خيار ضربة عسكرية ضد بلاد فارس ما قبل إعلان نتائج الانتخابات في دولة الكيان، قد يكون "خيار الإنقاذ الوحيد" لنتنياهو، لكنه خيار ترامب التاريخي لفرض مسار إقليمي جديد

الاستحمار الغربي والافتتان!

 الاستحمار الغربي والافتتان!

تاريخ النشر: 2026-10-27 | 13:36

بكر أبو بكر
بكر أبو بكر

لطالما استأثر الطغاة والمستبدون بحصة الأسد في فكر العدوان على الآخرين وقمعهم، واستلال السيوف للقضاء على مساحات النور أو فضاءات الاختلاف والتعددية والاعتراف.
إن الطاغية – والمحتل أو المستعمر طاغية – لا يرى في الضوء إلا تهديدًا، ولا يفترض في فُرجة الضياء سوى الخطر الذي قد ينتشر، فيجعل من الصباحات عميمةً على كل الناس، فيُخرج المنتكسين أو الموهومين من ظلمة الاستقرار المصطنع إلى ضجيج الحراك المأمول.
تتفرد الدول الكبرى بحالة الاستئثار بالثروات وبالقدرات الاقتصادية والعسكرية والإدارية والتقانية والصناعية والزراعية، وتبعًا لذلك فإنها تفترض سيادة روايتها وثقافتها الحصرية وتفسيراتها للحضارة، بتصدير قيَمها وثقافتها وأسلوب حياتها جبرًا في نطاق حضارتها، وكأنها قدَرٌ على العالم الذي يتوجب عليه القبول بها.
إن قبول القليل من الناس أو الكثير لكلّية حضارة الغرب المهيمن، بما يعنيه من استحقار الآخر واستحماره واستخدامه خادمًا لها، لا يأتي دومًا عبر فوهة البندقية أو الدبابة أو فحيح صواريخ الطائرات المهاجمة، بل كثيرًا ما يأتي من ديوان المطبوعات، ومن قنابل الدعاية الموصوفة كذبًا بالإعلام، ومن وسائط التواصل الاجتماعي وخوارزميات الشابكة حديثًا، فيجعل من المتلقي المرتبط بـ«الحضارة الدنيا» منبهرًا ومفتونًا بحضارة المتغلّب الاستخرابي (الاستعماري)، فيتحول إلى خادمٍ أمينٍ ومطيعٍ لها.
في إطار الاختراق الفكري والحضاري لعقول الموهومين من الأمم المنهارة أو المغلوبة على أمرها أو ذات القابلية للاستخراب (القابلية للاستعمار بحسب المفكر الجزائري مالك بن نبي)، تجد الكثير من المنظّرين الذين يقدّسون تراب أرجل الجنود الغزاة! فيرونهم، بانتصاراتهم، أصحاب حق وشرعية وقبول، بل وفخر.
لم تكن الأقدام الغازية الثقيلة يومًا لتشكّل حضارة، وما كانت الأسلحة لتبني أممًا مستقرة أو نهضة عمرانية أو رفعة فكرية. ومن هنا حملت حضارات المهيمن الاستخرابي الدينَ على أكتافها، وحملت ثقافة الأبيض العنصرية الفوقية الحصرية على أسنة الرماح، فأشربتها مساكينَ الأمم الذين انخرطوا اليوم في الدعاية اللذيذة لتلك الأمم المتغلبة، وكأنها هبة الله من السماء للبشرية.
انخرطوا فيها لا لثقافتها العقلية المهمة ولا لمدارسها الفكرية القابلة للأخذ والرد، وإنما ابتداءً من مظاهر صغيرة قد تبدو هامشية للمنبهرين المفتونين، مثل تبني لغة الآخر وافتراض أنها تعني الأناقة والرفعة والسمو، والتشبه بالغربي ولَيِّ الأشداق حين الحديث، وامتلاء الساحات المفتوحة بالدعوات لتقبيل أقدام الغرب، بدءًا من تبني مصطلحاته وتقديس منتجاته حتى لو خالفت قيم حضارتنا المتميزة، وصولًا إلى الاغتسال بماء مستهلكاته الثقيل.
