تاريخ النشر: 2019-05-07 | 20:08
تاريخ النشر: 2019-05-07 | 20:08
ليس غريبا ولا مفاجأ على شعب ضعيف، احتلت ارضه من عقود طويلة، أن يفرح ويهلل ويكبر مع كل رشقة من القذائف محلية الصنع، يطلقون عليها صورايخ، تحمل مختلف أنواع الأسماء المعبرة والمقدسة. كما ليس غريبا أن يعتلي سكان مدينة الخليل جبالها ليشاهدوا صورايخ غزة التي فلتت من القبة الحديدية ويدعون لها بالتوفيق ودقة التصويب. طبعا مازلنا نتذكر تهليل وتكبير شعبنا، في الداخل والخارج، لصواريخ صدام السبعين التي سقطت على إسرائيل؟!.
هذا سلوك انساني طبيعي ومتوقع خاصة من شعب يعاني من احتلال اقتلاعي على مدى طويل من السنيين، هذا الوضع والهجمة الصهيونية الشرسة دفعت بالشعب الفلسطيني الى تقديس النضال والكفاح المسلح والبندقية وأطلق عليها في ادبياته الجهاد المقدس.
لا نقاش ولا جدال في مواصلة تبني وتأييد الشعب الفلسطيني وتمسكه بالمقاومة حتى تحقيق أهدافه الوطنية في الحرية والاستقلال ويجب التوقف عن الخلط المقصود بين المقاومة وأساليب النضال.
أن الشعوب تقف دوما، خاصة في المنعطفات الصعبة، أمام أساليب النضال التي تمارسها لتعيد تقييمها ومواءمتها مع قدراتها وامكانياتها الذاتية، وقدرتها على إيقاع اكبر الخسائر في صفوف العدو دون أن تسبب في تدمير مجتمعاتها أو تكبيدها خسائر تفوق خسائر العدو، كما من الهام محاكمة هذه الأساليب وفقا للنتائج التي تحققها على الأرض، بعيدا عن الاوهام والرغبات والتقديس الضار.
ان الشعب الفلسطيني مارس هذه المراجعة مرات عديدة وتوقف أمام أساليب نضاله، لكن هذه المراجعة والتوقف لم تكن على العموم بسبب قناعات ودوافع داخلية من أجل التقدم والتطوير، بل للاسف، رضوخا لقوة العدو والمعيقات التي يضعها في مواجهة هذه الأساليب والتي تجعل من المستحيل على النضال الفلسطيني الاستمرار في تبني هذا الأسلوب أو ذاك من المقاومة.
لقد أوقفت الجبهة الشعبية ما سمي بالعمل الخارجي وخطف الطائرات وتوقفت عن شعار ملاحقة العدو في كل مكان، وحلت حركة فتح منظمة ايلول الاسود، وتراجعت الفصائل الفلسطينية بصفة عامة عن ما سمي بارسال الدوريات الفدائية من الخارج إلى الداخل.
لقد حددت الانتفاضة الشعبية الأولى، وهي التغيير الابرز في تغيير أساليب النضال في مسيرة النضال الفلسطيني الطويلة، بوضوح ان الأرض المحتلة هي المكان الرئيسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأن المقاومة الشعبية هي الأسلوب الأبرز لهذا النضال. هذا التغيير الذي انتكس من جديد أثناء ما سمي بالانتفاضة الثانية التي تم عسكرتها، وكانت الأرضية التي نمت عليها معظم السلبيات التي ما زلنا نعاني منها.
أن التصعيد الاخير في غزة، كان اكبر من تصعيد واقل من حرب، لم تنته آثاره بعد. لكن بعيدا عن أهدافه غير المعرفة ونتائجه البائسة يشير إلى صعوبة، ان لم يكن استحالة، مواصلة هذا النهج المسلح في مواجهة إسرائيل، القاعدة العسكرية المحصنة.
ان مواصلة نشر الاوهام حول مقدرة الكف على مواجهة المخرز، وإخراج هذه المقولة الصحيحة من سياقها الموضوعي، وتضليل الناس أنها تستطيع أن تنتزع لقمتها من تحت صليل السيوف ومن بين تراشق الرماح، وأن نتنياهو مضطر صاغرا أن يسمح بمرور الأموال القطرية إلى غزة خوفا من صواريخها ومقاومتها، بعيدا عن الأهداف السياسية التي يعرفها القاصي والداني، والتي لا تخجل إسرائيل ولا تنفك ترددها بأن مرور هذه الأموال مصلحة استراتيجية إسرائيلية.
ان نشر هذه الاوهام وهذا التضليل إضافة إلى احتجاز قدرة غزة الوطنية والشعبية، التي كانت دوما وما زالت هي الرافعة لكل المشروع الوطني، ان احتجاز هذه الإمكانيات وتوجيهها في اتجاهات خاطئة سيضعف كل المشروع الوطني ويسبب في هزيمته المؤكدة.
ان جولة التصعيد الاخير، أثبتت فيما أثبتت، اتساع وتعمق التدخل الخارجي في الشأن الفلسطيني وأن غزة أصبحت قاعدة عسكرية وسياسية لمن يدفع ويشغلها وفقا لمصلحته وأهدافه وتوقيته، بعيدا عن مصلحتنا وأهدافنا الوطنية وحجم الألم والدم الذي يطفحه شعبنا الفقير في مثل هذه المواجهات.
كما أشارت هذه الجولة إلى إمكانية خلق تناقضات وتعارضات بين الفصائل المسلحة، وخلق تيارات جديدة، ليس من السهل السيطرة عليها وعلى أهدافها، في ظل توفر الدعم السياسي والعسكري الخارجي لأهداف بعيدة عن الأهداف الوطنية العامة.
أن جولة التصعيد الأخيرة لم تنتهي بعد، بل أدت إلى تسريع الاقتراب من ربع الساعة الأخيرة للحرب القادمة، التي لن نمل ولن نكل من التكرار ان أهداف هذه الحرب ستكون عميقة وستؤدي إلى تدمير إمكانيات الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، وتدمير بنيته التحتية المهلهلة، وخلق وضع ضاغط يدفع نحو التهجير والقبول بالحلول السياسية الإنسانية المطروحة.
أن توقف الكل الوطني بجرأة أمام مسيرتنا السياسية والنضالية، وامام أساليب النضال العسكرية التي نتبعها ضرورة ملحة وسريعة. ان أي خسارة قد يدفعها هذا الفصيل أو ذاك بسبب هذه المراجعة ستكون اقل بكثير وبما لا يمكن مقارنته مع الخسارة التي تنتظر الشعب الفلسطيني في هذا الطريق الصعب والمسدود الذي نسير، دون وعي أو رشد، عليه.
سننهي كما تعودنا أن نقول: المعادلة الرخوة لن تستمر ولا حل الا الحل الوطني، أنقذوا غزة!!!!