوا فقراء حديثا. كما تراجع مؤشر التنمية البشرية المتوقع آنذاك في غزة إلى 0.408، وهو مستوى يعادل ما يقارب سبعة عقود من التراجع التنموي. وتدهورت مؤشرات السكن والخدمات والأمن والحركة والعمل والرعاية الصحية والتعليم.
في غزة، تجاوزت الإبادة تدمير الأرواح والمباني لتطال الشروط المادية والاجتماعية التي تجعل الحياة ممكنة. فقد أدى تدمير المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي، وتجريف الأراضي الزراعية وتعطيل الأسواق وسبل كسب الرزق، إلى تفكيك منظومة الحياة اليومية وإضعاف قدرة الأسر والمجتمعات على إعادة إنتاج وجودها. ويعني ذلك أن الحرمان من الغذاء والماء والعلاج والتعليم والسكن والعمل يتراكم في صورة واحدة من الفقر القسري، تتجاوز آثارها الحاضر إلى صحة الأطفال وفرصهم التعليمية وقدرة الأجيال المقبلة على استعادة حياتها.
وتكمن الخطورة السياسية في أن استمرار هذه الشروط يجعل المجتمع منشغلا بتدبير البقاء اليومي، ويزيد اعتماده على المساعدات، ويضعف استقلاله الاقتصادي وقدرته على التنظيم والمبادرة. وحين تقترن المساعدات بتقييد الحركة والتحكم في دخول الموارد، وتغيب حرية إعادة البناء واستعادة الإنتاج، تصبح الاستجابة الإنسانية عاجزة عن معالجة الأسباب البنيوية للحرمان. وقد يتحول التعافي، إذا فُصل عن إنهاء الاحتلال ورفع القيود واستعادة الحقوق والقدرات الإنتاجية، إلى إدارة طويلة الأمد للفقر بدلاً من إنهائه.
إن مواجهة الفقر متعدد الأبعاد في فلسطين تتطلب، لذلك، الانتقال من منطق الإغاثة وحده إلى ربط الاستجابة الإنسانية بالحق في التنمية والحرية وتقرير المصير. ويشمل ذلك استعادة الأرض والإنتاج، وإعادة بناء الخدمات والمؤسسات، وحماية التعليم والصحة، وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها، وضمان مشاركة الفلسطينيين في تحديد مستقبلهم. فالإبادة، في آثارها المادية والاجتماعية الممتدة، لا تقتصر على القتل والنزوح الجماعي؛ إنها تشمل أيضا تدمير شروط الحياة الكريمة، وجعل استمرارها في غزة بالغ الصعوبة، بل مستحيلا وغير إنساني في قطاعات واسعة. ومن هنا، فإن الدفاع عن حق الفلسطينيين في الحياة لا ينفصل عن الدفاع عن حقهم في امتلاك مقوماتها، واستعادة قدرتهم على الإنتاج والاختيار وصناعة المستقبل.