تاريخ النشر: 2026-10-16 | 14:35
تاريخ النشر: 2026-10-16 | 14:35
الراوي لا يكذب... لكن فلسطين حين تنطق تصبح الحقيقة اعمق
لم أكن أبحث عن بداية للحكاية، فالحكاية لم تبدأ معي.
كانت هناك، قبل أن أولد، معلقة على مسمار في جدار خيمة، في مفتاحٍ صدئ ما زال يلمع كأنه وُعد، وفي صورة بالأبيض والأسود لبيتٍ من حجر لم أره، لكنني حفظت تفاصيله كأنني سكنته.
قالوا لي: وُلدت بعيدًا عن أرضك.
وأنا أقول: بل وُلدتُ في قلبها، وإن كانت المسافة بيننا خيمة وحدود وسبعون عامًا من الانتظار.
الجيل الأول.. جيل الحكاية
هم الذين فتحوا عيونهم على الزيتون، وأغلقوها على الخيمة.
يحملون فلسطين في جيوبهم لا في الخرائط. فلسطين عندهم ليست فكرة، بل رائحة خبز الطابون، واسم بئر، وطريق للمدرسة. حين يتحدثون، لا يحكون عن نكبة، بل عن بيت تركوا بابه مواربًا، ظنًا منهم أنهم عائدون بعد أيام.
مات الكثير منهم، وبقي المفتاح.
الجيل الثاني.. جيل الخيمة
هم الذين فتحوا عيونهم على الخيمة، فظن العالم أنهم سينسون.
كبروا وهم يسمعون: "أنتم ضيوف مؤقتون". فصاروا يحفظون أسماء قراهم كما يحفظ الأطفال أسماء أمهاتهم.
تعلموا أن الخيمة ليست سكنًا، بل امتحان. وأن اللجوء ليس قدرًا، بل محطة انتظار طويلة.
هذا الجيل علّمنا كيف نحوّل القماش إلى وطن مؤقت، وكيف نزرع الياسمين على حدود المخيم كي لا نعتاد القبح.
الجيل الثالث.. أنا وأنت
نحن الذين لم نرَ الخيمة ولا البيت الحجري، بل وُلدنا بينهما.
في عمان، في بيروت، في نابلس، في المنافي البعيدة. شاشاتنا ممتلئة بالعالم، لكن قلوبنا معلقة هناك.
يظن العالم أننا الجيل الذي سينسى، لأننا لم نلمس التراب. والحقيقة أننا الجيل الذي لا يملك ترف النسيان، لأننا ورثنا الحكاية كاملة، بوجعها ومفتاحها ويقينها.
لذلك، حين جلست لأكتب، فهمت.
فهمت أن دوري ليس أن أكون راويًا محايدًا يروي ما حدث. فالراوي قد ينسى تفصيلاً، قد يتعب، قد يموت.
دوري أن أكون حارسًا للحكاية.
أن أحرسها من النسيان.
من أن تتحول إلى رقم في تقرير للأمم المتحدة.
من أن تتحول إلى "قضية" باردة في نشرات الأخبار.
من أن يعتاد العالم على صورة الخيمة حتى يظنها بيتًا.
أقول للعالم: القصة لم تنتهِ.
لم تنتهِ لأننا لم ننتهِ.
وكلما طالت السنين، لم تبهت الحكاية، بل ازدادت وضوحًا. صارت العودة أكثر يقينًا، لا لأن السياسة تقول ذلك، بل لأن طفلاً في الجيل الرابع ما زال يسأل جدته: "أين بيتنا؟" فتجيبه دون تردد، كأنها تصفه من نافذتها الآن.
الراوي لا يكذب...
الراوي ينقل ما رأى، وما سمع، وما ورثه من دمع.
لكن فلسطين، حين تنطق هي، لا تحتاج لراوٍ.
حين تنطق فلسطين، تصبح الحقيقة أشد وهجًا من أي سرد، وأعلى صوتًا من أي رواية. يصبح المفتاح الصدئ دليلاً، وتصبح الخيمة شاهدًا، ويصبح اسم القرية التي لم نرها، عنوانًا لا يضيع في البريد.
هذه ليست حكاية ثلاثة أجيال مضت.
هذه حكاية جيل رابع قادم، يعرف الطريق دون خريطة، ويحمل المفتاح دون أن يثقله الصدأ.
والحكاية... لم تنتهِ بعد.