تاريخ النشر: 2026-10-30 | 12:52
تاريخ النشر: 2026-10-30 | 12:52
في غزة، حيث تختلط الحكايات بوجع الفقد، وتُكتب فصول المأساة على جدران البيوت المهدّمة، لا تنتهي حكاية الإنسان حين يتوقف نبضه، ولا تغيب سيرته حين يواريه الركام؛ فثمة رجال يتركون في القلوب أثرًا لا تمحوه الأيام، وتبقى ذكراهم شاهدةً على طيبة الأصل، ونبل الخُلق، وصدق الانتماء. ومن بين هذه الحكايات التي يعتصرها الألم، وتُزيّنها معاني الوفاء والصبر، تبرز سيرة الشهيد محمد عبد الجبار حسن عودة، المعروف بـ«أبو أحمد»، الذي ارتقى شهيدًا في مجزرة عائلة أبو نصر بمشروع بيت لاهيا، تاركًا خلفه أسرةً تنتظر، وقلوبًا تنزف، وذكرى إنسانٍ أحبه كل من عرفه.
إنها سيرة رجلٍ لم يكن مجرد اسمٍ في سجل الشهداء، بل كان أبًا لخمسة أبناء، وزوجًا، وابنًا لعائلةٍ أصيلة، وصاحب قلبٍ طيبٍ وسيرةٍ عطرةٍ بين أهله وأصدقائه وجيرانه؛ رجلٌ عاش بين الناس بالمحبة، وغادر الدنيا في مشهدٍ تختصر فيه غزة حكاية شعبٍ يواجه الموت، ويتمسّك بالحياة، ويحفظ أسماء أبنائه في ذاكرة لا تنسى.
النشأة والجذور… حكاية انتماءٍ لا تنقطع
وُلد الشهيد محمد عبد الجبار حسن عودة في الحادي والثلاثين من مارس عام 1980، وتعود جذوره إلى بلدة زرنوقة الفلسطينية، تلك البلدة التي تحمل في الذاكرة الفلسطينية حكاية الأرض والاقتلاع والحنين إلى الديار.
نشأ الشهيد في بيئةٍ فلسطينيةٍ أصيلة، تشكّلت فيها ملامح شخصيته، وترسّخت قيم الانتماء والأصالة، وظلّت جذوره الأولى جزءًا من هويته ووجدانه، مهما تبدّلت الظروف وتعاقبت المحن.
وتلقّى تعليمه في مدارس قطاع غزة، فدرس المرحلة الابتدائية في المدرسة الأيوبية، ثم واصل تعليمه في المرحلة الإعدادية بمدرسة الفاخورة، قبل أن يتابع دراسته الجامعية في جامعة الأزهر، حيث تخصّص في العلاقات العامة والصحافة والإعلام؛ وهو مسارٌ يعكس اهتمامه بالمعرفة، ورغبته في بناء مستقبله، والمضي في طريق العمل والمسؤولية.
وهكذا مضت سنوات التكوين، حتى اتخذ الشهيد طريقه إلى الحياة العملية، حاملًا معه ما اكتسبه من علمٍ وتجربة، ومستعدًا لأداء دوره في خدمة وطنه وأبناء شعبه.
في جهاز الشرطة الفلسطينية… مسيرةٌ من العمل والمسؤولية
في عام 2003، التحق الشهيد محمد عبد الجبار حسن عودة بالعمل في جهاز الشرطة الفلسطينية، ليبدأ مرحلةً مهمةً من حياته المهنية، قوامها الالتزام الوظيفي وتحمل المسؤولية والانتماء إلى مؤسسةٍ وطنيةٍ تضطلع بواجباتٍ أمنيةٍ وخدميةٍ تجاه المجتمع.
لم يكن العمل بالنسبة إليه مجرد وظيفةٍ يؤديها، بل كان جزءًا من مسيرته في الحياة، ومن سعيه إلى توفير أسباب الاستقرار لأسرته، والقيام بواجباته تجاه أبنائه، والوفاء بالتزاماته اليومية.
لقد حمل «أبو أحمد» صفة رجل الشرطة الفلسطينية، وعاش سنواته في ظل مسؤوليات الحياة والعمل والأسرة، كواحدٍ من أبناء هذا الشعب الذين يمضون في دروبهم، ويبنون أحلامهم الصغيرة وسط واقعٍ فلسطينيٍّ مثقلٍ بالتحديات.
وفي استحضار سيرته، فإن الوفاء له لا يكون بذكر صفته الوظيفية فحسب، بل باستعادة صورته الإنسانية كاملةً؛ صورة الرجل الذي كان له عالمه الخاص، وأحلامه، وعائلته، وأحبته، وتفاصيل حياته التي تستحق أن تُروى بصدقٍ واحترام.
«أبو أحمد»… طيبة القلب التي صنعت محبته بين الناس
لم تكن المكانة التي احتلها الشهيد في قلوب من عرفوه وليدة منصبٍ أو لقب، بل كانت ثمرة أخلاقه الطيبة، وحسن معاملته، وعلاقاته الجيدة مع أهله وأصدقائه وجيرانه.
