الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

هل تنجح باريس في إنعاش حل الدولتين وإحياء مسار السلام بعد موته السريري ؟

هل تنجح باريس في إنعاش حل الدولتين وإحياء مسار السلام بعد موته السريري ؟

تاريخ النشر: 2026-06-16 | 15:46

منذ سنوات خلت يتردد الحديث عن حل الدولتين باعتباره المخرج السياسي الوحيد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي غير أن هذا الحل الذي شكل لعقود طويلة عنواناً مركزياً في الخطاب الدولي يبدو اليوم أقرب إلى مريض ميؤوس من شفاءه يرقد على سرير الإنعاش في العناية الحثيثة منه إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق وضمن هذا السياق العام جاء مؤتمر " نداء باريس" الذي استضافته فرنسا يوم الجمعة الماضي 11 يونيو الجاري في معهد العالم العربي بالعاصمة الفرنسية مؤخرا بمشاركة واسعة من ممثلي المجتمع المدني الفلسطيني والإسرائيلي ووزراء ومسؤولين ودبلوماسيين من عشرات الدول في محاولة جديدة لإعادة الحياة إلى مشروع تتآكل مقوماته وتضمحل يوماً تحت واقع الحرب وقسوة الاحتلال وانشار الاستيطان وتراكم التحولات الإقليمية العاصفة

 

المؤتمر لم يكن حدثاً بروتوكولياً عادياً بقدر ما كان تعبيراً عن قلق فرنسي وأوروبي متزايد من انزلاق القضية الفلسطينية إلى هامش الاهتمام الدولي في ظل التصعيد المتواصل بين إسرائيل وإيران واستحواذ الملفات الأمنية والعسكرية على أولويات العواصم الكبرى وباريس تدرك أن المنطقة تعيش اليوم على وقع أزمتين متداخلتين الأولى تتعلق بالمواجهة الإقليمية المفتوحة وما تفرضه من تداعيات استراتيجية وأمنية واقتصادية والثانية تتمثل في استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي ما زال يشكل أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط

 

وفقا لهذه الرؤية القاتمة سعت الدبلوماسية الفرنسية إلى توجيه رسالة سياسية واضحة مفادها أن التركيز على الحروب والمواجهات العسكرية الآنية لا ينبغي أن يؤدي إلى تجاهل جذور الأزمة الأصلية وان غياب أي أفق سياسي حقيقي للفلسطينيين واستمرار الاحتلال وتوسع الاستيطان وانهيار فرص التسوية هي من اكبر العوامل التي تغذي دورات العنف والكراهية المتكررة وتمنح المنطقة أسباباً إضافية للانفجار وعدم الاستقرار

 

اللافت في مؤتمر نداء باريس أنه انعقد رغم المقاطعة الرسمية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل وهو أمر يحمل في حد ذاته دلالات سياسية عميقة خاصة وان واشنطن التي احتكرت لعقود دور الراعي الرئيسي لعملية السلام فضلت الابتعاد عن المؤتمر فيما اعتبرت الحكومة الإسرائيلية أن الاجتماع لا يقدم شيئاً عملياً ولا يراعي الاعتبارات الأمنية التي تطرحها تل أبيب غير أن المقاطعة الأميركية والإسرائيلية لم تمنع فرنسا من المضي قدماً في تنظيم الحدث بل ربما منحت المؤتمر بعداً إضافياً باعتباره محاولة أوروبية لإثبات قدر من الاستقلال السياسي في مقاربة الملف الفلسطيني بعيداً عن الهيمنة الأميركية التقليدية التي شكلت اهم عوامل الفشل

 

البعض يرى ان المشكلة ان الجوهرية التي تواجه أي جهد دولي لإحياء حل الدولتين لا تكمن في عقد المؤتمرات أو إصدار البيانات بل في الفجوة الهائلة بين الخطاب السياسي والوقائع الميدانية وحين يجتمع المشاركون في باريس للحديث عن الدولة الفلسطينية كانت إسرائيل قد فرضت خلال السنوات الماضية وقائع جديدة على الأرض تجعل من تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة من أي وقت مضى سيما وان الاستيطان لا زال يمتد بوتيرة متسارعة والضفة الغربية تتعرض لعملية تفتيت جغرافي ممنهجة فيما تواصل مشاريع الضم الزاحف تغيير ملامح الأرض الفلسطينية بشكل يجعل الحديث عن دولة قابلة للحياة أمراً بالغ التعقيد ان لم يكن مستحيل

 

في اعماق هذا السياق تبرز أهمية التحذيرات الأوروبية المتكررة من مشروع " إي 1 " الاستيطاني شرقي القدس المحتلة والذي ينظر إليه كثير من الخبراء باعتباره أحد أخطر المشاريع التي تهدد التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وان نجاح هذا المشروع يعني عملياً تقطيع أوصال الضفة وفصل القدس الشرقية عن امتدادها الفلسطيني الأمر الذي يوجه ضربة مباشرة للأساس الجغرافي الذي يقوم عليه حل الدولتين المنتظر بدون أي امل

 

كما أن الحرب المدمرة في قطاع غزة أضافت بعداً جديداً للأزمة وبعد أشهر طويلة من العمليات العسكرية وما خلفته من دمار هائل وخسائر بشرية غير مسبوقة لم تعد الأسئلة تدور فقط حول مستقبل التسوية السياسية بل ايضا حول شكل غزة نفسها وإمكانية إعادة إعمارها وإعادة دمجها في أي مشروع سياسي فلسطيني مستقبلي ولهذا جاءت الدعوات الصادرة عن المؤتمر مطالبة بوقف دائم لإطلاق النار ووضع تصور متكامل لإعادة إعمار القطاع ومنع أي محاولات لفرض تغييرات ديموغرافية أو جغرافية دائمة عليه

 

عمليا من بين أبرز مخرجات المؤتمر الدعوة إلى وقف الاستيطان ومنع الضم وإعادة ربط غزة بالضفة الغربية وتعزيز مؤسسات الحكم الفلسطيني وإطلاق عملية إصلاح سياسي وإداري تسمح بإعادة بناء الشرعية الفلسطينية عبر الانتخابات والمؤسسات الدستورية كما دعا المشاركون إلى توفير إطار أمني متبادل وإطلاق مشاريع تعاون إقليمي أوسع باعتبارها عناصر ضرورية لتهيئة البيئة المناسبة لأي تسوية مستقبلية

 

يمكن القول انه رغم أهمية هذه الطروحات الا إن السؤال المركزي يبقى قائماً هل ما زال حل الدولتين قابلاً للحياة أصلاً خاصة وان الواقع السياسي المنظور لا يبدو مشجعاً والحكومة الإسرائيلية الحالية تضم قوى تعتبر فكرة الدولة الفلسطينية تهديداً استراتيجياً وترفضها بصورة علنية كما أن المزاج السياسي داخل إسرائيل شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة دفعت باتجاه مزيد من التشدد وفي المقابل يعاني النظام السياسي الفلسطيني من أزمات داخلية مزمنة وانقسامات طويلة الأمد أضعفت قدرته على التحرك الفاعل

 

ما يتعلق بالولايات المتحدة التي كانت تاريخياً الطرف الوحيد القادر على ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل باتت أولوياتها الحالية تبدو بعيدة عن إعادة إطلاق عملية سياسية شاملة خصوصاً في ظل انشغالها بالمواجهة مع ايران وخلافاتها مع الصين فضلا عن الحرب الأوكرانية والأزمات الإقليمية المتلاحقة ولذلك تبدو المبادرات الأوروبية حتى الآن أقرب إلى محاولات للحفاظ على المرجعية السياسية القديمة أكثر من كونها مشروعاً قادراً على فرض وقائع جديدة على الأرض

 

مع كل ذلك نلاحظ إن أهمية مؤتمر باريس لا تكمن في قدرته على تحقيق اختراق فوري بقدر ما تكمن في محاولته منع الانهيار الكامل لفكرة التسوية السياسية خصوصا وان فرنسا تدرك أن موت حل الدولتين رسمياً سيعني دخول المنطقة في مرحلة جديدة من الصراع المفتوح وغير المحدد الأفق مما سيجعل من الصعب مستقبلاً إعادة بناء أي إطار تفاوضي يحظى بقبول دولي واسع او حتى محدود

