تاريخ النشر: 2026-10-30 | 13:30
تاريخ النشر: 2026-10-30 | 13:30
أما وقد أرخت الانتخابات الإسرائيلية نتائجها، فإن قراءة انتخابات الكنيست الإسرائيلية للعام 2026 تطلب فهماً لوقعها في الشارع الإسرائيلي ونتائجها الرقمية والسيناريوهات المترتبة عليها وتحديات تشكيل الحكومة الإسرائيلية ومستقبل دولة إسرائيل وسياساتها. كما أشارت إلى استمرار الانقسام العمودي داخل المجتمع اليهودي فيما يتعلق بطبيعة الدولة واحترام استقلالية مؤسساتها ومكانة مواطنيها، وصورة إسرائيل أمام العالم، ومسألة تجنيد طلاب المدارس الدينية، وبقاء الدولة مرهونة بالبقاء الشخصي لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
(1) فهم نسبة التصويت والضغوط المجتمعي
في ظني أن نسبة المشاركة في الاقتراع يوم الانتخابات في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، التي وصلت إلى حوالي 77.7% وهي نسبة غير مسبوقة، تضع على أطراف قوائم المعارضة ضغطاً إضافياً لاتخاذ قرارات "مؤلمة" لاحترام هذه المشاركة الواسعة، فأقطاب معسكر التغيير الصهيوني محمولون على التعامل مع القوائم العربية "المشتركة والموحدة" بوزنها الثقيل داخل الكنيست، وفي ذات الوقت فإن نسبة المشاركة في المجتمع العربي تضع ضغطاً إضافياً على القائمتين للولوج في عملية تفاوضية لإحداث تغيير يستهدف شخص نتنياهو والسياسة الفاشية التي مارستها حكومته الأخيرة والتخلص من حكم اليمين المتطرف "الليكود والصهيونية الدينية والقوة اليهودية" المشكلين للائتلاف الحاكم على مدار الأربع سنوات الماضية،
والاعتراف بالوزن السياسي للقوائم العربية الممثلة للمجتمع العربي.
إن عدم أخذ أقطاب معسكر التغيير والقوائم العربية بهذا الدافع قد يؤدي إلى انهيارات مستقبلية في مكانتها داخل الكنيست في الانتخابات القادمة لإضاعتها فرصة هذا التحول في نسب التصويت وخيانتها لنوايا المشاركين في الانتخابات لإحداث التغيير المطلوب لمنع اليمين الفاشي بالاستمرار بالحكم.
(2) طبيعة المعسكرات في الكنيست الإسرائيلي
على مدار الأيام الماضية يتم اقتصار تحليل نتائج الانتخابات على وجود معسكرين للأحزاب الصهيونية بالإضافة إلى القوائم العربية، وهو أمر صحيح باعتبار التحالفات القائمة قبل الانتخابات أو لغاياتها، لكن هناك ما هو أعمق من ذلك؛ فمثلا هناك تصنيف حسب الفكر؛ أحزاب اليمين الليبرالي المتمثل بالليكود وإسرائيل بيتنا "افيغدور ليبرمان"، وأحزاب يمين الوسط حزب يشار "غادي أيزنكوت" وائتلاف معا "بينت ولابيد"، واليمين المتطرف لكل من بتسلئيل سموتريش"، واليسار المتمثل بالديموقراطيين "يائير غولان، والقوائم العربية "المشتركة والموحدة"، واليمين الديني "الحريديم" حزبي شاس ويهودات هتوراة".
وتقسيم آخر يتعلق بالتدين؛ الأحزاب الدينية مثل شاس ويهودات هتوراة والقوة اليهودية والصهيونية الدينية مقابل الأحزاب العلمانية "الليكود وإسرائيل بيتنا وحزب يشار وائتلاف معا وحزب الديموقراطيين، والقوائم العربية "المشتركة علمانية والموحدة دينية". كما يمكن تقسيمها من الموقف من حكم نتنياهو كما يعرف بالائتلاف الحكومي ومعسكر التغيير، بالإضافة التقسيم حسب الموقف من تجنيد طلاب المدارس الدينية، ومكانة المجتمع الفلسطيني العربي في إسرائيل، والموقف من الحل السياسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وحسب السياسات المتبعة مع الفلسطينيين في ظل الاحتلال للضفة الغربية وقطاع غزة، وتقسيمات إضافية تتعلق بالموقف من الإصلاح القضائي، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية بأحداث السابع من نتنياهو.
(3) نتائج الانتخابات ومستقبل الحكومة
كما كان متوقعاً في استطلاعات الرأي أن أياً من المعسكرين الصهيونيين؛ ائتلاف نتنياهو الحكومي ومعسكر التغيير لن يتمكن كل واحد على حدة أن يشكل الحكومة بعد الانتخابات، وقد أكدت النتائج الفعلية ذلك بحصول معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، ومعسكر ايزنكوت على 48 مقعداً مقابل حصول القوائم العربية على 19 مقعداً. هذه النتائج تضع الإسرائيليين أمام سيناريوهين الأول التمكن من تشكيل حكومة جديدة، والثاني العودة إلى الانتخابات خلال ثلاثة أشهر وإبقاء الحكومة الحالية كحكومة انتقالية.
يحمل السيناريو الأول " تشكيل حكومة جديدة" أربعة خيارات محتملة على الأقل مبينة على عدم إحداث خلل في جوهر في مواقف الأحزاب الموجودة لدى كل معسكر ومُلبية للغاية الرئيسية لأقطاب كل معسكر.
الخيار الأول: تشكيل حكومة وحدة وطنية بضم حزب الليكود إلى ائتلاف حكومي برئاسة ايزنكوت "استقطاب الحزب"؛ أي استقطاب حزب الليكود دون بنيامين نتنياهو. هذا الخيار يحقق المطلب الرئيسي لأحزاب معسكر التغيير الذي أقام حملته الانتخابية على إقصاء نتنياهو من الحكم، ويلبي مطالب بعض أقطاب المعسكر بالاعتماد فقط على القوائم الصهيونية في تشكيل الحكومة، فيما صعوبة هذا الخيار تكمن بعدم القدرة على تجاوز حزب الليكود أو تمرد أعضاء كتلته على رئيس الحزب نتنياهو، وقد تكون الصعوبة في تركيبة الحكومة حول عدد مقاعد كل حزب في الحكومة والمناصب المركزية فيها.
أما الخيار الثاني: إقامة حكومة انتقالية يتكون الائتلاف الحكومي من أحزاب معسكر التغيير كأقلية صهيونية يعتمد على شبكة أمان من القوائم العربية؛ وذلك للتخلص من نتنياهو وإتاحة الفرصة سريعاً لمحاكمته بموجب لوائح الاتهام المنظورة في المحاكم الإسرائيلية، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية، وإقرار قانون تجنيد طلاب المدارس الدينية وبذلك تتحقق المطالب الرئيسية لمعسكر التغيير.
والخيار الثالث: تشكيل حكومة من أحزاب معسكر التغيير بضم القائمة الموحدة إلى الائتلاف الحكومي؛ بعض أقطاب الحكومة أنفسهم شاركوا في حكومة ضمت القائمة الموحدة، وإنْ رفض رئيس حزب إسرائيل بيتنا "ليبرمان" أو عدم مشاركته يمكن أن يعوض بالأحزاب الحريدية أو أحدها. مع الحصول على شبكة أمان من القائمة المشتركة. هذا الخيار يحقق بعض أهداف معسكر التغيير المتعلقة بإقصاء نتنياهو وتشكيل لجنة تحقيق رسمية.
أما الخيار الثالث: فيتمثل بإمكانية تشكيل رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو حكومة تعتمد على خرق أحد أحزاب معسكر التغيير للوعود التي قدمها لجمهوره بتغيير نتنياهو عن الحكم، وهو أمر غير مستغرب في الحلبة السياسية الإسرائيلية لما يتمتع به "نتنياهو الحاوي" من جاذبية في تقديم الوعود والمزايا لشركائه من أجل البقاء السياسي لشخصه.
في ظني أن الحلبة السياسية الإسرائيلية تحمل الكثير من الخيارات لتشكيل حكومة جديدة؛ ففي خرائط التقسيمات يمكن أن تتشابك مواقف الأحزاب والقوائم البرلمانية وتتداخل بين السياسي والايديولوجي والاجتماعي بالإضافة إلى المكانة الشخصية لزعماء الأحزاب ومرجعياتهم، وذلك ما يفسر أحياناً تغيير تركيبة الحكومات بالارتباط بمصالح هذا الحزب وجمهوره واهتمامات مسؤوليه، فلا خلاف فكري أو مرجعية دينية أو موقف سياسي يحدّ من التحالف ما دامت المصالح أو بعضها يُلبى في إطار التحالف الحكومي، أو بمعنى أدق التحالفات تتبدل وتتغير بين حكومة وأخرى للوصول إلى الحكم أو حجز مقعد على طاولة الحكومة- صحيح أنه مرتبط بتحقيق المعادلات الإحصائية للوصول إلى أغلبية برلمانية- مرتبط بالمفاوضات التي تجري بين الكتل البرلمانية، ففي جعبة المفاوضين الكثير من الوعود والأوراق الجاذبة والميزانيات الوافرة وكذلك الحجج المفسرة لسلوك هذا الدرب من التحالفات أو التراجع عنه في اللحظة التي يراها هذا الفريق أو ذاك؛ فالتحالفات متغيرة والوصول إلى الحكم غاية ثابتة.