تاريخ النشر: 2025-05-30 | 16:46
تاريخ النشر: 2025-05-30 | 16:46
في صومعةٍ نسجتها من صمتِ الغياب،
جلستُ أرتّق ظلالي بخيوطٍ من لا أحد.
كان الوقتُ يتدلّى من السقف كعنكبوتٍ كهل،
ينسج أيامه على جفنيّ المغلقتين.
أغلقتُ النوافذ...
لا كي لا يدخل الضوء،
بل كي لا يرى أحد
كيف أذوبُ ببطءٍ في عتمتي.
العالم خلفي ضجيجٌ بلا لغة،
أناسٌ يلوّحون للفراغ،
يمضغون المعنى كعلكةٍ قديمة،
ثم يرمونه عند أول باب.
أنا؟
أصغي لصوتي حين لا يقول شيئًا،
أتحسّسني كما يتحسّس الحجرُ ذاته
في قاع بئرٍ نسِيَه الزمن.
ذات مساء،
ابتسم لي ظلّي وقال:
"لستَ وحدك،
أنا هنا... وأنت بداخلي."
قال ظلّي…
ثم انزلق في صدري
كحبرٍ ينساب على ورقٍ لا يريد أن يُكتَب.
كان الليلُ يراقبني
من ثقوبِ الروح،
يربّت على كتفي
بيدٍ لا مرئية.
نسيتُ اسمي.
صار لي اسمٌ آخر
ينطقني في أحلام الآخرين،
ثم يتركني كجرسٍ
رنَّ في ذاكرة كنيسةٍ مهجورة.
في العزلةِ...
تعلمتُ أن الأشياء تنطق عندما تصمت،
وأن القلبَ لا يخفق،
بل يتذكّرُ كيف كانَ يخفق.
رأيتني ذات مرة
أجلسُ على الكرسي المقابل،
أسأل نفسي:
“من الذي خرج؟
ومن الذي بقي؟”
الوقت ذاب في فنجانٍ من نسيان،
والقهوة كانت مرآتي الأخيرة،
كل رشفةٍ
تسحبني نحو قاعٍ جديدٍ في داخلي.
وها أنا،
كوكبٌ منزوعُ المدار،
أدورُ حول خواءٍ يعرفني،
وأبتسم…
لأن لا أحدَ هنا
لينكر هذا النور الخفيف
المنبعث من العدم.
فهمتُ أخيرًا،
أن العزلة ليست هروبًا،
بل عودةٌ إلى البيت الأول —
ذلك الذي بُني من نبضٍ
لا يسمعه سواك.
أن تكون وحدك،
ليس أن تكون فارغًا،
بل أن تمتلئ بما لا يحتمل الضجيج.
وفي عمقِ السكون،
همستُ لنفسي:
“ما أجملك،
حين لا يراك أحد.”