تاريخ النشر: 2026-10-25 | 14:58
تاريخ النشر: 2026-10-25 | 14:58
تعتمد إسرائيل بشكل أساسي على الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي، وقد حرصت الدعاية اليهودية والإسرائيلية في أمريكا على البحث عن القواسم المشتركة وأوجه الشبه بين البلدين تمشياً مع مبدأ نحن متشابهين فنحن أصدقاء. وقد حاولت تشبيه الصراع وكأنه صراع بين متحضرين أوروبيين وعصابات عربية أشبه ما تكون بالهنود الحمر في أمريكا، وظل الخطاب الإسرائيلي الموجه للرأي العام الأمريكي يتمحور حول أوجه الشبه والقواسم المشتركة بين البلدين.
فأمريكا قامت كحركة كولونيالية استيطانية وفدت الى قارة بكر تسكنها شعوب وحضارات قديمة، فعمدت الى شن حرب شعواء لتدمير هذه الشعوب اجتماعياً وثقافيا واقتصادياً وسلب أراضيها وتعريضها لأعمال الإبادة الجماعية الى ان انحصر وجودها في محميات متفرقة.
فأمريكا أقيمت من خلال العنف والاستيطان وتدمير السكان الأصليين بشكل ممنهج وخاصة منذ سن قانون إزالة الهنود Indian Removal Act في 28 أيار 1830 في عهد الرئيس اندرو جاكسون، حيث طُرد السكان الأصليين من المناطق الواقعة شرق نهر المسيسيبي الى الشمال حيث توجد اليوم ولاية اوكلاهوما بهدف الاستيلاء على ملايين الأفدنة الزراعية الخصبة والغنية بالموارد الطبيعية. وقامت وحدات من الجيش الأمريكي بمحاصرة قرى السكان الأصليين تحت تهديد السلاح ولم يمنح سكان القرى سوى دقائق معدودة لجمع ما يمكن حمله من امتعة خفيفة قبل طردهم من منازلهم وارغامهم على السير مئات الأميال في ظروف مناخية قاسية وطرق جبلية وعرة وهم يعانون من قلة الغذاء والماء فانتشرت بينهم الأوبئة ومات الآلاف على الطريق ودفنوا في مقابر مجهولة على مدى مسار الرحلة التي عرفت باسم Trail of Tears "مسيرة درب الدموع" بين عامي 1851 حتى 1850. وما أشبه الأمس باليوم.
هذه الأحداث التي رافقت إقامة الولايات المتحدة، كانت مصدر الهام لارتكاب نكبة عام 1948 وتشريد جزء من شعبنا من وطنه وكذلك النكبة الحالية التي يجري تنفيذها في قطاع غزة حيث تم قتل اكثر من 74 الف فلسطيني معظمهم من الشيوخ والأطفال والنساء، وطرد أكثر من 85% من سكان قطاع غزة من الشمال الى الجنوب سيراً لمسافات طويلة تحت القصف الجوي والمدفعي وفي أسوأ الظروف الجوية ونقص الغذاء والماء والدواء وتفشي الأوبئة وموت الكثيرين تحت الردم او على الطرقات، بما هو أشبه بمسيرة درب الدموع آنفة الذكر.
الإسرائيليون مغرمون بتشبيه انفسهم بالأمريكيين لأن محاكاة التاريخ الأمريكي والأحداث المتجذرة في الرواية الوطنية الأمريكية تخلق نوعا من التضامن والتآلف بين الطرفين، فنحن متشابهون ولذلك نحن في قارب واحد ونستند لشرعية واحدة.
وهناك ايضاً محاكاة إسرائيلية للحالة الأمريكية على صعيد التوسع الإقليمي. فقد خاضت أمريكا حربا ضد المكسيك بين عامي 1846 حتى 1848 أسفرت عن احتلال وضم نصف أراضي المكسيك، كما سيطرت أمريكا في أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين على جزر هاواي وبورتوريكو ، ولا تزال تطمح للاستيلاء على جرينلاند ومناطق أخرى في العالم.
وقامت إسرائيل بعد تشريد جزء من الشعب الفلسطيني عام 1948 واحتلال اراضيه، باحتلال ما تبقى من فلسطين الانتدابية عام 1967، ولم تتوقف اطماعها عند خطوط 1967 بل قامت بضم القدس العربية وهضبة الجولان من طرف واحد ولا تُخفي نواياها بضم أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة بعد تهجير سكانه، أسوة بسياسة الضم التي مارستها أمريكا، ولذا فليس مستغرباً ان تبادر إدارة الرئيس ترمب خلافا لمبادئ القانون الدولي بالاعتراف بضم إسرائيل لهضبة الجولان والقدس.
واستمراً لتبني فكرة التشابه بين إسرائيل وأمريكا يتم التركيز في الخطاب الدعائي الإسرائيلي على محاربة ما يسمى ب "الإرهاب الإسلامي" ، وتشبيه هجوم 7/10/2023 بالمحرقة او بهجوم 11 سبتمبر 2001 ، والادعاء مؤخرا بأن محاولة اختطاف طائرة فلاي دبي كان بهدف تنفيذ عملية في تل ابيب على غرار عملية 11 سبتمبر 2001.
ورغم التركيز الإعلام الأمريكي والغربي بشكل عام على ما يسمى بالإرهاب الإسلامي إلا انه يتغاضي تماماً عن الخطاب الديني العنصري المتطرف للحركات الأصولية اليهودية الذي يتجاوز حدود أكثر الحركات الأصولية المتطرفة التي تنسب نفسها للإسلام والإسلام منها براء، وبنفس الوقت يُطلق على الإرهاب الذي يقوم به المستوطنون ضد شعبنا في الضفة ب "عنف المستوطنين" .
ومن أوجه التشابه أيضاً تركيزالخطاب السياسي التقليدي الأمريكي على قيم الحرية والديمقراطية واحترام الدستور وتبني إسرائيل نفس الخطاب والحديث عن قيم الحرية والديمقراطية بينما تتناقض ممارسات الطرفين مع الخطاب الذي يرفعان لواءه.
ليست هذه المقارنة بين إسرائيل وامريكا للسرد التاريخي وانما لدق ناقوس الخطر والتحذير من أن السياسة الاستيطانية التوسعية الإسرائيلية لم تبلغ هدفها النهائي بعد، فما زالت امامها أطماع احتلال وضم، ويجب ان تؤخذ تصريحات القادة الإسرائيليين سواء ما تعلق منها بالفلسطينيين او بدول الجوار أومفهوم إسرائيل الكبرى مأخذ الجد.
لقد تحدث رئيس الوزراء نتنياهو قبل يومين عن تعميم نموذج غزة على الضفة الغربية وعن وجود خطة شاملة للضفة وعن تطبيق ما تم في مخيمات اللاجئين بجنين وطولكرم من هدم للمخيمات وتشريد أكثر من أربعين الف مواطن من منازلهم، على القرى والبلدات في الضفة، كما ان مخطط تهجير مليون ونصف مواطن من غزة ما زال على رأس برامج أحزاب اليمين المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية. هذه التصريحات ليست للاستهلاك المحلي كما يتوهم البعض بل تكشف عن النوايا الحقيقية المبيتة لليمين الإسرائيلي والتي يجب ان تُقض مضاجع الجميع.
وما الإرهاب الذي يقوم به المستوطنون بالضفة من استيلاء على أراضٍ ومحاصيل زراعية ومواشي وحرق سيارات وبيوت وحقول سوى مقدمات وبروفات لما هو آت، ولا يجوز الاكتفاء بالإدانة والشجب والاستنكار وبيانات مناشدة المجتع الدولي بل المطلوب إعادة النظر بكل الوسائل والأساليب التي أوصلتنا الى ما نحن فيه اليوم واخذ العبرة منها والتصدي لما هو آت، فلا وقت للخلافات كما لا وقت للحوارات !
وعلى دول الجوار ان تأخذ بالحسبان الخطر الحقيقي الذي يتهددها وان احتلال جنوب لبنان حتى الليطاني سيتحول الى ضم وأن ما يسمى هضبة "جلعاد" الأردنية الممتدة من نهر اليرموك شمالاً الى نهر الزرقاء ووادي الموجب جنوبا وشفا الغور غربا هي على رأس قائمة المطامع اليهودية التوراتية، وان السعي لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى يعني استمرار تمدد احتلال الأراضي العربية حتى ما بين النيل والفرات.
وكما قامت أمريكا على العنف وتشريد الشعوب والاستيطان والاحتلال والضم كذلك إسرائيل، واستمرار سيطرة هذا النمط من التفكير لدى أمريكا وإسرائيل، هو خطر وجودي ليس على الفلسطينيين وحدهم بل على دول الجوار إن لم تستشعر خطورة الموقف وتبادر الى استباق الأحداث قبل ان تسبقها.