تاريخ النشر: 2026-10-28 | 14:47
تاريخ النشر: 2026-10-28 | 14:47
يفتح الدور الذي تضطلع به دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، في ضوء التطورات الإقليمية الراهنة، باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل الأمن في الشرق الأوسط، وإمكان الانتقال من سياسة احتواء الأزمات بعد اندلاعها إلى بناء منظومة إقليمية أكثر قدرة على منع الحروب، وخفض التصعيد، وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية والدبلوماسية. وتزداد أهمية هذا النقاش مع تأكيد مجلس الوزراء السعودي، في جلسته المنعقدة في الرياض يوم 27 أكتوبر 2026، الدور المحوري لدول الاتفاقية في استتباب أمن المنطقة واستقرارها، ودعم جهود الوساطة التي تبذلها دولة قطر وجمهورية باكستان الإسلامية لخفض التصعيد وتحقيق السلام.
إن الرسالة السياسية التي تنطوي عليها هذه التطورات تتجاوز حدود التعاون العسكري بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الدول الثلاث على توظيف ثقلها الاستراتيجي وعلاقاتها الإقليمية والدولية في بناء توازن أمني يحمي سيادة الدول، ويمنع اتساع المواجهات، ويفتح الطريق أمام تسويات سياسية تعالج أسباب الصراع، بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياته.
اتفاقية مكة: الردع وسيلة لحماية السلام
جاء توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس 2026 ليؤسس إطاراً للتعاون الدفاعي بين ثلاث دول تمتلك إمكانات سياسية وعسكرية واقتصادية مهمة، وتربطها مصالح استراتيجية وعلاقات تاريخية. وتقوم الاتفاقية على تعزيز الردع الدفاعي الجماعي، والتعاون في المجالات العسكرية والأمنية، انطلاقاً من مبدأ أن الاعتداء المسلح على أي دولة طرف يُعد اعتداءً على الأطراف الأخرى.
وقد شهدت الاتفاقية خطوات مؤسسية لاحقة، شملت إنشاء لجنة سياسية ودفاعية استراتيجية، والاتفاق على إقامة أمانة عامة في المملكة العربية السعودية، بما يعكس توجهاً نحو تحويل التعاون المعلن إلى آليات تنسيق أكثر انتظاماً وفاعلية. وفي المقابل، فإن اكتمال البناء المؤسسي والتنسيق العملي يظلان مرتبطين بالإجراءات الوطنية للدول الأطراف، وبمدى قدرتها على ترجمة التزاماتها إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
غير أن أهمية الاتفاقية لا ينبغي أن تُختزل في بعدها العسكري. فالردع ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لمنع الاعتداء وتقليص احتمالات الحرب. وتزداد قيمته السياسية عندما يقترن بالانفتاح الدبلوماسي، واحترام سيادة الدول، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، والعمل على تسوية الخلافات قبل أن تتحول إلى مواجهات يصعب احتواؤها.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام دول الاتفاقية يتمثل في الجمع بين القدرة على حماية أمنها ومصالحها المشروعة، وبين تجنب الانزلاق إلى استقطاب إقليمي جديد. فنجاح أي إطار دفاعي لا يقاس فقط بما يمتلكه من قدرات، وإنما أيضاً بقدرته على الإسهام في منع الحرب، وتهيئة الظروف لتسويات سياسية مستدامة، وبناء علاقات إقليمية تقوم على المصالح المتبادلة لا على التهديد المتبادل.
الوساطة: من احتواء التصعيد إلى معالجة أسبابه
تكتسب التحركات الدبلوماسية التي شهدتها المنطقة أهمية خاصة في هذا السياق، ولا سيما المحادثات التي أجرتها دول الاتفاقية مع مسؤولين إيرانيين، والجهود الرامية إلى خفض التصعيد وفتح مسارات للحوار. وقد أكد مجلس الوزراء السعودي أهمية دعم الوساطة القطرية والباكستانية، بما يعكس إدراكاً بأن حماية أمن المنطقة لا تتحقق بالأدوات الدفاعية وحدها، وأن الدبلوماسية تظل ضرورة لتفادي اتساع الصراعات.
