تاريخ النشر: 2026-10-20 | 16:07
تاريخ النشر: 2026-10-20 | 16:07
لا يبدو إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه لبنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية مجرد اصطفاف سياسي تقليدي، بل يتجاوز ذلك إلى تقاطع أوسع بين الحسابات الانتخابية والمصالح الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية، في ظل مساعٍ لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، خصوصًا في ما يتعلق بإيران ومستقبل الصراعات الإقليمية.
فعندما يصف ترامب نتنياهو بأنه "محارب عظيم" وشريك أساسي في مواجهة إيران، ويربط غيابه المحتمل عن قيادة إسرائيل مستقبلًا باحتمال اضطرار واشنطن إلى مواجهة طهران منفردة، فإنه لا يكتفي بالإشادة بحليفه، بل يوجه رسالة مباشرة إلى الناخب الإسرائيلي مفادها أن هوية القيادة في تل أبيب قد تحدد طبيعة العلاقة مع واشنطن، ومستوى التنسيق العسكري والسياسي بين البلدين، ولا سيما في الملف الإيراني.
ثلاث رسائل تتجاوز حدود الانتخابات
يمكن قراءة تصريحات ترامب من خلال ثلاث رسائل رئيسية. أولها، منح نتنياهو دفعة سياسية في مواجهة خصومه الداخليين، عبر تقديم العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة باعتبارها أحد أهم مصادر القوة الإسرائيلية، وعنصرًا حاسمًا في حماية الأمن القومي. وبهذا المعنى، يحاول ترامب تعزيز صورة نتنياهو بوصفه القائد الأكثر قدرة على إدارة التحالف مع واشنطن في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
أما الرسالة الثانية، فتتعلق بتوظيف الدعم الأمريكي في المعركة الانتخابية. فنتنياهو يستطيع استخدام تصريحات ترامب لتعزيز روايته بأنه الشريك الأكثر انسجامًا مع الإدارة الأمريكية، وأن استمرار قيادته يضمن بقاء إسرائيل في موقع متقدم ضمن الحسابات الاستراتيجية لواشنطن. وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية في ظل الجدل الداخلي الإسرائيلي بشأن نتائج الحروب، والإخفاقات الأمنية، وتكاليف المواجهات الإقليمية.
وتتمثل الرسالة الثالثة في التأثير في حسابات الناخب الإسرائيلي المتردد، من خلال الإيحاء بأن تغيير القيادة قد ينعكس على مستوى الدعم والتنسيق الأمريكيين. وهنا يتحول الدعم الرئاسي من مجرد موقف سياسي إلى أداة ضغط انتخابي غير مباشرة، تستثمر المخاوف الأمنية وتربط مستقبل الحكومة الإسرائيلية بمستقبل الشراكة مع الولايات المتحدة.
من الدعم الانتخابي إلى إعادة تشكيل الإقليم
لكن أهمية هذه التصريحات لا تتوقف عند حدود صناديق الاقتراع. فهي تعكس، في جانب منها، رؤية مشتركة لإدارة التوازنات الإقليمية، تتصدرها مواجهة النفوذ الإيراني، وتعزيز موقع إسرائيل، وإعادة ترتيب العلاقات والتحالفات في الشرق الأوسط.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل دعم ترامب لنتنياهو عن طبيعة المشروع الأمريكي في المنطقة، الذي يسعى إلى توظيف التفوق العسكري والتحالفات السياسية لتثبيت ترتيبات إقليمية جديدة. غير أن الحديث عن رؤية مشتركة لا يعني بالضرورة تطابق المصالح الأمريكية والإسرائيلية في جميع الملفات؛ إذ يمكن أن تتباين أولويات الطرفين بشأن توقيت التصعيد العسكري، وإدارة الحرب، ومستقبل قطاع غزة، وحدود المواجهة مع إيران.
وقد كشفت التباينات بين الرجلين في بعض هذه القضايا أن التحالف، رغم متانته، ليس خاليًا من الخلافات. فواشنطن تنظر إلى الصراعات الإقليمية أيضًا من زاوية تكلفتها على المصالح الأمريكية الأوسع، بينما قد تحكم الحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو قراراته المتعلقة باستمرار المواجهة أو توسيعها.
هل يحسم الدعم الأمريكي المعركة الانتخابية؟
على الرغم من الأثر السياسي والإعلامي لتصريحات ترامب، فإن تحويلها إلى مكاسب انتخابية مضمونة يظل أمرًا غير مؤكد. فالدعم الأمريكي لا يمحو الانتقادات الموجهة إلى نتنياهو بشأن إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، ولا يحسم الجدل حول نتائج الحروب وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، فضلًا عن استمرار الجبهات الإقليمية المفتوحة وما تفرضه من استنزاف بشري ومالي وسياسي.
وقد تسهم تصريحات ترامب في استقطاب جزء من الناخبين المترددين، خصوصًا أولئك الذين يمنحون العلاقة مع واشنطن أولوية في تقييمهم للقيادة السياسية. لكنها لن تكون بالضرورة كافية لإحداث تحول واسع في اتجاهات التصويت، التي تتأثر أيضًا بالأوضاع الاقتصادية، ومستوى الثقة بالحكومة، وتقديرات الجمهور لجدوى الحرب ومخاطر استمرارها.
ويبرز هنا عامل داخلي لا يقل أهمية، يتمثل في قضية تجنيد الحريديم وتوزيع أعباء الخدمة العسكرية، وهي قضية تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتؤثر في مواقف قطاعات من القاعدة الليبرالية والعلمانية. وقد تكون هذه المسألة، إلى جانب الملفات الأمنية والاقتصادية، أكثر تأثيرًا في خيارات بعض الناخبين من أي دعم خارجي.
في المحصلة، يمنح ترامب نتنياهو ورقة سياسية مهمة، لكنه لا يمنحه تفويضًا انتخابيًا مفتوحًا. فالمعركة ستظل مرتبطة بقدرة رئيس الحكومة الإسرائيلية على إقناع الناخبين بأن علاقته بواشنطن توفر الأمن والاستقرار، لا أنها تكرس الانخراط في حروب مفتوحة.
أما استراتيجيًا، فإن الرهان يتجاوز مستقبل نتنياهو السياسي إلى طبيعة الدور الذي ستؤديه إسرائيل في ترتيبات الشرق الأوسط المقبلة، وحدود الشراكة الأمريكية الإسرائيلية في إدارة الصراع مع إيران وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية، بل أي رؤية للمنطقة ستخرج أكثر قوة من نتائجها.