كان، كما يصفه محبوه، طيب القلب، قريبًا من الناس، حسن الصلة بمن حوله، محبوبًا بين أفراد محيطه الاجتماعي، يترك في المجالس أثرًا طيبًا، وفي النفوس انطباعًا كريمًا.
وكان محافظًا على الصلاة، حريصًا على صلته بربه، يستمد من إيمانه ما يعينه على مواجهة أعباء الحياة، ويمنح أيامه معنى يتجاوز متاعبها وتقلباتها.
وتلك هي الثروة الحقيقية التي يخلّفها الإنسان وراءه؛ ليست ما يجمعه من مال، ولا ما يناله من ألقاب، بل ما يزرعه من محبةٍ في قلوب الآخرين، وما يتركه من ذكرٍ حسنٍ على ألسنة الناس.
ولذلك، فإن الحديث عن الشهيد محمد لا يقتصر على تاريخ ميلاده أو سنوات عمله أو مكان استشهاده؛ إنه حديثٌ عن إنسانٍ كانت له مكانته بين الناس، وعن سيرةٍ يظل عنوانها الأبرز طيبة القلب وحسن المعشر.
أبٌ لخمسة أبناء… أحلامٌ تركها خلفه
كان الشهيد محمد زوجًا وأبًا لخمسة أبناء، ثلاثة ذكور وابنتين: أحمد، ويوسف، وكنان، وملك، وجوان.
خمسة أسماءٍ ارتبطت باسمه، وخمسة فروعٍ من شجرة حياته، كان يرجو أن يراها تكبر أمام عينيه، وأن يرافق أبناءه في دروب العمر، ويشهد خطواتهم الأولى، ونجاحاتهم، وأفراحهم، وأن يكون لهم السند الذي يتكئون عليه حين تضيق بهم الحياة.
لكن الحرب التي لا تكتفي بهدم الجدران، بل تمتد لتصيب القلوب وتبعثر العائلات، انتزعت من هؤلاء الأبناء حقًّا من أبسط حقوق الطفولة والحياة؛ حقَّ أن يبقى الأب حاضرًا بينهم، يملأ البيت بصوته، ويمنح أيامهم شعور الأمان.
لقد ترك رحيله فراغًا لا تملؤه الكلمات، ووجعًا لا تقيسه العبارات، وذكرياتٍ سترافق أبناءه كلما كبروا، وتساءلوا عن تفاصيل أبيهم، وعن ملامحه، وعن الأيام التي كان ينبغي أن يعيشوها معه.
ولعل أعظم ما يمكن أن يُهدى إلى الشهيد هو أن تبقى سيرته حاضرةً في وجدان أبنائه، وأن يعرفوا أن أباهم لم يكن رقمًا عابرًا في أخبار الحرب، بل إنسانًا له تاريخٌ وعائلةٌ ومهنةٌ وأصدقاء، وقلبٌ طيبٌ ترك أثره في حياة من عرفوه.
مشروع بيت لاهيا… حين ابتلع الركام حكاية إنسان
في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 2024، ارتقى الشهيد محمد عبد الجبار حسن عودة في مجزرة عائلة أبو نصر بمشروع بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة؛ في واقعةٍ تختصر جانبًا موجعًا من المأساة التي عاشها المدنيون في القطاع، حيث لم تعد البيوت دائمًا ملاذًا آمنًا، ولا الطرقات ممراتٍ للنجاة، ولا العائلات بمنأى عن الفقد.
هناك، في المكان الذي شهد فصول النهاية الدامية لحياته، غاب جسد محمد تحت الركام، وبقي اسمه معلقًا في انتظارٍ ثقيل، فيما ظلّت حكاية غيابه مفتوحةً على الألم والأسئلة والرجاء.
ولم يكن الفقد في مثل هذه الظروف حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الأيام؛ فحين يغيب الإنسان تحت الأنقاض، يصبح الانتظار جرحًا إضافيًا، وتتحول كل لحظةٍ إلى سؤالٍ عن المصير، وكل خبرٍ إلى بابٍ للأمل أو الخوف.
لقد كان استشهاد «أبو أحمد» خسارةً لعائلته وأبنائه وأحبته، وجزءًا من مأساةٍ أوسع عاشها أبناء غزة، الذين واجهوا قسوة الحرب بما خلّفته من دمارٍ وفقدٍ وغياب.
بعد أكثر من عام… الركام يعيد الجثمان، والوجع لا ينتهي
ومن أكثر فصول هذه الحكاية إيلامًا أن جثمان الشهيد ظل تحت الأنقاض قرابة عامٍ وثلاثة أشهر، حتى جرى انتشاله من موقع المجزرة في السابع عشر من يناير عام 2026، وفق المعلومات الواردة عن أسرته.
يا لقسوة المشهد حين يتحول الوصول إلى جثمان الحبيب إلى أمنيةٍ تنتظرها العائلة شهورًا طويلة! ويا لثقل الأيام حين لا يكون الرجاء في عودة الغائب إلى بيته حيًّا، بل في العثور على جسده ليوارى الثرى بكرامة، وتستريح القلوب من عذاب الانتظار!
لقد كان انتشال جثمان محمد لحظةً تختلط فيها مشاعر الحزن بالراحة؛ فالحزن على رحيلٍ لا رجعة فيه، والراحة لأن رحلة البحث انتهت، ولأن الأسرة استطاعت أن تعرف مصير فقيدها، وأن تودعه الوداع الأخير.
وفي السابع عشر من يناير 2026، أُسدل الستار على فصلٍ طويلٍ من الانتظار، ودُفن الشهيد في مقبرة السلاطين، لتحتضن الأرض جسده بعد أن احتضنه الركام طويلًا.
غير أن الدفن، وإن أنهى رحلة الجسد، لا ينهي رحلة الذكرى؛ فثمة غيابٌ يبقى حاضرًا في تفاصيل الحياة، وثمة وجوهٌ لا تغيب عن الذاكرة مهما طال الزمن، وثمة أسماءٌ تظل حيةً لأن وراءها حكايةً تستحق أن تُروى.
لقد عاد جثمان «أبو أحمد» من تحت الأنقاض، لكن الحكاية التي تركها خلفه ستظل أكبر من أن يحاصرها الركام، وأعمق من أن تطويها السنوات.
شهادةٌ في حق رجلٍ عاش بين الناس ورحل في صمت الركام
إن الكتابة عن الشهيد محمد عبد الجبار حسن عودة ليست مجرد استعادةٍ لمحطاتٍ من حياته، بل هي محاولةٌ لإنصاف إنسانٍ كان له حضوره بين أهله وأصدقائه وجيرانه، ثم غاب في واحدةٍ من أكثر صور الحرب قسوةً.
لقد جمع في سيرته بين جذورٍ فلسطينيةٍ ضاربةٍ في الذاكرة، وتعليمٍ سعى من خلاله إلى بناء مستقبله، وعملٍ في جهاز الشرطة الفلسطينية، وحياةٍ أسريةٍ كان أبناؤه الخمسة قلبها النابض، وعلاقاتٍ اجتماعيةٍ عُرفت بالمحبة وحسن المعشر.
وما أحوجنا، ونحن نوثّق سير الشهداء، إلى أن نكتب عنهم بوصفهم بشرًا عاشوا بيننا، لا أسماءً ترد في قوائم الفقد وحدها؛ أن نروي حكاياتهم، ونحفظ ملامحهم الإنسانية، ونترك لأبنائهم وأحفادهم ما يدل على أنهم كانوا هنا، يحبون ويعملون ويحلمون، ويصنعون من تفاصيل الحياة البسيطة معنى يستحق البقاء.
فالشهادة، مهما عظمت مكانتها في الوجدان الوطني، لا ينبغي أن تحجب عنا الإنسان الذي سبقها؛ الأب الذي كان ينتظر أبناءه، والزوج الذي جمعته بزوجته رحلة الحياة، والصديق الذي عرفه الناس بطيبته، ورجل الشرطة الذي أمضى سنواتٍ في عمله، والإنسان الذي كان له بين الناس أثرٌ طيب.
الخاتمة… ستبقى سيرتك أمانةً في ذاكرة الوفاء
رحم الله الشهيد محمد عبد الجبار حسن عودة «أبا أحمد»، وأسكنه فسيح جناته، وجعل مثواه الجنة، وألهم زوجته وأبناءه وأهله ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء.
سلامٌ على روحك الطاهرة، يا ابن فلسطين، ويا ابن زرنوقة، ويا ابن بيت لاهيا الذي غيّبه الركام، ولم يستطع أن يمحو أثره من قلوب الذين عرفوه وأحبوه.
سلامٌ على سنواتك التي مضت بين العمل والأسرة، وعلى صلاتك التي حافظت عليها، وعلى قلبك الطيب الذي ترك في محيطه ذكرًا حسنًا، وعلى أبنائك الخمسة الذين سيحملون اسمك وحكايتك في قلوبهم ما امتد بهم العمر.
لقد غادرت الدنيا، لكنك لم تغادر ذاكرة الأحبة؛ فالأجساد ترحل، أما السيرة الطيبة فتبقى، والوجوه التي سكنتنا بالمحبة لا يستطيع الغياب أن ينتزعها من أرواحنا.
رحم الله الشهيد أبا أحمد، وجعل ذكراه نورًا في قلوب أبنائه، وسيرةً عطرةً تحفظها الذاكرة الفلسطينية، وشاهدًا على إنسانٍ عاش كريم الخُلق، ورحل تاركًا وراءه حكايةً من وجع غزة ووفاء أهلها.
إنا لله وإنا إليه راجعون.