وتتمثل قيمة هذا الدور في قدرة الدول المعنية على الجمع بين علاقاتها المتنوعة ومصالحها المتقاطعة، واستخدامها لفتح قنوات الاتصال، وتقريب وجهات النظر، وتشجيع الأطراف المتنازعة على البحث عن حلول سياسية. غير أن نجاح الوساطة يتطلب أكثر من عقد الاجتماعات وإصدار البيانات؛ فهو يحتاج إلى إرادة سياسية لدى الأطراف المعنية، واتفاق على قواعد واضحة للحوار، والتزامات قابلة للتحقق، وآليات تضمن تنفيذ التفاهمات وعدم العودة إلى التصعيد.
كما ينبغي التمييز بين وقف المواجهات مؤقتاً وبين تحقيق السلام. فقد ينجح التفاوض في احتواء أزمة محددة، لكنه لا يضمن وحده معالجة أسبابها. ولذلك فإن المسار الأكثر استدامة هو الذي يربط التهدئة بترتيبات أمنية وسياسية واضحة، ويحترم سيادة الدول، ويعالج مصادر انعدام الثقة، ويمنع استخدام أراضي المنطقة أو مواردها في صراعات بالوكالة.
وفي هذا الإطار، يمكن لدول اتفاقية مكة أن تؤدي دوراً يتجاوز التنسيق الدفاعي المباشر، من خلال دعم الوساطات القائمة، والتنسيق مع الدول العربية والإقليمية المعنية، وتعزيز فرص التفاهم حول قواعد مشتركة للأمن الإقليمي. ولا يعني ذلك أن الدول الثلاث تستطيع بمفردها حل جميع أزمات المنطقة، بل إن فاعلية دورها ستتوقف على قدرتها على العمل ضمن إطار أوسع، يستوعب اختلاف المصالح والمواقف، ويمنع تحول التعاون الدفاعي إلى اصطفاف مغلق.
مصر: عمق عربي وشريك في التنسيق الإقليمي
تبرز جمهورية مصر العربية في هذا التصور بوصفها دولة عربية محورية، ذات ثقل سياسي واستراتيجي، وخبرة طويلة في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط، فضلاً عن دورها المعروف في جهود الوساطة المتعلقة بالقضية الفلسطينية وقطاع غزة. ومن ثم، فإن أي مقاربة جادة لأمن المنطقة لا يمكن أن تتجاهل موقع مصر، ولا إمكانات التنسيق بينها وبين الدول الثلاث الموقعة على اتفاقية مكة.
والتمييز هنا ضروري: مصر ليست طرفاً موقعاً على الاتفاقية، ولا يصح افتراض انضمامها إليها أو اعتبارها جزءاً من التزاماتها الدفاعية. لكن عدم العضوية لا يعني الابتعاد عن أهداف الأمن والاستقرار التي يمكن أن تخدمها الاتفاقية. فهناك مساحة واسعة للتنسيق السياسي والدبلوماسي بين القاهرة والرياض وأنقرة وإسلام آباد، تقوم على المصالح المشتركة، واحترام استقلال القرار الوطني لكل دولة، وتكامل الأدوار دون اشتراط تطابق المواقف في جميع الملفات.
وقد قدم الاجتماع التشاوري لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في نيويورك، في 21 سبتمبر 2026، مثالاً عملياً على إمكان هذا التنسيق الرباعي. فقد أكد الوزراء أهمية مواصلة التشاور والتنسيق لدعم السلام والأمن والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط، وشددوا على أن الحوار والدبلوماسية هما الطريق إلى تسوية مستدامة للأزمات. كما أكد اجتماعهم في إسطنبول يوم 23 أكتوبر، ضمن مجموعة الدول الأربع، مواصلة العمل الدبلوماسي من أجل السلام والاستقرار، وتناول بصورة واضحة حقوق الشعب الفلسطيني والحل القائم على دولتين.
وتكتسب هذه الوقائع دلالة سياسية مهمة؛ إذ تظهر أن التنسيق بين الدول الأربع ليس مجرد احتمال نظري، بل مسار تشاوري قائم يمكن تطويره وفقاً لمتطلبات المرحلة. كما توضح أن التعاون العربي والإقليمي لا يستلزم بالضرورة انضواء جميع الأطراف تحت اتفاق دفاعي واحد، بل يمكن أن يقوم على صيغ متعددة، تتكامل فيها الأدوار الدفاعية والدبلوماسية والسياسية، مع احتفاظ كل دولة باستقلال قرارها والتزاماتها الخاصة.
إن انخراط مصر في هذا المسار التشاوري يمنحه عمقاً عربياً إضافياً، بالنظر إلى مكانتها الإقليمية وصلاتها بمختلف الأطراف، وقدرتها على الإسهام في ملفات تتصل مباشرة بأمن المنطقة. وفي المقابل، فإن نجاح هذا التنسيق يتطلب احترام خصوصية الموقف المصري، وعدم الخلط بين التعاون السياسي والعضوية القانونية في اتفاقية مكة، والعمل على تحويل التفاهمات المشتركة إلى خطوات عملية في إدارة الأزمات وتسويتها.
القضية الفلسطينية: الاختبار الحقيقي للسلام الإقليمي
لا يكتمل أي تصور لأمن المنطقة إذا اقتصر على حماية الحدود وردع الاعتداءات واحتواء المواجهات العسكرية، بينما تُترك الأسباب السياسية العميقة للصراع دون معالجة. وفي مقدمة هذه الأسباب القضية الفلسطينية، التي لا تزال تمثل أحد المحاور المركزية للتوتر في الشرق الأوسط، بفعل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، والتوسع الاستيطاني، وغياب التسوية التي تضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء منظومة إقليمية فاعلة للسلام يستدعي وضع القضية الفلسطينية في صلب أولوياتها السياسية والدبلوماسية، لا التعامل معها باعتبارها ملفاً منفصلاً عن أمن المنطقة. فلا يمكن الفصل بين الاستقرار الإقليمي وبين إنهاء الاحتلال، واحترام القانون الدولي، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما أن مستقبل قطاع غزة لا ينبغي أن يُختزل في ترتيبات أمنية مؤقتة أو خطط لإعادة الإعمار منفصلة عن الحقوق الوطنية الفلسطينية. فإعادة الإعمار ضرورة إنسانية وتنموية عاجلة، لكنها تحتاج إلى أفق سياسي واضح يضمن حماية السكان، وإنهاء أسباب الحرب، واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتثبيت المرجعية الوطنية المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
وتستطيع دول اتفاقية مكة، بالتنسيق مع مصر وسائر الدول العربية المعنية، الإسهام في دعم هذا المسار من خلال توحيد الجهود الدبلوماسية، والدفاع عن مرجعيات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ومنع تحويل التهدئة إلى بديل دائم عن الحل السياسي. فالمطلوب ليس فقط وقف الحرب، بل ضمان ألا تعود أسبابها لتنتج حرباً جديدة، وألا يصبح غياب الحل العادل مصدراً دائماً لعدم الاستقرار.
وهذا لا يعني أن الاتفاقية الدفاعية وحدها قادرة على فرض تسوية للقضية الفلسطينية، وإنما يعني أن وزن الدول المشاركة فيها، وما يمكن أن ينشأ من تنسيق أوسع مع مصر والدول العربية الأخرى، يتيح مجالاً للعمل السياسي المشترك من أجل توفير شروط أكثر ملاءمة لتحقيق السلام العادل والشامل.
توصيات عملية لدول اتفاقية مكة ومصر
استناداً إلى ما سبق، فإن الانتقال من التفاهمات العامة إلى سياسة إقليمية قابلة للقياس يتطلب من دول اتفاقية مكة ومصر اعتماد حزمة من الخطوات العملية المتدرجة:
1. إنشاء آلية تشاور رباعية منتظمة بين السعودية وتركيا وباكستان ومصر، على مستوى وزراء الخارجية والدفاع، تعقد دورياً وتخصص لمتابعة الأزمات الإقليمية، وتقييم مخاطر التصعيد، وتنسيق المواقف الدبلوماسية، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني لكل دولة.
2. تشكيل مركز اتصال إقليمي للإنذار المبكر ومنع التصعيد، يتولى تبادل المعلومات بشأن التطورات الأمنية، وفتح قنوات اتصال عاجلة بين الأطراف عند وقوع حوادث عسكرية أو أزمات مفاجئة، واقتراح إجراءات فورية لاحتواء التوتر قبل تحوله إلى مواجهة واسعة.
3. وضع بروتوكول واضح للتنسيق بين الردع والوساطة، يحدد أن استخدام القدرات الدفاعية يهدف إلى حماية السيادة ومنع الاعتداء، لا إلى فرض ترتيبات سياسية أو توسيع نطاق الصراع، وأن كل تصعيد دفاعي يجب أن يرافقه مسار دبلوماسي معلن لخفض التوتر.
4. دعم الوساطات القطرية والباكستانية وغيرها من المبادرات الإقليمية عبر فريق مشترك للوساطة، يضم خبراء سياسيين وقانونيين وأمنيين، ويتولى إعداد مقترحات عملية، وصياغة ضمانات لتنفيذ الاتفاقات، ووضع آليات للتحقق من الالتزامات ومنع الانتكاس إلى التصعيد.
5. تطوير قواعد إقليمية للسلوك، تتضمن احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض الاعتداءات والهجمات العابرة للحدود، ومنع استخدام الأراضي الوطنية في أعمال عدائية ضد دول أخرى، والامتناع عن دعم الصراعات بالوكالة التي تهدد أمن المنطقة.
6. اعتماد صيغة تعاون مؤسسي مع مصر دون الخلط بين الشراكة السياسية والعضوية في اتفاقية مكة، بحيث تشارك القاهرة في لجان التشاور والوساطة والأمن الإقليمي وفق ترتيبات مستقلة، تراعي وضعها القانوني والتزاماتها الوطنية.
7. جعل القضية الفلسطينية محوراً ثابتاً في التنسيق الرباعي، من خلال توحيد الجهود في المحافل الدولية، والدفاع عن حل الدولتين، ورفض إجراءات الضم والاستيطان والتهجير، وربط إعادة إعمار غزة بمسار سياسي يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية والوحدة الوطنية والمرجعية الشرعية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
8. إنشاء صندوق إقليمي لدعم الاستجابة الإنسانية وإعادة الإعمار في مناطق النزاع، على أن يرتبط تمويله بآليات شفافة، وضمانات لحماية المدنيين، وخطة سياسية تمنع استخدام الإعمار بديلاً عن معالجة أسباب الصراع.
9. تنظيم تدريبات مشتركة في مجالات حماية المدنيين، وإدارة الكوارث، وأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وحماية الممرات البحرية، مع التأكيد على أن التعاون العسكري ينبغي أن يخدم الاستقرار الإقليمي وألا يتحول إلى أداة للاستقطاب.
10. وضع مؤشرات دورية لقياس نتائج التعاون، تشمل عدد الأزمات التي جرى احتواؤها، ومدى الالتزام بوقف إطلاق النار، وفاعلية قنوات الاتصال، وحجم المساعدات الإنسانية، والتقدم في المسارات السياسية، بما يحول دون بقاء التعاون في مستوى البيانات والمواقف العامة.
إن تنفيذ هذه التوصيات لن يلغي التباينات بين الدول الأربع، ولن يوفر حلاً فورياً لجميع أزمات المنطقة، لكنه يمكن أن ينقل التعاون من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى القدرة المؤسسية على الوقاية من النزاعات وإدارتها وتسويتها. كما أنه يتيح لدول اتفاقية مكة ومصر بناء شراكة مرنة، تجمع بين الردع الدفاعي والوساطة، وتستفيد من الثقل العربي والإقليمي، من دون إقامة محور مغلق أو استهداف أطراف أخرى.
وتبقى المسؤولية السياسية أمام هذه الدول هي تحويل ما تمتلكه من قدرات وعلاقات إلى نتائج ملموسة: خفض التصعيد، وتثبيت التفاهمات، ودعم الوساطات، ومنع اتساع الحروب، والعمل على تسويات تعالج جذور الصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
إن الرسالة التي ينبغي أن يحملها هذا المسار واضحة: الردع لحماية السلام، والوساطة لمنع الحرب، والتنسيق العربي والإقليمي لتوسيع فرص التسوية، والعدالة أساساً للاستقرار المستدام. وبهذا المعنى، لا تكون اتفاقية مكة مجرد ترتيب دفاعي بين ثلاث دول، بل يمكن أن تصبح مدخلاً إلى تعاون إقليمي أوسع، تتكامل فيه أدوار الدول ولا تتصادم، وتُصان فيه السيادة الوطنية، وتُعالج فيه أسباب النزاعات، ويظل السلام العادل غاية سياسية لا شعاراً مؤقتاً.