 

بناء على ما سبق من تحليل ومعطيات يمكن فهم الرهان الفرنسي على المجتمع المدني الفلسطيني والإسرائيلي وباريس تراهن على أن الأصوات الداعية إلى التعايش والحل السلمي لم تختف تماماً رغم صعود التيارات المتطرفة وتراجع قوى الاعتدال على الجانبين وهي تحاول من خلال هذا المسار الحفاظ على جسور الحوار مفتوحة وإبقاء فكرة السلام حاضرة في الوعي السياسي والدولي حتى وإن بدت الظروف الحالية غير مواتية والتصلب والتشدد يقطع كل طريق نحوها

 

الحقائق التي لا يمكن تجاهلها أن حل الدولتين لم يموت بسبب غياب المؤتمرات الدولية بل بسبب افتقاد الإرادة السياسية الدولة القادرة على تحويل القرارات والبيانات إلى وقائع ملموسة ولذلك فإن نجاح باريس في إعادة إحياء هذا الحل لن يقاس بعدد المشاركين في المؤتمر أو بعدد البيانات الصادرة عنه بل بقدرتها وقدرة أوروبا عموماً على الانتقال من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة امتلاك أدوات ضغط حقيقية تؤثر في السياسات الإسرائيلية المتعنتة وتدفع الأطراف المختلفة نحو مسار سياسي جاد زملزم

 

قد يقول بعض المتفائلين يبدو أن باريس حتى الآن قد نجحت في إبقاء فكرة حل الدولتين على قيد الحياة دبلوماسياً ومنعت اختفاءها من النقاش الدولي لكنها لم تنجح بعد في انتشالها من حالة الموت السريري التي تعيشها وبينما تتسارع الوقائع على الأرض وتتقدم مشاريع الاستيطان والضم وتستمر الحروب في إعادة رسم خرائط المنطقة يبقى السؤال الاهم مفتوحاً هل سيكون " نداء باريس" بداية عودة المشروع السياسي الأكثر شهرة في الشرق الأوسط  للرعاية والاهتمام أم ان ما جرى مجرد محاولة جديدة ومستعجلة لتأجيل إعلان وفاته الرسمية

 

  لابد ان نعلم بان الامر الهام الذي تتجنب كثير من العواصم الغربية الاعتراف به يتمثل في أن حل الدولتين لم يدخل غرفة الإنعاش بالأمس بل هو يعيش حالة موت سريري محقق منذ سنوات طويلة والمشكلة لم تكن يوماً في غياب المؤتمرات أو المبادرات أو القرارات الدولية بل في استمرار الرفض الإسرائيلي لمضامين هذا الحل واستحقاقاته السياسية والقانونية فمنذ عقود طويلة يتحدث المجتمع الدولي عن حل دولتين لشعبين فيما كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تبني على الأرض واقعاً مختلفاً تماماً يقوم على التوسع الاستيطاني والضم التدريجي وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتقويض مقومات الدولة المنشودة

 

ختاما : يعلم الجميع اليوم بان الصراع لم يعد يدور حول كيفية تطبيق حل الدولتين بقدر ما يتمحور حول كيفية منع تصفية القضية الفلسطينية نفسها وبينما تحاول باريس وأطراف دولية أخرى إبقاء هذا الحل على قيد الحياة دبلوماسياً تمضي إسرائيل في ترسيخ وقائع تقترب أكثر وأكثر من نموذج الدولة الواحدة الخاضعة لهيمنة إسرائيلية كاملة بالتوازي مع تصاعد الخطابات والمشاريع الداعية إلى التهجير والترانسفير والوطن البديل ودفع الفلسطينيين خارج أرضهم التاريخية ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت باريس قادرة على إنعاش حل الدولتين بل ما إذا كان المجتمع الدولي يمتلك الإرادة والقدرة على وقف السياسات التي دفعت هذا الحل إلى الموت السريري منذ سنوات قبل أن يتحول موته السياسي إلى حقيقة نهائية لا رجعة عنها

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط