تاريخ النشر: 2026-10-08 | 16:33
تاريخ النشر: 2026-10-08 | 16:33
ثلاثة أعوام مرت على 7 أكتوبر 2023، وما زال العالم يبدأ الحكاية من ذلك الصباح.
كأن الفلسطيني استيقظ يومها وقرر فجأة أن يدخل التاريخ.
وكأن غزة لم تكن محاصرة، والضفة الغربية والقدس لم تكونا تحت الاحتلال، والمستوطنات والحواجز والاعتقالات وهدم البيوت ومصادرة الأرض لم تكن جزءا من حياة الفلسطيني اليومية.
أنا لا أكتب اليوم لأبرر قتل مدني، فلسطينيا كان أم إسرائيليا.
حياة المدني لا تحتاج إلى هوية كي تصبح جديرة بالحماية.
لكنني أرفض أن يتحول 7 أكتوبر إلى ممحاة تمحو كل ما سبقه، وإلى مبرر مفتوح لكل ما جاء بعده.
حين يُقتل إسرائيلي، يُطلب منا أن نعود إلى 7 أكتوبر.
وحين يُقتل فلسطيني، يُقال لنا: تذكروا 7 أكتوبر.
وحين تُهدم غزة ويُهجر أهلها ويُقتل أطفالها، يعود الجواب نفسه: 7 أكتوبر.
لكن من يطلب منا أن نتذكر ذلك اليوم، عليه أن يقبل بسؤال بسيط:
ماذا كان في 6 أكتوبر؟
كان هناك شعب تحت الاحتلال.
كان أكثر من مليوني فلسطيني في غزة يعيشون تحت حصار امتد سنوات.
وفي الضفة، كان الفلسطيني يعيش بين الحواجز والمستوطنات، لا يملك حرية الحركة على أرضه، فيما يتحرك المستوطن الإسرائيلي في المكان نفسه بحقوق وحماية لا يملكها صاحب الأرض.
وكان هناك أسرى في السجون، وبيوت تُهدم، وأرض تُصادر.
لم يبدأ ذلك في 7 أكتوبر.
الفلسطيني يحمل في ذاكرته نكبة 1948، واحتلال 1967، وعقودا من الاستيطان والتهجير والحصار.
هذا التاريخ لا يجعل قتل المدنيين مقبولا، لكنه يجعل الادعاء بأن الصراع بدأ في 7 أكتوبر غير مقبول أيضا.
هناك فرق بين أن تدين فعلا، وبين أن تستخدم ذلك الفعل لإلغاء كل ما سبقه.
وبعد ثلاثة أعوام، لا يمكن اختزال ما جرى في غزة بكلمة «رد».
فالرد لا يمكن أن يكون شيكا مفتوحا. ولا يمكن أن يصبح 7 أكتوبر تفسيرا دائما للقتل والدمار والتهجير والجوع، أو مبررا لإبقاء شعب كامل يدفع الثمن عاما بعد عام.
حتى وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر 2025 لم يُنهِي المأساة. بقي الدمار، وبقيت عائلات تبحث عن أجساد أبنائها تحت الركام، ولم يتوقف القتل تماما.
وفي الوقت نفسه، لم يتوقف الاحتلال في الضفة الغربية كي ينتظر نهاية حرب غزة. بقيت الأرض تُصادر، والمستوطنات تتوسع، والحواجز تقطع الطرق.
وهنا أصل المسألة.
الفلسطيني لا يطلب امتيازا لا يملكه الآخرون. يريد أن يعيش حرا على أرضه، أن يتحرك فيها دون إذن من جندي احتلال، وأن يأمن على بيته وأرضه ومستقبل أبنائه.
هذه ليست مطالب استثنائية.
هذه حياة طبيعية يعيشها معظم البشر من دون أن يفكروا فيها.
ولهذا، بعد ثلاثة أعوام، لا يكفي أن نسأل: ماذا فعل الفلسطيني في 7 أكتوبر؟
علينا أن نسأل أيضا: ماذا فُعل بالفلسطيني قبل ذلك، وماذا يُفعل به اليوم؟
ليس المطلوب من العالم أن يختار بين دم فلسطيني ودم إسرائيلي، ولا أن يجد مبررا لقتل المدنيين من أي طرف.
المطلوب أن يتوقف عن قلب العلاقة بين المحتل والواقع تحت الاحتلال.
الفلسطيني ليس شعبا يحتل أرض شعب آخر.
الفلسطيني هو الشعب الواقع تحت الاحتلال.
وهذه ليست جملة عاطفية، بل الحقيقة التي لا يجوز إسقاطها من أي قراءة لما حدث قبل 7 أكتوبر أو فيه أو بعده.
ثلاثة أعوام مرت. تغيرت أشياء كثيرة، ودُمرت أشياء أكثر. لكن السؤال الذي كان قائما في 6 أكتوبر لم يختفِي في 7 أكتوبر، ولم تستطع كل هذه الحرب أن تلغيه:
متى يعيش الفلسطيني حرا على أرضه؟
لذلك، إذا كان العالم يريد فعلا ان لا يرى 7 أكتوبر آخر، فلا يكفي أن يتذكر ما حدث في ذلك اليوم.
عليه أن يتذكر أيضا ما كان موجودا في اليوم السابق.
وما كان موجودا طوال العقود التي سبقته.
وما زال موجودا حتى هذه اللحظة.
الإحتلال...