تاريخ النشر: 2026-10-28 | 14:48
تاريخ النشر: 2026-10-28 | 14:48
يشكل تأجيل الانتخابات أحد مظاهر الأزمة السياسية الفلسطينية، لكنه يفتح نقاشا يتجاوز موعد الاقتراع إلى مستقبل النظام السياسي وقدرته على تجديد مؤسساته. فقد أصدر الرئيس محمود عباس مرسوما ألغى بموجبه الموعد السابق للانتخابات التشريعية، الذي كان محددا في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وحدد 11 أيلول/سبتمبر 2027 موعدا لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن.
واستند القرار، وفق الإعلان الرسمي، إلى ظروف تعيق إجراء الانتخابات، من بينها الاعتداءات الإسرائيلية والتوسع الاستيطاني، والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، واحتجاز أموال المقاصة، والأوضاع الأمنية والإنسانية في قطاع غزة، وتعثر إعادة الإعمار وعدم انسحاب قوات الاحتلال من القطاع. كما أشار إلى الصعوبات التي تواجه عمل لجنة الانتخابات المركزية ودخول المراقبين الدوليين إلى غزة والقدس الشرقية، والحاجة إلى استكمال الترتيبات المتعلقة بالقطاع، وإتاحة المجال أمام حوار وطني يحافظ على وحدة الأرض والنظام السياسي الفلسطيني.
لا يمكن التقليل من أثر هذه الظروف في فرص إجراء انتخابات حرة وشاملة، لكن وجودها لا يلغي الحاجة إلى نقاش فلسطيني جدي بشأن كيفية التعامل معها. فالمواطن يريد أن يختار ممثليه، وأن تتاح له فرصة محاسبتهم وتغييرهم عبر صناديق الاقتراع. وهذا حق لا ينبغي أن يبقى معلقا على ظروف قد يستمر تعذر معالجتها سنوات أخرى.
هنا يبرز سؤال أساسي: هل تكون كلفة إجراء الانتخابات في ظروف صعبة أكبر من كلفة استمرار غيابها؟ فالاقتراع في بيئة غير مستقرة قد يواجه عراقيل تمس المشاركة والنزاهة والتمثيل، لكن التأجيل المتكرر يترك المؤسسات من دون تجديد، ويضعف المساءلة، ويحد من قدرة المواطنين على التأثير في القرار السياسي. أما تحديد موعد جديد، فلا يعني بالضرورة أن العقبات التي حالت دون إجراء الانتخابات سابقا ستزول بحلوله.
خلال سنوات الانقسام، غاب المجلس التشريعي المنتخب عن أداء دوره، واستمر الخلاف على إدارة النظام السياسي ومؤسساته. وفي المقابل، تراكمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وتراجعت آمال قطاعات من الفلسطينيين بإمكانية تغيير الواقع عبر الوسائل السياسية. ولم تعد المشكلة مقتصرة على شرعية المؤسسات، بل امتدت إلى قدرتها على تمثيل الناس والاستجابة لاحتياجاتهم واتخاذ قرارات تحظى بقبولهم.
ولا تقع مسؤولية معالجة هذا الواقع على طرف واحد. فالقيود الإسرائيلية تشكل عائقا حقيقيا أمام العملية الانتخابية، لكن الانقسام والخلافات بين القوى الفلسطينية يفرضان بدورهما أسئلة لا يمكن تجاوزها. ما الذي يمنع التوافق على خطوات عملية لتجديد المؤسسات؟ وما البدائل القانونية والسياسية الممكنة إذا تعذر إجراء الاقتراع في بعض المناطق؟ إن الاكتفاء بتعداد العقبات، من دون البحث عن خيارات قابلة للتطبيق، يبقي الفلسطينيين أمام المشكلة نفسها مع كل موعد انتخابي جديد.
وتظهر مسؤولية المؤسسات أيضا في طريقة تعاملها مع التوترات الداخلية. فحماية المواطنين، وتطبيق القانون على الجميع، والتحقيق في التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها، واجبات لا ينبغي ربطها بموعد الانتخابات أو بتحسن الظروف السياسية. كما أن احترام حق المواطنين في التعبير والاعتراض السلمي جزء من العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالمؤسسات التي تطلب ثقة الناس مطالبة بأن تستمع إلى مطالبهم، وأن تتعامل مع الشكاوى بجدية، وألا تجعل المساءلة مسألة مؤجلة.
أما الحديث عن تجديد القيادة، فلا ينبغي أن يقتصر على تغيير الأشخاص أو إعادة توزيع المواقع، فالتجديد يحتاج إلى حياة سياسية تسمح بظهور قيادات جديدة، وإلى فرصة حقيقية أمام الشباب للمشاركة في القرار. وعلى الرغم من حضورهم في الجامعات والمبادرات المجتمعية والعمل العام، ما زالت مشاركتهم في مواقع القيادة محدودة. وكما أن الانقسام وضعف الحياة الحزبية يزيد من صعوبة وصولهم إلى مواقع التأثير، فيما تتراجع فرص طرح أفكار جديدة لمعالجة الأزمات القائمة.
يمثل موعد أيلول/سبتمبر 2027 فرصة للتحضير الجدي، لكنه يضع القيادة والفصائل أمام مسؤولية استثمار الفترة المقبلة. ويتطلب ذلك جدولا زمنيا واضحا، وخطوات عملية لمعالجة العقبات، والعمل على ضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس وقطاع غزة.
وإذا تعذر الاقتراع في بعض المناطق، فلا بد من بحث البدائل ضمن إطار قانوني وتوافق وطني يحفظ وحدة التمثيل، ويمنع تحول الاستثناء إلى مبرر لتأجيل جديد. كما ينبغي أن يتناول الحوار قواعد العمل السياسي ومستقبل المؤسسات، لا التحالفات وتوزيع المواقع فحسب.
لا يمكن تجاهل الصعوبات التي تحول دون إجراء الانتخابات، كما لا يمكن التعامل مع استمرار التأجيل باعتباره خيارا بلا ثمن. فغياب التمثيل والمساءلة يترك أثره في علاقة المواطنين بمؤسساتهم، وفي قدرة النظام السياسي على مواجهة التحديات التي تطال القضية الفلسطينية.
والسؤال الذي سيبقى مطروحا حتى موعد الانتخابات ليس ما إذا كانت الظروف مثالية، بل ما إذا كانت القيادة والقوى السياسية ستنجح في تحويل الفترة المقبلة إلى مسار فعلي للتغيير، أم أن أيلول/سبتمبر 2027 سيأتي ليجد الفلسطينيين أمام الأزمة ذاتها