إن الافتتان والانقياد لكل ما هو أجنبي أو غربي يضرب بالمقدس عرض الحائط، ويُرسِّم الآخرَ سيدًا عليه: في حقيبة اليد، وفي شكل نطق الكلمات ولافتات المحلات، وفي توقير منتجات الغرب والمحتل على حساب البناء الذاتي والحضاري الأصيل والمتميز.
في وسائط التواصل الاجتماعي – وهي كلها صناعة غربية، إلا ما انتزعته الصين مؤخرًا – تحسّ أو لا تحسّ بوجود سياسة وخطة مُحكمة تتيح لك أن تقول ما تريده هي، على إيهامٍ بأنك أنت صاحب ما تقوله! وعندما تصل إلى كبد الحقيقة تجد الانفلات العنصري يلاحقك، وتجد العصا الثقيلة تلهب ظهرك.
الطغاة والمستبدون والمحتلون للأرض والنفوس يمارسون العدوان على العقول كما يفعل المستعمِر، وكما يفعل الشخص المستحمَر (بفتح الميم) أو المستجحش، الذي يضع نفسه فداءً للطاغية المستبد أو المستخرِب (المستعمِر)، ومثله المحتل، فيندمج المستحمَر في فضاء الآخر بافتراض أنه يمثله؟! وهو في الحقيقة يسلبه شخصيته، بعد أن سلب منه، كرهًا ثم طوعًا، انتماءَه لبلده وعقلَه وحضارته، ليتحول إلى داعية شرس لغيره. يرى ما يرون، ولا يفكر إلا بأدواتهم، وتبًّا للأمة والبلاد والعباد!
في كتاب علي شريعتي المعنون بـ«النباهة والاستحمار» يعرّف الاستحمار بأنه «تزييف ذهن الإنسان ونباهته وشعوره، وتغيير مسيره عن “النباهة الإنسانية” و“النباهة الاجتماعية”».
ويكتب د. غازي حسين عن «ظاهرة الاستجحاش والاستغباء للإنسان العربي» في هجومه على وسائل الإعلام التي تحتفي بالتفاهات والتسطيح، بادّعاء أنها تعرض الفكر والثقافة، فما أسوأ من ذلك إلا المفتتن بالغرب الاستهلاكي منزوع القيم المشرقية المتميزة، والمميِّزة لنا عن قيم الانحلال والعلاقات الملعونة.
يقول الدكتور عبد الستار سعيد إن نتائج الغزو الفكري الغربي والاستهلاكي الرغائبي الحديث كانت ضارية ومروّعة، إذ نجح في تنشئة الأجيال على حب الغرب، والتسبيح بحمده، والفناء العميق في مناهجه وأساليبه «وطريقة عيشه» في الحياة.
أي إنه عملية تحويل الإنسان إلى حيوان مستأنس يُسخَّر كما يُسخَّر الحمار أو الجحش «دون أن يشعر بذلك». ومن الاستحمار المباشر تحريك الأذهان نحو الجهل والغفلة أو سوقها نحو الضلال والانحراف، ومن الاستحمار غير المباشر الإلهاء عن الحقوق الأساسية والحيوية الكبرى بتوجيه الذهن نحو تلك الجزئية البسيطة أو التافهة.
ما يفعله الطغاة والبُغاة والطواغيت بالشعب، وكذلك المستخرِب (عقلية المستعمِر الرأسمالي العنصري الاستغلالي) أو الاحتلال، ما هو إلا سلب للإرادة البشرية، أو توجيهها نحو الجزئيات والمظاهر الاستهلاكية والرغائبية، ونحو الاستتباع السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، وفقدان القيم الأصيلة لكل أمة أو حضارة، مما يؤدي إلى تلاشي الماهية المميزة، وليس سوى ذلك. ويظهر ذلك في تبني رأي الطاغية أو عقل المستخرِب (المستعمِر) وثقافته ولغته، بل وأسلوب حياته، حتى يصرع كل تمايز أصيل لذاته أو وطنه أو أمته، فينشغل بتوافه الأمور عن قضايا البلد أو قضايا الأمة الكبرى.

الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب:
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي:

×
أخبار
اعتقال إسرائيلي بشبهة محاولة اغتيال يائير غولان في تل أبيب إيران: محسن رضائي يلتقي مجتبى خامنئي لبحث شروط إنهاء الحرب إسرائيل أمام شبح العزلة الاقتصادية وتحذيرات من هروب الأموال رسالة إلى كالاس..60 نائبا أوروبيا يطالبون باجتماع عاجل لبحث فرض عقوبات على إسرائيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,561 شهيدا العليمي يدعو دول الاتحاد الأوروبي إلى إدراج الحوثيين على قائمة المنظمات الإرهابية هاري كين يحصد جائزة الكرة الذهبية 2026..ومبابي ثانيا مقاومة الجدار: حكومة الاحتلال تبحث بناء 608 وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية جيش الاحتلال يواصل حربه العدوانية في الضفة والقدس: اعتقالات وتخريب ممتلكات واقتحام الأقصى منصور يوجّه رسائل إلى الأمم المتحدة بشأن عدوان الاحتلال المتواصل في الخليل التحالف: اعتراض 3 صواريخ و 4 مسيرات أطلقها الحوثيين نحو مناطق في السعودية ترامب: إيران هي الراعي الأول للإرهاب في العالم مغني الراب ماكلمور يتعهد بالنضال حتى “آخر نفس” بافتتاح جولة فلسطين حرة ردا على حديث بن غفير عن تهجير فلسطينيين إلى تونس: ليست أرضا بديلة الأردن يشن غارات على مواقع إرهابية جنوب سوريا: “الردع الأردني – حمود” توتر في الموساد الإسرائيلي بسبب تأييد رئيسه لخطط نتنياهو العسكرية ضد إيران عشية الانتخابات لجنة أممية مستقلة: إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في الأرض الفلسطينية المحتلة في ظل استمرار الإبادة في غزة وزير الداخلية الأردني: القبض على منفذي اعتداء كنيسة الكرك كان نوعيا..والمنفذين أصحاب فكر تكفيري البرلمان العربي يؤكد مركزية القضية الفلسطينية ويدعو لدبلوماسية برلمانية فاعلة إدارة ترامب تعيّن غرينسبان المسؤولة سابقة في عهد بايدن لحشد دعم الكونغرس خطة غزة عبري: عودة عشرات الآلاف من الخارج إلى إسرائيل مفاجأة الانتخابات سوريا: اعتقال ابن عم بشار الأسد وعددًا من كبار ضباط النظام السابق نبيل فهمي يبحث مع البرهان إنهاء الحرب في السودان.. ويؤكد رفض الهياكل الموازية للدولة اتفاق وفد حلف مكة وإيران على مواصلة التعاون بمجالي السلام والأمن مجموعة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني تسلم سلاحها للسلطات العراقية المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى عشية انتخابات الكنيست مؤسس برنامج «بيغاسوس» يطلق شركة «دريم» للذكاء الاصطناعي السيادي الخليل: 619 عائلة متضررة ونحو 4 آلاف نازح واعتقال 85 مواطنا جراء عدوان جيش الاحتلال المتواصل لليوم الرابع جيش الاحتلال يحرق مخيماً للنازحين في الشجاعية شرقي غزة ويشرد 800 مواطن خبراء أمميون: الإبادة الجماعية في غزة مستمرة رغم اتفاق وقف إطلاق النار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط